نشرت صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية تقريرًا لأورسولا جلينسك، أستاذ الأدب الوثائقي والنقد الأدبي في معهد الصحافة والتواصل الاجتماعي التابع لجامعة فروتسواف في بولندا، نقل فيه بعضًا من مأساة المهاجرين العالقين بين الحدود البولندية البيلاروسية.

يستهل الكاتب تقريره بالقول: بينما كنَّا نجلس في مطبخنا الدافئ المشرق داخل منزلنا الواقع في شارع هادئ تصطف على جانبيه مبانٍ خشبية قديمة في مقاطعة هاجنوكا البولندية بالقرب من الحدود مع بيلاروسيا، نقلت إلي امرأة تُدعى آنا ما شاهدته في الغابة وهي تبكي بشدة وبعد أن تمالكت نفسها، قالت: «لا تظن أننا أناس متبرمون، نحن نحاول حقًّا أن نتأقلم مع الأوضاع هنا، نجمع بعض الأشياء، ونبني علاقات ونحاول أن نفعل ما بوسعنا، ولكن الأمر يتجاوز قدرتنا على الاحتمال.

إذ يواجه الناس الموت في الغابة ولا تُقدم بولندا أي مساعدة سوى جلب مزيد من قوات الجيش التي تضبط المهاجرين ثم تعيدهم إلى الأرض المنزوعة السلاح بين البلدين، فماذا لو وصلنا إلى هؤلاء الناس وما الذي يمكننا فعله؟ أن نقدم لهم بعض الشاي والملابس الدافئة ثم نتركهم غارقين في لُجَج الظلام والبرد»؟

وعود وسماسرة.. حكاية المهاجرين المتكررة

يشير التقرير إلى أن الحدود في هذه المنطقة عبارة عن غابة ممتدة بين بولندا وبيلاروسيا، قليلة السكان، وتُعد من المحميات الطبيعية، وهي الآن تشهد أزمة جيوبوليتيكية إنسانية أشبه ما تكون بفخ وجد آلاف اللاجئين من العراق وسوريا واليمن أنفسهم عالقين فيه، ولا أحد يعرف كم عدد هؤلاء الأشخاص تحديدًا، ولكن مكاتب السفر البيلاروسية استدرجتهم ومنَّتهم الأماني بمساعدة من حكومة الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو، وتؤدي هذه الوكالات دور الوسيط؛ إذ تُنظم رحلات المهاجرين من الشرق الأوسط على أمل المرور إلى الاتحاد الأوروبي، وتطلب منهم مبالغ تصل إلى 15 ألف دولار أمريكي.

وتبدأ رحلة المهاجر برحلة إلى مينسك، عاصمة بيلاروسيا، حيث أظهرت الصور الفوتوغرافية من المطار مجموعات من هؤلاء المهاجرين يرتدون قمصانًا وسراويل قصيرة. وفي الخطوة التالية، يذهب المهاجرون للإقامة في فنادق يديرها النظام البيلاروسي، ثم بعد 12 ساعة أو أكثر، يُنقل المهاجرون إلى الغابة على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا وليتوانيا ولاتفيا.

Embed from Getty Images

وهناك، تقول آنا: «يدفعهم حرس الحدود دفعًا عنيفًا إلى خلف السياج، وكانت وجوه بعض المهاجرين الذين رأيناهم مجروحة من الأسلاك الشائكة». وبعد عبورهم حدود الاتحاد الأوروبي، يسير المهاجرون عبر الغابة، وهي مستنقع موحل لا تكاد توجد فيه ممرات بل غابة متجمدة لا نهاية لها.

ويقول أحد السكان المحليين: «إن ما يحدث لا يوصف، سيعاني هؤلاء الناس من صدمة ستلازمهم لبقية حياتهم، إن كتبت لهم النجاة». وشهر أكتوبر (تشرين الأول) هنا بارد جدًّا، وقد تنخفض درجات الحرارة إلى -20 درجة مئوية.

الحكومة البولندية وإجراءات تعسفية

تضيف الكاتبة: تتعقب بولندا المهاجرين عن طريق قوات حرس الحدود والشرطة والجيش وقوات الدفاع الإقليمية، ثم تعيدهم إلى بيلاروسيا وتضفي بولندا الشرعية على هذه الإجراءات بموجب تشريع مُرِّر في منتصف أكتوبر، تلاه عديد من التعديلات التي تتفق جميعها على خرق القانون البولندي ومجموعة كبيرة من الاتفاقيات الدولية، كما منعت حكومة رئيس الوزراء البولندي، ماتيوز موراويكي، النشر في هذه المسألة، ومنعت الصحافيين من الوصول إلى الحدود، وطوَّقت المنطقة وأعلنت حالة الطوارئ.

عربي

منذ أسبوعين
نادي كارهي اللاجئين السوريين.. أرباب خطاب الكراهية العرب والأوروبيون

ويقول أحد عاملي الصليب الأحمر البولندي في المنطقة الحدودية: «لا يمكننا الوصول إلى المنطقة المحظورة، ولا يمكننا تسليم طرود المساعدات بأنفسنا».

ويقول كامل سيلر، المحامي الذي أطلق مبادرة الضوء الأخضر، وهي مبادرة تدعو الناس لوضع ضوء أخضر على نوافذ بيوتهم كي يعرف المهاجرون أن هذه البيوت يمكن أن تقدم لهم المساعدة دون تسليمهم إلى الشرطة، إننا: «جزء من هذا العالم المنعزل والمنقطع عن باقي البلاد».

فيما تخضع جميع المعلومات حول الأوضاع على الحدود الآن للحكومة البولندية التي تتلاعب بالأخبار عن طريق بث صور معاد تصويرها، وتصوِّر نظام الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو على أنه المسؤول الوحيد عن هذه الكارثة، وبالطبع تُمجِّد وسائل الإعلام الرسمية في الدولة البولندية وحرس الحدود على أدائهم مهامهم بكفاءة، ويُجرَّد المهاجرون في هذه الرواية من إنسانيتهم، ويعتاد المجتمع على انتهاك الحكومة للقانون.

ذهابًا وإيابًا

يلفت التقرير إلى أن هناك 17 ألف ضابط يحرسون الجانب البولندي من الحدود يتعقَّبون المهاجرين الذين يقتربون من مساكن المواطنين، كما تنصب القوات البولندية كمائن في الغابة للإيقاع بهم أيضًا.

Embed from Getty Images

تقول آنا: «الرعب والمعاناة هنا تُذكِّرك بالحرب، ولكننا في وقت الحرب تكون الأمور واضحة على الأقل، بينما هذا الوضع أسوأ من الحرب؛ لأن نصف المجتمع يُنكر الذي يحدث، ويتحدثون عن اللاجئين قائلين: لماذا تركوا أوطانهم؟ ولماذا يجلبون أطفالهم معهم»؟

والمجتمع المحلي هنا من أفقر المجتمعات في بولندا، والسكان لا يغادرون منازلهم فعليًّا، والشوارع خالية تمامًا ويشاهدون عادة القنوات الحكومية؛ إذ إن قليلًا منهم يستطيع الاشتراك في القنوات الفضائية.

يقول عامل اجتماعي محلي: «نصف السكان هنا يشعرون بالنفور من اللاجئين لأن الحكومة تتلاعب بهم من خلال خطاب الكراهية ضد اللاجئين من الشرق الأوسط». وهم مقتنعون بأنهم إذا رأوا لاجئًا فعليهم إبلاغ الشرطة. ويقول مزارع من مقاطعة هاجنوكا: «عمري سبعون عامًا ولم أرَ أبدًا أحدًا يحبهم، ويُعاملون كما لو كانوا حيوانات».

وفي المنطقة الواقعة خارج منطقة الطوارئ، هناك دوريات مشتركة من الشرطة وحرس الحدود كل 10 كيلومترات على طول الطريق، وإذا قُبض على شخص ما، وهو الأمر الذي سيحدث لا محالة مع هذا الانتشار الكبير للقوات الحكومية، يُعاد فورًا إلى الحدود البيلاروسية، ولا تنفعهم طلبات اللجوء أو التماسات الحاجة ويُدفع المهاجرون إلى شريط حدودي يبلغ طوله 10 أمتار، وعندما سُئل حرس الحدود البولنديون إلى أين يذهب هؤلاء الأشخاص؟ أجابوا باقتضاب بأنهم يُتركون على الحدود البيلاروسية.

لا إلى هنا ولا إلى هناك!

