في تقريره من العاصمة التونسية لصحيفة «الجارديان» البريطانية، يرصد الكاتب سيمون سبيكمان كوردال معاناة مجموعة من المهاجرين المستمرة على مدار الأسبوعين الماضيين، يبلغ عددهم 40 شخصًا بينهم 2 من النساء الحوامل، وتقطعت بهم السبل في البحر بعدما رفضت أربع دول -آخرها تونس- دخول سفينتهم إلى أراضيها.

وكانت إحدى سفن التوريد التونسية قد تمكنت من إنقاذ المجموعة بعد أن وجدتهم في قارب خشبي صغير في منطقة البحث والإنقاذ بمالطا، وينتظرون حاليًا على بعد عشرات الأميال من الشاطئ التونسي، إذ يعد اليوم هو الثالث عشر في معاناتهم المستمرة مع استمرار التناقص الشديد في الموارد الغذائية والدواء لديهم.

رحلة المعاناة

بدأت رحلة المهاجرين الأربعين من ليبيا، وهي الطريقة المألوفة والمعتاد استخدامها بالنسبة للمهاجرين الذين يرغبون في الوصول إلى أوروبا، قبل أن يُرفض دخولهم من جانب كل من مالطا وفرنسا وإيطاليا وأخيرًا تونس، وأصبح ركاب ذلك القارب وطاقمه بيادقًا في لعبة سياسية كبرى، إذ تسعى أوروبا لزيادة الضغط على شمال أفريقيا لإحكام السيطرة على الطرق التي يسلكها المهاجرون غير الشرعيين عبر مياههم الإقليمية.

الوضع الحالي للمهاجرين مع قلة الإمدادات الطبية والطعام – الحقوق InfoMigrants

بحسب التقرير، تتدهور الأوضاع على متن السفينة غير المجهزة على الإطلاق لمثل هذه الظروف غير المتوقعة. يقول منجي سليم، عضو جمعية الهلال الأحمر التونسية ببلدية جرجيس الساحلية «الوضع على متن السفينة سيئ للغاية. الجو حار وكان لدينا رياح شديدة يوم الاثنين أيضًا. قال قائد السفينة أنه لن يسمح بمزيد من الإمدادات الطبية والطعام على متن السفينة، ليضع مزيدًا من الضغط على الحكومة التونسية. ومع ذلك، نعتقد أنه غير رأيه، مما يعني أن بإمكاننا إدخال أطباء وممرضين على متن السفينة إما هذا المساء أو الغد».

وكان أحد المهاجرين قد تواصل مع موقع InfoMigrants المتخصص في تغطية شئون اللاجئين، مؤكدًا أنهم بالكاد يأكلون، وأنه لم يعد لديهم أي طعام على متن السفينة، وأضاف «نأكل قطعة من الخبز وبيضة واحدة في اليوم، ننام على الأرض، ليس لدينا صابون أو فرش لتنظيف الأسنان. طاقم السفينة يحاول مساعدتنا بشتى الطرق، ولكنهم منهكون أيضًا».

ضغط أوروبي

يشير التقرير إلى أن 9 من المهاجرين بدأوا رحلتهم من بنجلاديش، في حين أن الآخرين هم من الأفارقة الذين سلكوا الطريق التقليدي للمهاجرين عبر جنوب الصحراء الكبرى. بحسب منجي سليم، تتضمن المجموعة اثنتين من النساء الحوامل بدأن رحلتهن من جنوب الكاميرون، إحداهن في الشهر الخامس من الحمل، بينما الأخرى في شهرها الثاني.

مقطع فيديو يظهر عملية نقل المهاجرين من القارب الخشبي إلى متن السفينة

وأصر جميع المهاجرين بداية أنهم لن ينزلوا من السفينة سوى في ميناء أوروبي لأنهم دفعوا بالفعل الكثير من المال نظير تلك الرحلة. وبالرغم من ذلك،وبعد 12 يومًا من المعاناة في البحر، يعتقد سليم أن مطالبهم قد تغيرت، إذ يقول «لقد طلبنا تصريحًا للطوارئ بالنسبة للحوامل، ولكننا على استعداد لاستقبال المجموعة بالكامل. لدينا الدور الثالث من مركز الصليب الأحمر في جرجيس مجهز وفي الانتظار، هم فقط يحتاجون إلى تصريح للدخول».

يقول حمزة مديب، الباحث المتخصص في الشأن التونسي بمعهد الجامعة الأوروبية بفلورنس، إن ثمة سياقًا أوسع لأزمة المهاجرين، وأن الأمر يتعلق بمحاولات الاتحاد الأوروبي لوضع الضغط على دول شمال أفريقيا، خاصة تونس والمغرب، ليلعبوا دورًا أكبر في حل أزمة اللاجئين. وبالرغم من ذلك، يقول مديب إنه من الواضح أن تونس لا ترغب في أن تفتح الباب لذلك، وأن المشكلة لا علاقة لها بشمال أفريقيا بقدر ما هي تتعلق بأوروبا، وهو سبب ما وصلنا له حاليًا، وأن قرار عدم السماح لهم بالدخول للأراضي التونسية ليس إنسانيًا بقدر ما هو سياسي.

بحسب التقرير، تواصلت أبرز مجموعات المجتمع المدني مع الحكومة التونسية بهدف السماح للسفينة بالرسو على الساحل التونسي. يقول مسعود رمضاني، عضو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أحد المنظمات التي تطالب الحكومة بسرعة التعامل مع الأزمة «إن الوضع حاليًا صعب للغاية. يمكننا أن نتفهم موقف الحكومة التونسية. أوروبا تضع الكثير من الضغط على دول المغرب العربي لاستضافة المهاجرين».

تونس في موقف صعب

يضيف رمضاني «على الرغم من ذلك، نحن في تونس نمر بأوضاع اقتصادية صعبة، ولا يوجد إطار قانوني واضح لحماية المهاجرين واللاجئين. الحكومة التونسية أيضًا قلقة للغاية من إجبارها على أن تلعب دور حراسة البحر المتوسط. لكننا لا نرغب في أن يضطر المهاجرون للعودة إلى ليبيا. الوضع فوضوي هناك، ولا نريد أن يتم إجبارهم أيضًا على العودة لبلادهم».

الثورة التونسية

يقول الكاتب إن الأوضاع في أوروبا في اتجاهها لتصبح أكثر تعقيدًا، إذ أعلنت إيطاليا مؤخرًا إغلاق موانيها في وجه سفن المهاجرين القادمة عبر البحر المتوسط وعدم تقديم المساعدة عبر سفن الإنقاذ التي كانت تستقبل قوارب المهاجرين من قبل. في الشهر ذاته، كشف تقرير مسرب عن الاتحاد الأوروبي وجود فكرة لإنشاء مراكز للمهاجرين في شمال أفريقيا لتخفيف الضغط على دول غرب أوروبا، وهي الخطة التي رفضتها تونس بشكل قاطع.

يقول رمضاني في ختام التقرير «إن صعود أحزاب اليمين المتطرف في أنحاء أوروبا يزيد بشدة من صعوبة موقف المهاجرين. ومع ذلك، علينا أن نفهم أن حركتهم لن تتوقف، طالما كانت هناك حروب ونزاعات عرقية، بالإضافة إلى أوضاعهم الاقتصادية الصعبة، سيستمر وفودهم بالتأكيد. الفائز الوحيد في تلك المعادلة هم المهربون».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد