في نهاية عام 1919 كان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون يرغب في أن تقرر المنطقة العربية مستقبلها، لكن بريطانيا وفرنسا كان لديهما رأي آخر، فيما كان العرب – أصحاب الأرض – غارقين في سباتهم، ولم يستيقظوا بعد. 

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية مقالًا للباحث تيد ويدمر، الأستاذ بكلية ماكولاي أونورز في جامعة مدينة نيويورك، وزميل مجلس كارنيجي لأخلاقيات الشؤون الدولية، يناقش فيه كيفية تشكيل خريطة الشرق الأوسط بوضعها الحالي قبل 100 عام من الآن، وكيف اصطدمت رؤية الرئيس الأمريكي آنذاك وودرو ويلسون بالطموحات البريطانية والفرنسية الاستعمارية لتقسيم المنطقة العربية.

وبدأ الكاتب مقاله بالقول: إنه «مع اقتراب عام 1919 من نهايته، كان الناس في جميع أنحاء العالم يحتفلون بالأعياد ممتنين لعودة السلام على الأرض بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها الحرب العظمى (الاسم الذي يطلق على الحرب العالمية الأولى)».

وكان مفهوم «السلام على الأرض» مفهومًا نسبيًا؛ إذ كانت رحى المعارك لا تزال تدور في روسيا. ولكن بالنسبة للجزء الأكبر من العالم كان الجنود قد عادوا إلى أوطانهم، وكانت أسرهم تتطلع إلى عقد جديد خالٍ من الصراع.

في باريس كانت هناك طوابير طويلة تنتظر خارج المطاعم، حيث يحتفل الفرنسيون بالعطلة مستمتعين بالمأكولات الوافرة. وفي برلين وفيينا وبودابست، كانت مظاهر الابتهاج بعيد الميلاد أقل من مثيلاتها في باريس بسبب نقص الغذاء وارتفاع التضخم، لكن الناس توافدوا على المقاهي وفعلوا كل ما في وسعهم لإحياء تقاليد العطلات القديمة.

وفي واشنطن لم تتساقط الثلوج، لكن الرئيس وودرو ويلسون أصدر سلسلة من القرارات، من بينها إعلان صدر عشية عيد الميلاد بالتخلي عن السيطرة الفيدرالية على السكك الحديدية، وهو الإجراء الذي كان قد اتخذ في زمن الحرب ولم يعد ضروريًا.

جماهير تشتاق للاستقرار.. وقوى كبرى تتصارع على اقتسام المنطقة

وأضاف الكاتب أنه وسط مظاهر الابتهاج بعيد الميلاد كان هناك قلق عام يسود الأجواء، إذ اقترب عام 1919 الطويل من نهايته دون أن يرى الكثيرون الاستقرار الكامل كما كانوا يأملون في تحقيقه مع نهاية الحرب.

زعماء الدول الأربعة الكبرى في مؤتمر باريس عام 1919. المصدر: Wiki Commons

وبينما وقُعت معاهدة مفصلة في قصر فرساي يوم 28 يونيو (حزيران)، لتنهي الأعمال القتالية بين القوى الرئيسة، لكنها أنتجت مجموعة جديدة من المشاكل؛ إذ ثار غضب الألمان عندما أدركوا حجم التعويضات المفروضة عليهم.

وسارعت جهات سياسية فاعلة جديدة وخطيرة إلى اغتنام شغف الجمهور لتقديم أكباش فداء، إذ أصبح المزاج السياسي قاتمًا.

يتابع الكاتب: «لابد أن أفكار ويلسون كانت متضاربة في موسم عيد الميلاد هذا، فبصفته نجل كاهن كنيسة مشيخية جنوبية (إحدى الطوائف البروتستانتية التي تتبع تعاليم جون كالفين)، كان لديه العديد من الأسباب للابتهاج عند قدوم عيد الميلاد، بما في ذلك حقيقة أنه كان يُقارَن أحيانًا بالمسيح، حين يلقي «عظاته» (هذه العظات كانت تبث بأمريكا في موعد افتتاح إرسال الراديو، أو التلفزيون، ونهايته) حول العصر الجديد الذي كان يدق أبواب العالم. وعندما كان شابًا كتب مقالًا عن «جيش المسيح»، ولا بد أنه شعر في بعض الأحيان بأنه كان مسؤولًا عن هذه المنظمة بكل ما لديه من مخططات لتحسين أحوال البشر. ولكن مع مرور العام بدأت المقارنات بالمسيح تتحول إلى سخرية لمَّا أزعجت نزعة ويلسون إلى بلوغ الكمال حتى حلفاءه.