وعلى الجانب الآخر، تعني مواجهة حرس الحدود البيلاروسيين التعرض للضرب، وسرقة الهواتف المحمولة، والحكم عليهم بالموت من البرد والجوع في الليالي الباردة؛ تقول إيوانا، متطوعة ومقيمة في القرية، إن حالة هؤلاء المهاجرين بائسة وقد رأيتهم بأم عيني وهم يفترشون الأرض بدون أغطية ووجدنا مجموعة من الأكراد العراقيين بينهم طفلان، فتاة تبلغ من العمر ثمانية أشهر، وصبي بعمر عامين وكانوا خائفين يرتجفون من الرعب ولا يريدون النهوض من الأرض وتوسَّلوا إلينا ألا نتصل بالشرطة، قائلين: «إنهم يقتلوننا».

Embed from Getty Images

وروى المهاجرون من العراق قصتهم قائلين: في أكتوبر، أعادنا الحراس البولنديون إلى الحدود وهناك علقنا تحت حراسة البيلاروسيين والبولنديين من كلا الجانبين، ولم يستطيعوا الحركة من الحدود، ولم يحصلوا على ما يأكلونه أو يشربونه، وكانوا يشربون من البرك أو من مياه الأمطار، وبالطبع، كان طلب حليب للرضيع من الحراس عبثًا لا طائل من ورائه.

وقالت جيهان والدة الطفلين: «في المرة الثالثة، ألقى الحارس البولندي القبض علينا وأعادنا إلى الحدود وقال: عُد إلى بيلاروسيا. وقال الجندي البيلاروسي: لا، لا، عُد إلى بولندا. ولم يقدموا لنا حتى شربة ماء».

منطقة الطوارئ

ينقل الكاتب عن آنا قولها: «نُقل بعض اللاجئين إلى الحدود اثنتي عشرة مرة، وظلوا يتنقلون ذهابًا وإيابًا على مدار شهر ونصف، وأنا أسأل كل لاجئ أقابله إن كانت تمت إعادته، شخص واحد فقط أجاب بالنفي لأنه تمكن من الفرار. والناس على الحدود لا يتلقون أي مساعدة طوال فترة الشتاء».

ويعمل المتطوعون في منطقة لا تشملها حالة الطوارئ ويحاولون مساعدة سكان الغابة بقدر المستطاع، ويقولون إن اللاجئين يتجمدون بردًا ويرتجفون من الخوف والبرد، وعندما سألنا واحدة من هؤلاء المتطوعين لماذا لا يقيم اللاجئون الخيام؟ أجابت إن ذلك يسهِّل عملية تعقبهم وإلقاء القبض عليهم من قِبل حرس الحدود، وأضافت: «عندما تذهب لتقديم المساعدة لهم تنظر يمنة ويسرة وتتأكد أن لا أحد يراك؛ إذ قد يكون هناك ضباط يلاحقونك».

وفي مستشفى هاجنوكا، هناك صبي من الصومال رأى شقيقيه يتجمدان من البرد حتى الموت وتقول آنا: «من المستحيل تحديد مكان حدوث ذلك لأنه لا يستطيع ذلك، ولم تكتب عنه أي صحيفة لأنه في حالة سيئة، وعلى ما يبدو فقد الاتصال بالواقع ويسأل كثيرًا أين أنا»؟

وتروي آنا قصة محامٍ مصري يبلغ من العمر 32 عامًا: «سافر إبراهيم إلى موسكو، وكان من المفترض أن يستقل طائرة إلى بروكسيل لكنه تعرَّض لخديعة وانتهى به المطاف في بيلاروسيا، ونصحه حرس الحدود بأن يُبحر في النهر، وهناك شرب إبراهيم الماء من النهر وأكل التمر طوال ستة أيام. وانتهى به الحال في مستشفى هاجنوكا».

مساعدات إنسانية مشرقة في ظروف حالكة

يشير التقرير إلى أن اللاجئين يصلون إلى المستشفى في حالة من الإعياء الشديد، ويعمل مجموعة أطباء على الحدود في المنطقة المفتوحة، ولكن لا يُسمح لهم بالوجود في المنطقة المحظورة، ويساعد الأطباء المتطوعون اللاجئين، ولكن إذا كانت حياة أحدهم معرَّضة للخطر، لا يستطيعون نقلهم بأنفسهم إلى المستشفى، بل يسلمونهم إلى سيارة إسعاف تابعة للدولة وهي تُقلهم بدورها إلى المستشفى.

Embed from Getty Images

واليوم ظهرت سيارة الإسعاف التي تستخدمها منظمة أطباء على الحدود بعد 20 دقيقة من تلقي مكالمة من المجموعة العراقية تقول إيوانا، المتطوعة المحلية، إنهم أجروا فحصًا بالموجات الصوتية لامرأة حامل في شهرها الثامن؛ إذ يقول المتطوعون إنهم حاولوا الاتصال بسيارة إسعاف عبر رقم الطوارئ، ولكنهم لم يرسلوا أحدًا.

وأولئك الذين يصلون إلى مستشفى هاجونكا يتلقون رعاية طبية متخصصة، ولكن المستشفى يخضع لحراسة مشددة من حرس الحدود، وبمجرد أن يستعيد الشخص عافيته، يعيدونه مرة أخرى إلى الحدود ويتركونه في الغابة، ويمنع الضباط العاملين في المستشفى من التحدث إلى وسائل الإعلام.

وفي المكان الذي عُثر فيه على العراقيين، أتى المتطوعون مباشرةً بعد وصول مجموعة أطباء على الحدود محاولين المساعدة بأي طريقة ممكنة، وبعد نحو ساعة، جاء عدة أشخاص من مجموعة الحدود البولندية لتقديم المساعدة، وإنه لأمر مثير للإعجاب كيف تمكن هؤلاء الأشخاص من تنظيم أنفسهم في غضون ثلاثة أشهر فقط، فلقد أحضروا جميع الأدوات اللازمة للتدفئة والأكل واللبس، وكلها منظمة ومرتَّبة.

طلبات لجوء محفوفة بالمخاطر

تُحضر مجموعة الحدود المستندات اللازمة لتقديم طلب اللجوء، وهي جاهزة قانونًا لتولي هذه المهمة، كما أن طلب اللجوء في بولندا محفوف بالمخاطر؛ إذ تُجبر المهاجرين على إظهار شخصياتهم، وفرص قبولهم ضئيلة، والحكومة عازمة بشدة على إعادتهم إلى الحدود، ربما يكون هناك فرصة أكبر لنجاح إجراءات اللجوء عندما يكون الإعلام، التلفاز تحديدًا، موجودًا ويغطي المشهد.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
بعد كورونا.. هل تغيرت نظرة الشعوب الأوروبية تجاه المهاجرين للأسوأ أم الأفضل؟

وتقدمت مجموعة العراقيين بطلبات لجوء، ثم نُقلوا إلى مركز لحرس الحدود، وبعد ساعات وردت معلومات داخلية بأنهم معرضون لخطر الترحيل إلى الحدود وفي غضون 20 دقيقة، وصل المتطوعون والمجموعة التي كانت تُجري لهم طلبات اللجوء إلى المحطة وكانت المحاولة محفوفة بالمخاطر، ولكنهم على الأقل تمكنوا من إمضاء ليلة دافئة وهم قيد الاعتقال.

وإذا رفض موظف بيروقراطي في وارسو، عاصمة بولندا، طلب اللجوء، ستُعاد هذه المجموعة المكونة من سبعة أشخاص من المهاجرين إلى الحدود، بمن فيهم الطفلان، زيلا أشتي البالغة من العمر 11 شهرًا، وسراج أشتي، البالغ من العمر عامين، ويُعادون مرةً أخرى عبر الحدود وغالبًا سيُنقلون إلى مكان لا يوجد به ماء أو مأوى من البرد القارص.

Embed from Getty Images

يقول الكاتب: بينما أقود سيارتي في أنحاء المنطقة، لفت انتباهي مبنى في قرية ناروكا يبدو وكأنه من حقبة ما قبل الحرب، معلَّق على جدرانه صور ضخمة لليهود الذين عاشوا هناك قبل الهولوكوست ويظهرون في الصور في حياتهم المعتادة، وكانوا واقفين أمام المصوِّر مرتدين أفضل ملابسهم، زوجان عجوزان يتعانقان، عائلة أرثوذكسية من ثلاثة أشخاص، وفتاة ترتدي ثوبًا منقوشًا، وأخرى تحمل حقيبة امرأة بالغة وتبتسم بتردد وهي تنظر إلى الكاميرا. وعلى جانب المبنى، هناك صور تُظهر شخصيات متشحة بالسواد تسير في الشارع الرئيسي للمدينة.

لقد التقطتُ صورة لهذه الصور، ووقفت لحظة وأنا ذاهل في هذا الماضي المظلم، وانتبهتُ بعدها على هدير سيارة تُرحل اللاجئين؛ إذ يبعد مركز الحدود 400 متر فقط عن ذلك المبنى.

ويختم متسائلًا: أنا حقًّا غير قادر على فهم هذا المسار التاريخي، إلى أين نحن ذاهبون؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد