الجمهوريون يدينون المليشيات التي يُطلَب منها توفير «الأمن» للاحتجاجات المناهضة للإغلاق، ويصفون أعضاءها بأنهم «حفنة من البلهاء». 

نشر موقع «Vox» الأمريكي تقريرًا أعدته جين كوتسون لظاهرة الميلشيات الأمريكية، لا سيما اليمينية منها، التي تعارض سياسة الإغلاق الرامية إلى الحد من انتشار فيروس كورونا في الولاية، ولكنها في الوقت ذاته لا تعارض الأوامر نفسها الصادرة من الحكومة الفيدرالية. 

تستهل الكاتبة تقريرها بالقول: لم تُغَيِّر المظاهرات المناهضة لأوامر التباعد الاجتماعي والبقاء في المنزل التي نظمت في عواصم الولايات عبر البلاد بعدُ وجهات نظر الجمهور بشأن أوامر الإغلاق على مستوى الولايات، والتي ترمي إلى إبطاء انتشار جانحة فيروس كورونا المستجد. 

وتشير الاستطلاعات التي أجريت مؤخرًا على المستوى القومي أن الأمريكيين يعارضون إلى حد كبير جهود إعادة فتح الشركات الخاصة وبعضهم حتى يدعم تطبيق بروتوكولات إغلاق أكثر صرامة. 

صحة

منذ 3 أسابيع
مترجم: لماذا نجحت كندا حتى الآن في مواجهة كورونا بينما فشلت أمريكا؟

غير أن الاحتجاجات جذبت عددا كبيرا من الفاعلين الهامشيين، والمشاركين بمن فيهم النشطاء المناوئين للتطعيمات، والمؤمنين بنظريات المؤامرة مثل «كيو أنون» QAnon، وكذلك الأعضاء المسلحين في الجماعات الميليشيوية.  وتجذب العديد من الاحتجاجات الموجهة ضد سياسات أو كيانات معينة (بغض النظر عن سياساتها) عددًا كبيرًا من الجماعات، بمصالحها الخاصة، أو الأشخاص الأكثر اهتمامًا بالترويج لأنفسهم. 

غير أن أعضاء الميلشيات مختلفون على الرغم من ذلك. فهم لا يستعرضون قوتهم فقط في الاحتجاجات، بل في حالة واحدة على الأقل وجه إليهم المنظمون دعوة: في ميتشيجان يوم 30 أبريل (نيسان)، وجه منظمو «التجمع الوطني الأمريكي» دعوة واضحة لأعضاء الميلشيات كي يوفروا «الأمن» للاحتجاج. 

وجاءت الاستجابة على وجودهم سريعة وغاضبة، حتى من مؤيدي احتجاجات الإغلاق بصفة عامة. وفي تغريدة تثني على الاحتجاج إجمالًا، قال زعيم الأغلبية الجمهوري بمجلس الشيوخ عن ولاية ميتشجان، مايك شيركي، عن الأعضاء المسلحين للاحتجاج (بمن فيهم أعضاء الميليشيا): «إنهم لا يمثلون الجمهوريين في مجلس شيوخ الولاية. وفي أفضل الأحوال إن من يسمون بالمحتجين هم حفنة من البُلَهَاء».   

استعراض القوة المسلحة في ميتشيجان

وقال مذيع فوكس نيوز، شين هانيتي، عن «استعراض القوة» في ميتشيجان: إنه بينما «يحق للجميع أن يحتج، ويحمي نفسه، ويسعى إلى فتح البلاد، فإنه مع مظهر الميلشيات هنا، وهذه البنادق الطويلة، يعد استعراضًا خطيرًا للقوة. إن هذا يضع شرطتنا في خطر. وبالمناسبة، لن تلقى رسالتكم آذانًا مصغية أبدًا، مهما كنتم أيها الناس».

وحركة الميلشيات في أمريكا واسعة، إذ تتباين الجماعات إلى حد كبير في أهدافها المزعومة. وميتشيجان وحدها لديها العشرات من الميلشيات التي تضم مئات الأعضاء، ذوي الأهداف الثقافية والسياسية المختلفة.  