قبل ذلك بعام واحد خطى ويلسون أمام العالم خطوات عملاق. ففي عشية عيد الميلاد عام 1918 كان في باريس يستمتع بالليلة الأخيرة من زيارته الأولى لفرنسا، حيث لقي ترحيبًا حارًا بوصفه تجسيدًا لآمال الناس.

غير أنه بعد مرور عام واحد تضاءلت صورة ويلسون إلى حد كبير، بسبب تلك المعاهدة التي يعتريها الخلل، ورفض مجلس الشيوخ الموافقة على عصبة الأمم، والسكتة الدماغية التي أصابته بالشلل في أكتوبر (تشرين الأول)، عندما عرض قضيته على الشعب الأمريكي.

وأضاف الكاتب أن ويلسون لم يفقد تدينه أبدًا، ولهذا السبب فإن قدوم عيد ميلاد آخر ربما جعله يشعر بالطمأنينة. بيدَ أن العام المنصرم حمل خسائر فادحة، قال عنها: «إذا لم أكن مسيحيًا، فلربما كنتً استشطتُ غضبًا، لكن إيماني بالرب يحملني على الاعتقاد بأنه يدبر مقاديره بطريقة ما عبر انحرافات البشر وأخطائهم».

إعادة تشكيل خريطة العالم

ما أكثر الأخطاء التي حدثت في ذلك الوقت الذي كان فيه قادة العالم يفكرون في الفرص الضائعة لإعادة تشكيل العالم على نطاق واسع في عام 1919. وكان العامان الأخيران قد شهدا طي صفحات ثلاث إمبراطوريات هائلة: الروسية، والألمانية، وإمبراطورية النمسا والمجر؛ وهو ما أدى إلى محو قرون من امتيازات الأسر الحاكمة، لكنه خلَّف فراغًا عميقًا.

وأوضح الكاتب أن الإمبراطورية العثمانية آنذاك كانت تعاني من سلسلة كوارث، لكنها لم تسقط تمامًا. ومن قصورهم في القسطنطينية، بسط السلاطين العثمانيون سيطرتهم على مساحات شاسعة من الأراضي الممتدة في كل الاتجاهات من آسيا الصغرى. وحتى في مناطق أبعد من ذلك، كان مئات الملايين من المسلمين في مختلف أنحاء العالم يدينون لهم بالولاء باعتبارهم من يحملون راية الخلافة الإسلامية.

خريطة الدولة العثمانية قبل انهيارها.

خريطة الدولة العثمانية. المصدر: Getty Images

ولكن في السنوات السابقة كان السلاطين يكافحون لإبقاء سيطرتهم على المسؤولين الذين يعملون تحت إمرتهم. إذ دعم العثمانيون الجانب الخاسر في الحرب، ثم روَّعوا العالم بحملة إبادة جماعية ضد الشعب الأرمني، بحسب الكاتب.

كما كانوا يفقدون مصداقيتهم بطرق أخرى؛ ففي السنوات التي سبقت الحرب، استولت القوى الأوروبية على ما يقرب من نصف مليون ميل مربع من الأراضي العثمانية السابقة. وبعد ذلك – وأثناء الحرب – انتزعت ثورة عربية أججها البريطانيون أجزاءً كبيرةً مما نسميه الآن الشرق الأوسط من بين أيدي العثمانيين.

وذكر ويدمر أنه مع اقتراب عيد الميلاد كان الإنجليز، والفرنسيون، يتفاوضون بشأن مصير ما تبقى من المناطق. وفي وقت سابق من هذا العام أومأوا بالموافقة ملتزمين بالفكرة التي أوضحها ويلسون عن دبلوماسية جديدة من شأنها إظهار الاحترام للدول الصغيرة، وتأكيد حقوق جميع الشعوب في ما يسمى «تقرير المصير».

بموجب ذلك سيكون هناك عدد أقل من المستعمرات، على الرغم من السماح ببعض «التفويضات» ستعمل فيها القوى الغربية راعيةً لخير الشعوب «غير المستعدة بعد» لتقرير المصير. وكانت الكلمة تبدو مثالية للغاية، حتى أن ويلسون كان يفكر في ولاية أمريكية على أرمينيا والدردنيل والبوسفور.

تنافس بريطاني فرنسي على تقسيم كعكة المنطقة العربية

ولكن كان هناك عدد من الصدمات التي واجهت رؤيته المثالية. جاء أحدها في 20 مارس (آذار) 1919، عندما علم ويلسون أن حلفاءه الفرنسيين والإنجليز وافقوا سرًا على تقسيم الإمبراطورية العثمانية بمجرد انتهاء الحرب، وكانوا يواصلون التخطيط مع بعضهم البعض وضد بعضهم البعض.

وبدا ذلك أشبه إلى حد كبير بالدبلوماسية القديمة، إذ وعد اتفاق سايكس–بيكو، الذي جرى التوصل إليه عام 1916 بإعطاء كل طرف ما كان يريده في المنطقة، دون إيلاء اعتبار يذكر بحق أي شخص في تقرير المصير.

وأشار الكاتب إلى أن البريطانيين كان من نصيبهم فلسطين ومنطقة أطلقوا عليها «بلاد الرافدين»، ومن بينها الأقاليم العثمانية في بغداد والموصل والبصرة. أما الفرنسيون فكان نصيبهم قطعة كبيرة من أراضي شرق البحر الأبيض المتوسط، حول مدينة بيروت، وممرًا داخليًا يمتد إلى دمشق وحلب وما وراءهما.

لم يكن أي من هذه المناطق دولًا طبيعية (وفق مفهوم الدولة المتعارف عليه حاليا)، إذ كان العثمانيون يعتبرون الموصل منطقة مختلفة عن بغداد، لكن البريطانيين كانوا يطمعون في النفط الذي بدأ يتدفق من باطن الأرض.

وفي النهاية حصل هذا المُركّب الغريب من الأقاليم على اسم جديد هو العراق، وذلك عندما نجح البريطانيون في وضع حليف عربي على العرش.

وقال الكاتب: إن هذا الاسم يعني في اللغة العربية أن «جذوره ممتدة» (عريق)، لكن البلد الجديد كان شيئًا آخر غير ذلك. وعلى الخطا ذاتها سار الفرنسيون مقابل حصولهم على بعض النفط، وموافقة من البريطانيين على السماح لهم بمواصلة مؤامراتهم في لبنان وسوريا.

كان رد ويلسون على هذه المخططات بالإعراب المخلص عن إيمانه بـ«موافقة المحكومين» (حق الشعوب في تقرير المصير)، وعن أمله في أن تؤخذ رغبات الشعوب المحلية في الاعتبار بينما تتجهز القوى الأوروبية لاقتسام الشرق الأوسط. واقترح أيضًا إنشاء لجنة لهذا الغرض، للتحقيق بجدية في شكل الحكومة التي يريدها السكان المحليون.

أضاف كاتب المقال أن الفرنسيين والبريطانيين نحُّوا فكرة ويلسون الغريبة جانبًا على الفور، لكن ويلسون تمسك بها، وعين اثنين من المفوضين، هما هنري تشرشل كينج، الرئيس السابق لكلية أوبرلين، وتشارلز أر. كرين، وهو سليل عائلة ثرية. عمل الاثنان بسرعة، وقاما بجولة في المنطقة، حيث أمضيا 42 يومًا في الدول التي أصبحت فيما بعد لبنان، وإسرائيل، والضفة الغربيّة، والأردن، وسوريا.

وفي 28 أغسطس (آب) قدّما تقريرًا أكدا فيه شعور ويلسون بأنه لا أحد في المنطقة يريد أن تأتي القوى الأوروبية وتحتلهم. وربما كانت هذه هي المرة الأولى التي يسأل فيها أي شخص من العرب المحليين عما يريدون.

سياسة

منذ 4 سنوات
نظرة مختلفة على حدود «سايكس- بيكو» التي قسَّمت الشرق الأوسط

لكن على أرض الواقع كانت الأحداث تجري بسرعة، ورفضت الدبلوماسية القديمة أن تستسلم. وطوال فصلي الربيع والصيف واصل الفرنسيون والبريطانيون تقسيم الشرق الأوسط كما لو كانوا يتسوقون في سوق التوابل.

إحياء الصراعات التاريخية للمساعدة في رسم خريطة المنطقة

وأوضح الكاتب أن ويلسون حاول في مبادئه الأربعة عشر أن يؤكد لشعوب المنطقة أنهم سيكونون أحرارًا في السعي لتحقيق «التنمية الذاتية». لكن كان هذا مفهومًا مربكًا في وقت قدم فيه البريطانيون، والفرنسيون، المنتصرون وعودًا متداخلة لليونانيين، والإيطاليين، والأرمن، والمسيحيين اللبنانيين، والعرب، والأكراد ومجموعة متزايدة الصخب من الصهاينة، معظمهم من أوروبا الشرقية.

وبينما كان كل فريق يطالب بنصيبه من إرث الإمبراطورية العثمانية تذكرت هذه الشعوب المتباينة جزءًا هامًا من التاريخ. وكان من الممكن في لحظة ما استدعاء الحروب الصليبية، والقسطنطينية، والإمبراطورية الرومانية، والحروب اليونانية ضد بلاد فارس، والسبي البابلي، لتبرير المطالبة التاريخية بقطعة أرض جذابة. وهو ما لا يبدو وكأنه دبلوماسية جديدة على الإطلاق.

وأشار الكاتب إلى أنه ربما كان بوسع ويلسون فعل المزيد من أجل التصدي لانتزاع هذه الأراضي، ولكنه كان مثقلًا بمشاكله الخاصة؛ فبعد عودته إلى الولايات المتحدة تلقى درسًا قاسيًا في تقرير المصير عندما أجهض مجلس الشيوخ رؤيته في نوفمبر (تشرين الثاني). ويمكن القول إلى حد ما إنه تجرَّع من كأس الهزيمة ذاتها التي شربت منها شعوب الشرق الأوسط، التي ما زالت تبحث عن بطل.

التمهيد لإسقاط الخلافة على يد أتاتورك

ولكن في الأراضي العثمانية بدأت تطبق نسخة غريبة من تقرير المصير دون إذن ويلسون، أو زعماء التحالف، أو حتى العثمانيين. فبينما كان السلطان محمد السادس يقدَّم التنازل تلو التنازل إلى الحلفاء، بدأ عسكري تركي غاضب في تولي زمام الأمور بنفسه. كان هذا الشخص هو مصطفى كمال الذي أظهر بالفعل قدرًا كبيرًا من الكفاءة العسكرية خلال الحرب، لا سيما أثناء الانتصار التركي في جاليبولي.

Embed from Getty Images
مصطفى كمال أتاتورك (يمينًا) مع الملك إدوارد السادس في إسطنبول عام 1936.

وطوال عام 1919 سافر كمال (الذي عُرِف لاحقًا بأتاتورك) عبر الأناضول، لينظم المقاومة التركية لتمزيق أشلاء بلاده، وبات من الواضح على نحو متزايد أنه كان ينشئ دولة جديدة – تركيا – لن تكون تحت قيادة السلاطين.

وتابع الكاتب قائلًا: «اكتشف المنتصرون بطرق أخرى أيضًا أن إعادة رسم الحدود على الخريطة لم يكن سهلًا كما كانوا يعتقدون في البداية. ففي بعض الأماكن، مثل دولتي فلسطين، وإسرائيل، استمرت حالة من العنف شبه الدائم بين الشعوب التي ترغب في ممارسة تقرير المصير في الوقت نفسه والمكان نفسه».

وفي أماكن أخرى أيضًا نرى إلى أي مدى ما زلنا نعيش مع القرارات التي اتخذت على طاولة المفاوضات في عام 1919. في ذلك الحين كانت روسيا تواصل هياجها ضد حدودها وجيرانها، وتضغط عن كثب على المناطق الحدودية العثمانية القديمة.

ويبدو أن بعض الحدود في الشرق الأوسط كانت تشهد تغيرًا مستمرًا من جديد، وآخرها الحدود الجنوبية لتركيا. وما زال «الخلفاء» الذين نصَّبوا أنفسهم يظهرون ويختفون، الأمر الذي يشير إلى أن الفراغ لا يزال قائمًا منذ شغل السلطان العثماني الأخير هذا المنصب.

وحين نستعرض الماضي يتبين أن الخرائط الجديدة التي ظهرت عام 1919 كانت في حالة تغير مستمر، كما لو كانت طِرسًا (صفحة من كتاب مُحِي ما كتب عليها ليكتب عليها غيره).

وأشار الكاتب إلى إن الوضع كان هادئا في مكان واحد على الأقل عندما أرخى الليل سدوله عشية عيد الميلاد قبل قرن من الزمان. كانت بيت لحم مدينة صغيرة في ما كانت تُعتبر مقاطعة فلسطين العثمانية، لكن مستقبلها كان يكتنفه الغموض مع اقتراب جيوش القوى المختلفة، ومع استمرار رسامي الخرائط في إعادة رسم خريطة المنطقة في باريس.

ومع ذلك تحملت وقتًا طويلًا جدًا من خلال إظهار المستوى المناسب من الاحترام للدبلوماسية القديمة، حتى مع قدوم الدبلوماسية الجديدة.

وفي الختام يقول عنها الكاتب: «يسجل الفصل الثاني من إنجيل لوقا أن يسوع وُلد هناك وفقًا للتعداد السكاني الذي أمرت به الإمبراطورية الرومانية، والذي كان يتطلب من رؤساء العائلات العودة إلى قراهم الأصلية. واعتقد الرومان – وهم رجال إدارة متمرسين – أنه «يجب تسجيل العالم كله». وكما تعلَّم وودرو ويلسون كان ذلك أصعب مما بدا لأول وهلة».

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
يجب ألا تخلو منها مكتبتك.. 5 كتب عن تاريخ المشرق الحديث

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد