في ظل الارتفاع العالمي لعبء الاكتئاب واضطرابات الصحة النفسية الأخرى، نشر موقع شبكة «بلومبرج» تقريرًا يناقش حقيقة أزمة منتصف العمر والخلاف بين علماء النفس وعلماء الاقتصاد، يقول علماء النفس إن أزمة منتصف العمر ليست حقيقة قائمة، بينما يؤكد علماء الاقتصاد وجود أزمة منتصف العمر بالأرقام والدراسات الاقتصادية.

أفاد التقرير أن في أغسطس (آب) الماضي قدم عالمان اقتصاديان ورقة عمل تعرض دليلًا إحصائيًا على وجود أزمة منتصف العمر. ففي دراسة لاستطلاع الرأي العام شملت 1.3 مليون شخص في 53 دولة، وجد الباحثون أن الناس يشعرون بانخفاض ملحوظ في سعادتهم، بدءًا من العقد الرابع من عمرهم واستمرارًا حتى العقد السادس تقريبًا، حين يعاودهم الشعور بالرضا عن حياتهم مجددًا.

ويقول أندرو أوزوالد، المشارك في تأليف الدراسة وعالم الاقتصاد في جامعة «وارويك»: «نلاحظ هذا المنحنى على هيئة حرف U، هذا الانحدار النفسي، مرة تلو الأخرى. فانحدار منتصف العمر أمر مؤكد».

ونقل التقرير قول سوزان كراوس ويتبورن، أستاذة علم النفس والدماغ في جامعة ماساتشوستس-أمهيرست وواحدة من علماء نفس عديدين يتبنون الرأي نفسه: «دخلت في مشادة صغيرة مع أوزوالد حول هذا الموضوع منذ سنة أو سنتين، فطوال حياتي المهنية تقريبًا وأنا أدرس تطور البالغين، ولم أجد للعمر أي صلة مؤكدة بأي شيء نفسي. يمكنك أن تطلق عليها أزمة منتصف العمر، أو أزمة ربع العمر. لكن لا يمكنك لوم العمر على أي شيء يحدث لك شخصيًا».

«لا أعلم لماذا ينكر علماء النفس أزمة منتصف العمر. فهي واضحة كالشمس، فكل ما فعلناه هو تمثيل المعلومات بيانيًا».

هكذا يقول شريك أوزوالد في تأليف الدراسة، ديفيد بلانشفلاور، أستاذ الاقتصاد في جامعة دارتموث.

تعقب ويتبورن: «لا أفهم لماذا يصممون على هذا الرأي، إنهم اقتصاديون، ماذا لو حاولت استخدام إجراءات التحليل النفسي للاستدلال على أداء الاقتصاد؟».

وتعلق الكاتبة بأن هذا الخلاف ليس أكاديميًا بصورة خالصة؛ فهناك زيادة في اهتمام السياسات الحكومية وأحيانًا مؤسسات الأعمال بالرفاه الاجتماعي إضافة إلى العوامل الاقتصادية التقليدية. لأن الناس يجب أن يكونوا سعداء، ولأن السعادة تتواجد إلى جانب الصحة والإنتاجية، وكلاهما مفيد للاقتصاد.

ويستطرد التقرير، في عام 2011، شرعت بريطانيا في إجراء دراسات استقصائية للحالة المزاجية العامة، أملًا في أن يرشد الإحساس العام في الدولة بالرفاه الاجتماعي القرارات المتعلقة بالسياسة العامة كما يفعل الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات التضخم. ومع أن حكومة الولايات المتحدة لم تقم بالمثل، إلا أن المركز القومي لأبحاث الرأي العام في جامعة شيكاغو يجري مسحًا اجتماعيًا عامًا حول موضوع السعادة منذ عام 1972.

بينما يشير أوزوالد وبلانشفلاور أنه ليس من دورهما أن يمليا على الحكومات ومؤسسات الأعمال كيفية التعامل مع البيانات التي توصلا إليها، ولكن يمكن أن يساعد ما توصلا إليه في تعديل سياسة الصحة العامة حول إدمان الأفيون، أو في محاولة تخفيض معدلات الانتحار. (فكلتاهما مهتمتان حاليًا باستخدام الأشخاص في منتصف العمر لمضادات الاكتئاب). وعلى هذا يقول بلانشفلاور: «نحن فقط مهتمان بالرفاه الاجتماعي للدولة، والسعادة جزء من ذلك».

ويذكر التقرير أن فكرة أزمة منتصف العمر نشأت لأول مرة في أوائل ستينيات القرن الماضي على يد عالم النفس الكندي، إليوت جاك، فبينما كان يدرس العادات الإبداعية الخاصة بـ310 فنانين مشهورين مثل موتسارت، ورافايل، وجوجان، لاحظ وجود سمة مشتركة بينهم: فعندما دخل الفنانون في منتصف عقدهم الرابع، ذوي إنتاجهم الإبداعي، وأصيب بعضهم بالاكتئاب، بالإضافة إلى انتحار عدد قليل منهم.

بعد ذلك لاحظ إليوت النمط نفسه بين مرضاه، فمع اقتراب الأشخاص من منتصف العمر، يصبح عدد كبير منهم مدركًا لزوال الحياة الدنيا، ومن ثم يتملكهم الشعور بالخوف من إمكانية الرحيل قبل تحقيق أهدافهم.

اقرأ أيضًا: بعض النصائح لقضاء «شيخوخة» مريحة

ويشير التقرير إلى أن ورقة جاك «الموت وأزمة منتصف العمر»، التي نُشرت في المجلة الدولية لعلم النفس في عام 1965، أضافت مصطلحًا جديدًا للعلوم الشعبية، وقدمت للرجال ذريعة لزراعة الشعر أو لشراء السيارات الرياضية. (بالإضافة إلى أن الورقة البحثية كانت سبب ارتباط تعبير «أزمة منتصف العمر» المبتذل بالرجال؛ لأن جاك كان يعتقد أن النساء لم يعانين من مثل هذه الأزمات لأنهن مررن بمرحلة انقطاع الطمث).

حظيت نظرية جاك بقبول جيد لفترة وجيزة، واشتهرت في كتاب جيل شيهي الأكثر مبيعًا عام 1976، «الممرات»، وفي عام 1978 نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية لمحة عن طبيب نفساني ادعى أن أزمات منتصف العمر تحدث دائمًا في غضون ثلاث سنوات بعد الوصول لعمر الـ30 أو الـ40 عامًا. ولكن كشفت أبحاث حديثة فشل العديد من الدراسات النفسية في العثور على قلق منتصف العمر أو دحضته تمامًا.

ويخلص المعهد الوطني للشيخوخة إلى أن ثلث الأمريكيين الذين تزيد أعمارهم عن 50 عامًا يقولون إنهم عانوا من أزمة في منتصف العمر؛ بينما يرى نصف الأمريكيين أن سبب أزماتهم هو «الاضطرابات الداخلية والقلق المرتبط بالتقدم في السن»، في حين أن آخرين يشيرون إلى حادث صادم خارج سيطرتهم، مثل الطلاق.

أفاد التقرير أن «ويتبورن» قضت معظم حياتها المهنية في متابعة مئات الأشخاص منذ تخرجهم في الكليات عام 1965م حتى الآن، (مضيفة الدفعات الأصغر سنًا فور تخرجها على طول الطريق) وخلصت إلى أن:

«الناس يمرون بفترات تقييم ذاتي، لكنها غير مرتبطة بالعمر، إذا توفي شخص قريب إليك؛ تبدأ بالتفكير في مدى محدودية الحياة، هل هذه أزمة منتصف العمر؟ أم أنها مجرد إعادة تقييم صحية لأولوياتك؟».

وفي المقابل، يشير أوزوالد وبلانشفلاور إلى انخفاض ملحوظ في سعادة الناس عند بلوغهم منتصف العمر.

ويقول التقرير إن النتائج التي توصلا إليها بسيطة جدًا: فحتى عند مراعاة الحالة الوظيفية، والزواج، والثروة، والعرق، والجنس، والتعليم، وما إذا كان الناس لديهم أطفال، فإن المشاركين في استطلاع الرأي يميلون إلى الإبلاغ عن انخفاض الرضا على مدى العقود؛ وبعبارة أخرى، الحياة تبدو عظيمة لمن هم في عمر الـ20، أقل وردية لمن هم في عمر الـ30، وتبدو قاتمة للأشخاص من سن 40 إلى 50 سنة.

فكل من الرجال والنساء – بسبب انقطاع الطمث أو لا – يمرون بفترات ينخفض فيها مستوى سعادتهم، فيقول أوزوالد: «في المقام الأول، نريد فقط أن يفهم الناس أن هذه حقيقة واقعة، أما كيف يؤثر هذا على وظائف الناس؟ الزواج؟ النشاط الاقتصادي؟ نحن لا نعرف تمامًا».

إن وجود مثل هذا الانخفاض لا يعني أن الناس في منتصف العمر يكرهون حياتهم. في الواقع، عندما سئل الأميركيون في دراسة أجرتها مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة عام 2010، «بشكل عام، ما مدى رضاك عن حياتك؟» على مقياس من 1 إلى 4 نقاط (4 راض جدًا)، انخفضت إجابات من هم حول سن الـ21 من 3.75 إلى أقل بقليل من 3.5 لمن هم في أواخر الأربعينيات من العمر؛ أي أنهم لا يزالون يشعرون برضا كبير.

درس أوزوالد وبلانشفلاور صلة السعادة بالعمر لأكثر من 10 سنوات. أشارت أول ورقة بحثية منشورة لهما عن هذا الموضوع في عام 2004 إلى أن الوضع الأسوأ يكون عند الرجال بسن 37 عامًا والسيدات بسن 41 عامًا. وأشاروا حينها إلى أنه «لا يوجد تفسير لهذا حتى في أدبيات علم النفس». وقد توصلا إلى نفس النتائج السابقة في ورقتهما البحثية عام 2008 ومِن ثم صرحا مرة أخرى بأن «سبب ظهور المنحنى بوضوح على شكل حرف U… غير معروف».

وردت ويتبورن بأنه «قبل عقد من الزمان كانت مجموعة الرجال البيض الذين تتراوح أعمارهم بين 75 و84 عامًا هي المجموعة صاحبة أعلى معدلات انتحار، بالتأكيد لا أستطيع تسمية هذا منتصف العمر».

وتقول كاتبة التقرير كلير سوداث، في نهاية المطاف، قد يكون كلاهما على حق، قد لا يدل انخفاض السعادة الذي أشار إليه أوزوالد وبلانشفلاور على القلق الوجودي الذي نظَّر له جاك في ستينيات القرن العشرين، بدلًا من ذلك، ربما يكون عَرَضًا جانبيًا شائعًا لبلوغ مرحلة الرشد المعاصرة.

يحدث الانخفاض في ريعان حياة الأشخاص العملية، بالإضافة إلى كونها الفترة الزمنية التي يتزوج فيها معظمهم، ويشكلون أسرًا، ويحصلون على تمويل عقاري وربما يواجهون صدمات غير متوقعة مثل الطلاق أو البطالة.

وتضيف الكاتبة إن «كُرْبَة منتصف العمر» تحوم حول عدد من الدراسات الأخرى، بما فيها دراسة أجرتها مؤسسة بريطانية للموارد البشرية مؤخرًا وجدت أن الموظفين الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و55 عامًا أكثر ميلًا لكُرْهِ وظائفهم، وخلصت دراسة أخرى أجريت عام 2005 عن معهد الأسر والعمل أن الأشخاص من 40 إلى 55 عامًا كانوا أكثر عرضة للشعور بالإرهاق في العمل، لكن الدراسة أشارت إلى أن شعورهم كان بسبب الواجبات الوظيفية والالتزامات الأسرية وليس بسبب سنهم.

تختتم الكاتبة تقريرها قائلة إن انخفاض مستوى الرضا الذي سجله أوزوالد وبلانشفلاور قد يكون مجرد دليل إحصائي على أن جيل الألفية (مواليد 1980 إلى 2000) بدأ في تعلم: أن «التقدم بالعمر» صعب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s