Embed from Getty Images

 متظاهرون مسلحون يحتجون على قرارات التباعد الاجتماعي والإغلاق بسبب كورونا

ويقول جاريد يتس سيكستون مؤلف كتاب «The People Are Going to Rise Like the Waters Upon Your Shore: A Story of American Rage الناس سينهضون مثل المياه على شاطئكم: قصة الغضب الأمريكي»: «البعض معني فقط بحماية نفسه وأسرهم من الانهيار المجتمعي، فيما يتطلع آخرون إلى محاربة النظام العالمي الجديد، لكن البعض الآخر مهتمون صراحة بإقامة دولة عرقية تكون الإقامة فيها مقصورة على الأمريكيين البيض، وآخرون يسعون لإشعال الحرب الأهلية الثانية التي ستبدأ بحرب عرقية». 

ولكنه يدفع بأن الميلشيات تستخدم الاحتجاجات ضد أوامر الإغلاق كغطاء؛ بعضها لتجنيد المزيد من الناس لدعم قضيتهم، وآخرون يتطلعون لإسقاط الولاية والحكومة المحلية بالكامل. وأضاف سيكستون أن الميلشيات «يبحثون دائمًا عن لحظات الضعف الثقافي والسياسي» لاستغلالها. وفي خضم الجائحة ربما يكونون قد عثروا عليها. 

شرح حركة الميلشيات باختصار

وبينما تختلف جماعات الميلشيات اختلافًا كبيرًا، إلا أن لديها أوجه تشابه هامة، ولا سيما فيما يتعلق بدورها المتصور. (الميلشيات الخاصة تختلف كثيرًا عن ميلشيات الولايات. في ظل القانون الفيدرالي، هناك 22 ولاية إضافة إلى بورتو ريكو لديها ميلشيات على مستوى الولاية يشرف عليها الحرس الوطني). 

وتقول الباحثة المشاركة في جامعة كولومبيا، نيكول هيمر: إن الميلشيات الخاصة هي «جماعات شبه عسكرية مسلحة تنهض بأدوار تنفيذ القانون خارج إطار القانون. وغالبًا ما يكون لديها زيًا أو شارات وبعضها ينخرط في تدريب على غرار التدريبات العسكرية. وهذا الإحساس بأن لديها مسؤوليات لإنفاذ القانون عادة ما يفصلها عن الجماعات الهامشية الأخرى». 

الميلشيات تميل إلى اليمين

وأضافت نيكول أن الميلشيات الخاصة تميل إلى اليمين، ولكن ليس على الدوام: «في الحركة الحديثة، تعد الميلشيات بصفة رئيسة، ولكن ليس بصفة حصرية، يمينية: التمرد اليساري المتطرف Redneck Revolt واتحاد البنادق الاشتراكية Socialist Rifle Association هما ميليشيتان مناهضتان للعنصرية كانتا موجودتين في مسيرة «وحدوا اليمين» في شارلوتسفيل عام 2017». ويمكن أن تكون وجهات النظر السياسية لجماعات الميلشيات التي تميل إلى المحافظة معقدة. في عام 2016 شاركت ميلشيات يمينية في ميتشيجان في احتجاجات ضد طريقة تعامل حكومة الولاية مع أزمة نقص مياه الشرب في مدينة فلينت. 

Embed from Getty Images

تظاهرة احتجاجًا على نقص مياه الشرب في مدينة فلينت – ميتشيجان  

ولكن نيكول تقول إن جماعات الميلشيات الخاصة تعارض بشدة اللوائح المتعلقة بالأسلحة، وتعتقد أن «الأفراد والجماعات لهم سلطات إنفاذ قانون أصيلة مستمدة من القانون العام والتعديل الثاني». واستجابة لما ينظرون إليها على أنها صلاحيات مفرطة للحكومة الفيدرالية، يعتقد العديد من أفراد الميلشيات بأن «المقاومة المسلحة لسلطة الدولة ضرورية». 

مرت حركة الميلشيات بمراحل مد وجزر منذ السبعينات، ولكن الخبراء يشيرون إلى مواجهة روبي ريدج الكارثية في عام 1992 بين السلطات الاتحادية والناشط اليميني باعتبارها نقطة انطلاق. وخلال مقابلة أجرتها ليبي نيسلون في عام 2016 مع محلل الأمن الداخلي داريل جونسون، قال: كانت لدينا الكثير من ردود الأفعال المناوئة للحكومة على هذه الفعالية بسبب الأساليب الخرقاء والمفرطة في الحماسة التي استخدمتها الحكومة وأسفرت عن موت مدنيين.

تشكيل جيوش المواطنين وبروز الميلشيات

وهكذا في عام 1992 اجتمعت جماعة من الناس في إيستس بارك بولاية كولورادو لمناقشة هذه المواجهة، وماذا يمكن أن يكون رد فعلهم على نوع آخر من المواجهة. وكان جون تروشمان، الذي جاء من مونتانا، حاضرًا في هذا المؤتمر، وطرح فكرة تشكيل جيوش من المواطنين أو جماعات ميليشيوية.  

تضيف الكاتبة: كانت مواجهة واكو في عام 1993، والتي بلغت ذروتها في حريق مجمع فرع ديفيديان، هي الحدث الذي شهدنا فيه بالفعل هذه الفكرة التي طرحها جون تروشمان توضع موضع التنفيذ. وكانت أول ميلشياتين حديثتين هما ميلشيات ميتشيجان وميلشيات مونتانا.  

حراس القسم

وقالت نيكول إنه بينما انخفضت العضوية في الميلشيات أثناء إدارة جورج بوش الابن، «إلا أنه مع انتخاب باراك أوباما زادت الميلشيات في الولايات المتحدة. وهذا هو الوقت الذي شهد ميلاد بعض جماعات الميلشيات المعروفة جدا، مثل حراس القسم Oath Keepers والثلاثة في المائة Three Percenters».

Embed from Getty Images

أحد أفراد ميليشيا حراس القسم

وأضافت أن نمو هذه الجماعات في التسعينات من القرن الماضي يرجع إلى المخاوف من فرض قيود على الأسلحة، والذي أثاره تمرير قانون برادي لمنع العنف باستخدام الأسلحة اليدوية، وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بسبب انتخاب رئيس ديمقراطي (وأسود). 

وأضافت أن جماعات الميلشيات لديهم وجهات نظر متباينة بالنسبة لرئاسة دونالد ترامب: «بعض الميلشيات لا تدعم دونالد ترامب إذ يشعرون بأنه يستحوذ على الكثير جدًا من السلطات، وهم يعارضون القومية باعتبارها تهديدًا لحقوق الأفراد. بعض الميلشيات تدعم ترامب، وهو ما يجعل معارضتهم للحكومة الفيدرالية صعبًا، واعتقد أن هذا هو السبب في أن الكثير من الاهتمام ينصب على المجالس التشريعية للولايات». 

بعض الميلشيات تنظر إلى الاحتجاجات على أنها أحداث تجنيد

ربما يكون للميلشيات الخاصة أسبابها لحضور التجمعات السياسية والاحتجاجات اليمينية.

وتنقل الكاتبة عن نيكول قولها: «الميلشيات غالبًا ما تنظر إلى المسيرات والمنظمات المؤيدة لليمين على أنها وسيلة لبناء التحالفات والشرعية. كانوا حاضرين في بعض مسيرات حفلات الشاي في أماكن مثل أوكلاهوما وميتشيجان، وهم منخرطون عمومًا مع الجماعات المؤيدة لحمل الأسلحة والجماعات المناوئة للضرائب. كانوا موجودين في احتجاجات الإغلاق بالطبع، وقبل ذلك كان وجودهم واضحًا للغاية في الاحتجاجات ضد القوانين الجديدة التي تخرج من مجلس نواب الولاية الديمقراطي في فرجينيا».  

وعلى سبيل المثال كانت جماعات الميلشيات حاضرة في مسيرة «وحدوا اليمين» في عام 2017؛ مما دفع تيري ماك أوليف الحاكم آنذاك أن يقول «لو ترى الميلشيات تسير في الشارع، لظننت أنهم جيش.. (أعضاء الميليشيا) كان لديهم عتاد أفضل مما لدى شرطة الولاية». (تم حظر ثلاثة من الميلشيات التي كانت حاضرة في مسيرة وحدوا اليمين من مدينة شارلوتسفيل). 

ميلشيات يمينية وفرت الأمن لتجمعات ترامب الانتخابية

كذلك «تطوعت» ميلشيات يمينية بتوفير الأمن في فرجسون بميزوري في عام 2014، في تجمعات لترامب، وعلى الحدود الأمريكية – المكسيكية: 

في مارس (آذار) وأبريل (نيسان) 2019 دأب متحدث باسم (جماعة ميليشيوية) اسمه جيم بينفي، على وضع فيديوهات بث مباشر على الفيسبوك تظهر أعضاء الميلشيات يطاردون المهاجرين ويمسكون بهم وهم مسلحون بالبنادق ويحتجزونهم إلى أن يتسنى تسليمهم إلى مسؤولي الحكومة الأمريكية.

إحدى جولات ترامب في حملة الانتخابات الأمريكية 2020

وفي منشورات أخرى، وصفت جماعة «وطنيو الدستور المتحدون» نفسها بأنهم مقاتلون في «حرب» تحتدم على طول الحدود بسبب «غزو» المهاجرين للبلاد وسعت بنشاط إلى تجنيد أشخاص لديهم خبرة عسكرية أو خبرة في تنفيذ القانون للانضمام إليهم. ويقال إن أحد هؤلاء المجندين عندما شاهد المهاجرين أثناء قيامه «بدورية» على الحدود امسك ببندقيته من طراز أيه آر-15 وسأل زميله في الميليشيا «لماذا نكتفي بالإمساك بهم ولا نوقفهم صفًا ونطلق النار عليهم». 

وحتى استخدام المنظمات ذات الميول اليمينية لجماعات الميلشيا الخاصة «لأغراض» الأمن ليست أمرًا جديدًا. ففي عام 2017، أجاز الحزب الجمهوري في مقاطعة مولتنوماه بولاية أوريجون قرارًا ينص على أن الحزب «قد يستخدم متطوعين من الثلاثة في المائة وحراس القسم وجماعات أمنية أخرى».  

السعي لبناء شبكات

بالنسبة لأعضاء الميليشيا، فإن العمل «لتأمين» الاحتجاجات المناوئة للإغلاق لا يقتصر على توفير حضور أكبر، ولكنه أيضًا يوفر فرصة للارتباط في شبكات – وهي فرصة توفر لهم مشاركة رسالتهم بالدفع بأن الإغلاق الناشيء عن فيروس كورونا يثبت وجهة نظرهم بشأن التجاوز الحكومي. 

ويقول الباحث في مركز التطرف بجمعية مكافحة التشهير، أليكس فرايدفيلد، أن هذه الاحتجاجات كانت «فرصة عظيمة بالنسبة لهم لأنهم يرون الناس الذين يشعرون بالخوف والغضب، وغضبهم موجه إلى الحكومة. وهذا شيء يدافعون عنه باستمرار، وهذه فرصة عظيمة لهم للاستمرار في توسيعه». 

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مترجم: تاريخ صناعة الأسلحة في أمريكا.. كيف أصبح جيشها الأقوى عالميًا؟

وأضاف أن الميلشيات التي تدعم الرئيس ترامب تستخدم هذه الاحتجاجات «للجمع بين الأمر ونقيضه»؛ إذ يهاجمون مسؤولي الحكومة في الولاية بينما يتجنبون استهداف الحكومة الفيدرالية، على الرغم من أن جهود مكافحة انتشار فيروس كورونا الفيدرالية تشجع نفس السياسات التي تشجعها الولايات. 

ويتابع: «أتاحت احتجاحات الإغلاق هذه الفرصة التي تُمَكِّنهم نوعًا ما من حل التنافر بتحويل الاهتمام عن الحكومة الفيدرالية، واستهداف مسؤولي حكومة الولاية بدلًا عن ذلك، ولا سيما إذا كانوا من الديمقراطيين».  ولاحظ أن بعض الجماعات استهدفت الحكام الجمهوريين أيضًا، ولكن ليس ترامب، على الرغم من أن ترامب والحكومة الفيدرالية يطرحون توجيهات مماثلة إلى حد كبير للتخفيف من انتشار فيروس كورونا. 

وتختتم الكاتبة التقرير بترجيح أن ضرر وجود الجماعات الميليشيوية أكبر من نفعها قائلة: لكن وجود جماعات الميلشيات واستخدامها لأغراض الأمن يثير تساؤلات كبرى. وكما قالت نيكول، فإن بعض جماعات الميلشيات «تعتمد على تهديد العنف السياسي (وأحيانا ما تنخرط في العنف السياسي)»؛ مما يعني أنهم من المرجح أكثر أن يثيروا الاضطرابات بدلًا عن وقفها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد