احترس فترة منتصف العمر، فسوف تكون فيها عرضة للتقلبات الخطيرة والفجائية، وبحلول عامك الخمسين سوف تقل إنتاجيتك وإبداعك وقدرتك على التأقلم بشكل ملحوظ ولا يمكن تداركه، ستقل سعادتك، وستودع أجمل أيام حياتك. كل ما قرأته الآن ليس حقيقيًا ولا دقيقًا. فالحقيقة أن منتصف العمر – وهو مصطلح يشير إلى المرحلة العمرية الحساسة التي تبدأ من سن الأربعين- هي مرحلة صعبة، إلا أن الكثير من القناعات حولها هي قناعات خاطئة وتستند إلى أسس غير موضوعية، وهو ما تناقشه وتفنده صحيفة «الجارديان» البريطانية خلال السطور التالية.

1- لقد دخلت إلى «مرحلة الخطر»

بحسب الصحيفة، ففترة منتصف العمر هي مرحلة انتقالية، بالنسبة لمعظم الناس فإن ذلك يحدث تدريجيًا وبشكل طبيعي وصحي ويمكن إدارته وتنظيمه، وهذا – بعبارة أخرى – على النقيض تمامًا من مدلول كلمة «أزمة». ظهرت فكرة أزمة منتصف العمر في مقالة للمحلل النفسي إليوت جاكيز عام 1965 قبل أن تترسخ سريعًا في الثقافة الشعبية، وعلى الرغم من أن الباحثين في علم النفس لم يجدوا أبدًا ظاهرة كهذه عندما بدأوا في التحقق، فإن الفكرة نفسها لم تُمح أبدًا من الأذهان.

وقبل 15 عامًا، توصل الباحثون الاقتصاديون إلى اكتشاف غير متوقع، وهو أن منحنى السعادة مع العمر يأخذ شكل حرف U في حال ثبات بقية العوامل مثل: الدخل، والوظيفة، والصحة، والزواج، حيث يقل منسوب الرضا بالحياة لدى الفرد بين أوائل العشرينات حتى يصل إلى مرحلة الخمسينات، قبل أن يبدأ في الارتفاع مجددًا خلال مرحلة البلوغ المتأخرة. وقد وُجد هذا النمط في بلدان وثقافات مختلفة، حتى أن الاكتشاف نفسه قد يصح بالنسبة لفصائل مثل الشمبانزي أو إنسان الغاب.

Embed from Getty Images

نحن نفترض إذًا أن التقدم في العمر في حد ذاته لا يملك تأثيرًا يُذكر على مقدار سعادتنا، أو ربما حتى يجعلنا أكثر بؤسًا، لكن على العكس، فما وُجد إذًا أن التقدم في العمر يقاوم السعادة حتى مرحلة منتصف العمر، وعندها تتغير الأمور ليحدث العكس تمامًا. بالطبع ليس التقدم في العمر هو العامل الوحيد هنا الذي يؤثر على مقدار سعادتنا، لكن إذا تناولنا تأثير تقدم العمر بغض النظر عن العوامل الأخرى فإننا نجد أنه إيجابي للغاية، خاصة إذا كانت بقية أمور حياتك تسير بشكل مستقر ويتسم بالسلاسة.

من المهم هنا – تقول الصحيفة – التذكير بأن تأثير العمر ليس فجائيًا أو دراميًا، ولكنه بطيء وتدريجي وتراكمي، ويذكر الكاتب هنا أنه قد عايش بنفسه هذا الوضع، فخلال مرحلة الثلاثينات من حياته، بدأ يتنامى إليه الإحساس بالتعب وعدم الرضا، أحس أن حياته وإنجازاته لم تكن أشياء ذات قيمة، زحف إليه الشعور بالضيق تدريجيًا وببطء حتى تملك منه تمامًا. كان الوضع بائسًا للغاية خلال منتصف الأربعينات من عمره، قبل أن تنفرج الغمة مع دخوله عامه الخمسين، غارده الشعور بالضيق تدريجيًا كما جاءه، ومع عمر 58، كان قد نسيه تمامًا.

2- يجب أن نكون تعساء بسبب شيء ما

ليس بالضرورة، في الغالب فإن الضيق الذي يرافق فترة منتصف العمر قد يكون بلا سبب حقيقي. حيث يسرد الكاتب أنه – وفي عمر 45- كان قد حقق إنجازًا بحصوله على إحدى أرفع الجوائز في صحافة المجلات الأمريكية، وهو أمر يستحق الشعور بالفخر والإنجاز، لكن ذلك لم يدُم سوى 10 أيام فقط قبل أن يعاوده الضيق مجددًا، كان يبحث عن تفسير مقنع، وتصور أن الأمر متعلق بحياته العملية، ولأيام طويلة كان يفكر في ترك وظيفته للتخلص من الروتين العملي.

وتستطرد «الجارديان» بأن البشر ليسوا محقين غالبًا في الوصول إلى الأسباب الحقيقية لعدم سعادتهم، وقد كانت المشكلة بالنسبة للكاتب هي التقدم في العمر؛ ما يعني أن مغامرته بوظيفته وحياته المهنية لم يكن ليفيده شيئًا، بل لربما جعل الأمور أكثر سوءًا. ولحسن الحظ، يقول الكاتب، فقط كان عقلانيًا بما يكفي لتجنب الاندفاع المتهور نحو باب الخروج. وهو ما يفعله عادةً أغلب الناس الذين يواصلون الكفاح عادة للتغلب على الركود الذي تسببه فترة «منتصف العمر»، ولحسن الحظ فهذا يجنبهم في كثير من الأحيان اتخاذ قرارات اندفاعية متهورة قد تكلفهم الكثير لاحقًا.

ما سبب هذا الركود إذًا؟ يبدو أن ذلك يرجع جزئيًا إلى التغيرات الطبيعية في القيم التي نعتنقها. نحن نبدأ مرحلة البلوغ – في العشرينات والثلاثينات – بطموح وتنافسية، يملؤنا الحماس لتحقيق الإنجازات، والإضافة إلى رصيدنا الاجتماعي، لكن وفي مرحلة متأخرة بعد منتصف العمر، نقوم بتحويل أولوياتنا بعيدًا عن الطموح في سبيل تعميق صلاتنا بالأشخاص والنشاطات الذين نرتبط بهم بشكل أكبر. وبين المرحلتين، نعان عادة من تأثير الانتقال حيث القيم القديمة لم تجلب لنا الرضا الذي توقعناه، في حين أن القيم الجديدة لم تترسخ في ذواتنا بعد.

«أزمة ربع العمر».. القاتل الخفي للشباب

3- تعاسة منتصف العمر يعاني منها الفاشلون فقط

تقول الصحيفة: ربما تكون من المحظوظين الذين تمكنوا من تحقيق العديد من الإنجازات والأهداف بحلول سن الأربعين، فهل هذا يعني أنك في مأمن من الأزمة النفسية التي تصيب الآخرين في تلك الفترة؟ هذا ليس صحيحًا. إحدى التأثيرات غير المتوقعة بالنسبة لأزمة منتصف العمر هو أنها تصيب أصحاب الإنجازات، ربما بشكل أكبر من غيرهم. في سبيل المزيد من التحفيز، فإن طموحاتنا الشبابية تبني تصورات متفائلة وغير واقعية بشأن مقدار السعادة التي سنتحصل عليها إذا حققنا هدفًا ما.

لكن لاحقًا عندما نحقق بالفعل ذلك الهدف، فإن رغبتنا في النجاح والإنجاز تزيح المرمى مجددًا إلى نقطة أبعد. وبالتالي فبرغم الإنجازات الموضوعية التي نحققها، فإننا لا ننال مقدار الرضا الذي توقعناه. وهو ما يدفعنا للتساؤل: «ما الذي يمنعنا من أن نكون أكثر سعادة؟» ومن ثم فإننا ندخل في دائرة من الإنجازات والإحباطات التي تتكرر طوال الوقت، ويبدو حينها الحصول على الرضا المرغوب أمرًا بعيد المنال.

Embed from Getty Images

أصحاب الإنجازات إذًا أكثر قابلية من غيرهم للمرور بتلك الأزمة بسبب إنجازاتهم تحديدًا، فهم يعانون دومًا من الإحساس بأن هذه التعاسة شعور غير عادل وغير عقلاني.ما يزيد من إحباطهم، لدينا هنا إذًا حلقة من الإحباط ذاتية الدفع، ومؤداها: أنا ناجح في حياتي، لماذا أنا تعيس إذًا رغم النجاح؟ هذا يزيد من تعاستي.. وهكذا.

ما عليك إذًا سوى التذكر أن النجاحات الموضوعية – مثل تأسيس عمل تجاري ناجح، أو الحصول على الدكتوراة، أو تكوين أسرة، أو أي نجاح آخر – لا تضمن لك أن تتفادى الشعور الذاتي بالاستياء والضيق، بل على العكس قد تجعل الأمور أكثر سوءًا، هذا إلى أن تترسخ لدينا التغيرات القيمية المذكورة أعلاه والتي ستمكننا من القفز على معضلة الطموح هذه.

4- هل نودع الأعوام السعيدة بعد الخمسين؟

هذه الأسطورة – بحسب «الجارديان» هي أحد الأسباب الكبرى لشعورنا بالاستياء والمرارة، نحن نفترض أننا لو لم نحصل على ما نريد بحلول عامنا الخمسين، فلن نحصل عليه أبدًا. غير أن منحنى السعادة – كما ذكرنا – يُظهر في الحقيقة خلاف ذلك، «أجمل سنوات عمرنا لم تأتِ بعد» طالما بقيت بقية العوامل ثابتة. فيما نعبر عقود الخمسينات والستينات والسبعينات، فإن التقدم في العمر يجعلنا أكثر إيجابية واتزانًا، وأقل عرضة للتوترات والندم، وربما هذا ما يوفر سلاحًا نفسيًا يساعدنا على مواجهة التأثيرات السلبية لاعتلال الصحة وانخفاض القدرات البدنية.

وبجسب ما تقول دراسة أجرتها الباحثة في علم النفس لورا كريستنسن من جامعة ستانفورد عام 2011 ، فإنه «على عكس الرؤية الشائعة بأن فترة الشباب هي أجمل أيام حياتنا، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن ذروة حياتنا العاطفية تكون خلال عقد السبعينات وما بعده».

Embed from Getty Images

هذا الافتراض الخاطئ بأننا نصل إلى الذروة في سنوات الشباب لا تجعل فقط مرحلة منتصف العمر أكثر تشاؤمًا، بل إنها تعذي الصورة النمطية بأن أعمارنا قد «احترقت» وانتهى الأمر، وهو ما يغذي بدوره شعورًا بالتمييز على أساس العمر يفقدنا كثيرًا من الطاقات والخبرات والقدرة على الإبداع التي تمتلكها هذه الفئة العمرية. ففي الولايات المتحدة، تظهر الدراسات أن الأشخاص بين 55-65 عامًا أكثر قدرة على تأسيس الشركات من الشباب بين 20-34 عامًا، كما وُجد أن العمال الأكبر سنة أكثر إنتاجية من العمال الشباب – فضلًا عن أنهم يزيدون من إنتاجية من يعمل معهم – لكن الطريقة التي نفكر فيها بخصوص العمر لا تجعلنا أبدًا قابلين لتصديق ذلك.

5- أزمة منتصف العمر شيء يدعو إلى الخجل

ربما هذا هو سوء الفهم الأكثر إيذاءً من بين كل شيء، هذا المركب من الافتراضات الخاطئة المذكورة أعلاه، سينتج لك الصورة الناتجة عن أزمة منتصف العمر باعتبارها أزمة غير عادلة يعاني منها أشخاص محظوظون يستحقون قدرًا أكبر من العرفان. لا عجب إذًا أن يصبح الأمر كليشيه واسع الانتشار، يسخر منه الناس كل يوم، لكن النتيجة أن هناك ملايين البشر الذين يمرون بتلك المرحلة العمرية يعانون في صمت وعزلة، ويخشون من التصريح بذلك، حتى مع أقرب الأقربين، خوفًا من أن يثيروا هلع العائلة أو يتلقوا نصائح «سخيفة» بتناول الأدوية التي تعالج الاضطرابات النفسية.

وتختتم الصحيفة بالقول: يجب أن يتغير كل ذلك إذًا. العزلة والشعور بالخجل اللذان يؤديان إلى عدم الاستقرار والأزمة الحقيقية، يحتاج البشر في تلك المرحلة العمرية إذًا إلى الدعم والتواصل، يجب أن يعلموا، وأن يسمعوا، أنهم يمرون بمرحلة انتقالية عادية جدية ومفيدة جدًا لحياة البشر.

«بلومبرج»: حقيقة أزمة منتصف العمر.. خلاف بين الاقتصاديين وعلماء النفس

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات