بتنا نشهد في الآونة الأخيرة دراسات علمية متتابعة تمجّد التأمل وتعدّد قائمة طويلة لفوائدِه على الصحّة والحياة، لكن إلى أيّ مدى تصحّ تلك الدراسات؟ وما الذي تم إثباته أو دحضه بالمنهج العلمي المتقن في هذا المجال؟

10 دقائق فقط

نشر موقع «ذا كونفرزيشن» تقريرًا للكاتب والعالِم المتخصص في العلوم العصبية الإدراكية والنفس «بيتر مالينوفسكي»، يؤكد فيه أن ممارسة التأمل الواعي لمدة 10 دقائق يوميًا يحسّن التركيز والقدرة على الحفاظ على نشاط المعلومات في دماغ المرء، وهي الوظيفة المعروفة باسم «الذاكرة العاملة». يحقق الدماغ ذلك عبر زيادة كفاءته، إذ يقتضي عددًا أقل من موارد الدماغ للقيام بالمهام المطلوبة.

وعلى الرغم من وجود الكثير من الادعاءات الكبيرة بشأن فوائد التأمل من قبل، لكن في كثير من الأحيان تكون الأدلة العلمية الكامنة وراء تلك الادعاءات ضعيفة أو غير كاملة وفقًا لمالينوفسكي. لذا تأتي دراسته الأخيرة المنشورة في مجلة «ساينتفيك ريبورتس» لتتناول أوجه القصور المتعددة في الأبحاث السابقة، وتكتسب المزيد من التيقّن فيما يخص التغييرات الناجمة عن التأمّل.

وبالتعاون مع زملاء في جامعة أوسنابروك في ألمانيا، أجرى الباحثون دراسة منضبطة معشّاة (عشوائية منضبطة) لتقصّي آثار التأمل الواعي على الوظائف الإدراكية المهمة في حياتنا اليومية.

Embed from Getty Images

ليس عليك الذهاب إلى جبال النيبال أو إلى مكان مخصص للقيام بهذا النوع من التأمل؛ يمكنك ممارسته في أيّ مكان وزمان

ما يميّز هذه الدراسة؟

يذكر الكاتب أنهم ومن أجل دراستهم هذه، عينوا 34 مشاركًا بشكلٍ عشوائي لينقسم المشاركين إلى مجموعتين منفصلتين. وعلى مدى ثمانية أسابيع، طبقت مجموعة منهما التأمل الواعي، بينما قامت المجموعة الأخرى – المجموعة الضابطة – بتمارين استرخاء العضلات.

تتمثل فكرة «الضوابط النشطة» بإعطاء أفراد المجموعة الضابطة مهامًا مماثلة لما يتم دراسته عوضًا عن عدم القيام بأي شيء؛ وهو ما يؤدي إلى استبعاد الأسباب التي ربما تؤدي لتغييرات في أداء المهام؛ لأن الأداء يمكن أن يتعزز بمجرد مشاركة المرء في أيّ نشاطٍ جديد مثلًا، أو حتى اختياره لمجموعة تجريبية ما، دون أن يكون هذا تأثير التأمل حصرًا.

ويضيف الكاتب أنهم تصدوا لأوجه قصورٍ أخرى في البحوث السابقة. على سبيل المثال، كانت المهام بسيطة للغاية في بعض الدراسات السابقة؛ ما جعل كل المشاركين – بما في ذلك المجموعتين التجريبية والضابطة – يصلون إلى المستوى الأمثل، وبذلك يصعب تمييز التأثيرات المحتملة للتأمل. في بعض الأحيان، طُلِبَ من المشاركين التمييز والاستجابة فقط لأربعة محفزات مختلفة يتكرر ظهورها على الشاشة، واحدةً تلو الأخرى. سرعان ما حسّن جميع المشاركين من أدائهم. ولتجنب هذا قام الكاتب مع زملائه باعتمادِ مهمةٍ أكثر تعقيدًا ضمن مجال تتبع الكائنات المتعددة.

تتضمن المهمة تعقب هدفين إلى خمسة أهداف، والأهداف عبارة عن أقراصٍ تتحرّك على شاشة الحاسب، يتم تعيينها من بين 16 قرصًا متطابقًا تتحرك أيضًا على الشاشة. ينبغي على المشاركين التركيز على الأقراص المحدّدة دون أن يتشتت انتباههم بالأقراص الأخرى غير المستهدفة.

مثال عن مهمة يُطلب فيها من المشاركين تتبع الأقراص المتحرّكة

اختُبر المشاركون بهذه المهمة قبل بضعة أيامٍ من ممارستهم للتأمل الواعي أو تمارين الاسترخاء، وكذلك بعد بضعة أيامٍ منها، واستمرت هذه الاختبارات على مدى ثمانية أسابيع. (المشاركون في مجموعة التأمل مارسوا التأمل لأربع مرات أسبوعيًا خلال تلك الفترة).

ارتفعت دقة تتبع الأهداف عند مجموعة التأمل إلى 9% – تغيّر يعتدّ به إحصائيًا – وهو مؤشّر على تحسن تركيزهم وذاكرتهم العاملة. أما المشاركون في المجموعة الضابطة، فلم يظهروا تحسّنًا على الإطلاق.

Embed from Getty Images

يستخدم الباحثون تقنية تخطيط الدماغ الكهربائي (EEG) لتسجيل نشاط الدماغ 

دماغٌ أكثر كفاءة

لمعرفة التغيرات الحاصلة في الدماغ، قام الكاتب وزملاؤه بتسجيل نشاط أدمغة المشاركين باستخدام التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG) أثناء تأديتِهم للمهمة. يوضح الكاتب أنهم دمجوا تلك التقنية مع طريقةٍ كانوا روّادها منذ 15 عامًا، وتتمثل بإضاءة وإطفاء الأقراص المتحركة بمعدّل ثابت قدره 11 هرتز. يوجه هذا الوميض المستمرّ إشارةً دماغية تسمّى الجهد المثار بصريًا مستقر الحالة (SSVEP). وبعبارة أبسط، يولّد الدماغ نشاطًا كهربائيًا بنفس التردد خاصّة الأقراص الوامضة، وهذه الإشارة تُلتقط بالتخطيط الكهربائي.

وجد الباحثون أنه بعد ثمانية أسابيع من التدريب، انخفضت إشارة الـ(SSVEP) بنحو 88% لدى مجموعة التأمل حصرًا؛ ما يعنيه هذا الانخفاض، وفقًا للمنجزات السابقة، أن شبكات الدماغ المشاركة في تعقّب الأقراص أصبحت أكثر دقة، وبالتالي موارد الدماغ التي يحتاجها الشخص لتنفيذ المهمة أصبحت أقل.

من بينها الضحك.. 7 طرق مُثبتة علميًا لتنشيط العقل

تقنية واحدة بسيطة

تستخدم معظم البحوث التي تستقصي عن التأمل الواعي برامجَ معقدة، مثل تخفيض التوتر الناجم عن الوعي. وتتضمن هذه البرامج عادة اليوغا وتمارين التمدد وأنواع مختلفة من التأمل، ما يجعل من الاستحالة تحديد أسباب التحسّن المبلّغ عنه، وإذا ما كان بالفعل نتيجة لممارسات التأمل الخاصّة.

من أجل الوضوح، يشرح الكاتب كيف وجهوا مجموعة التأمل إلى ممارسة تمرينٍ واحد بسيط للتأمل لمدة 10 دقائق في اليوم، يسمى هذا التمرين التأمل اليقظ الواعي بالتنفس. ويطبّق بالتركيز على إحساس أنفاسك، مثلًا: تدفق الهواء إلى داخل وخارج فتحتيّ الأنف، وإذا ما ظهرت أيّ أفكار أو مشاعر أو انطباعات أخرى، عليك فقط التعرّف عليهم والعودة للتنفس بسلاسة، دون الحكم على الإلهاء الذي ظهر لك ولا التفكير به.

يبدو أن التأمل شكلٌ من أشكال تدريب شبكة الدماغ، حيث يتم تنشيط شبكات الدماغ نفسها بشكل متكرر، وبالتالي تصبح أكثر كفاءة

من الغريب أن مجرد التركيز على التنفس بطريقة متوازنة يمكن أن يكون له هذا الأثر الواضح على التركيز والذاكرة العاملة. يعتقد الكاتب أن هذا يحدث لأن التأمل هو شكل من أشكال تدريب شبكة الدماغ، حيث يتم تنشيط شبكات الدماغ نفسها بشكل متكرر، وبالتالي تصبح أكثر كفاءة. يبدو أن هذا النوع من التأمل يستهدف شبكات الدماغ الأساسية، والمناطق المترابطة في الدماغ التي تعمل معًا وتؤدي دورًا رئيسًا في الكثير من المهام الإدراكية.
سهلٌ أن نرى الترابط بين هذا النوع من التأمل وحياتنا اليومية. فمهارات قوة وديمومة التركيز، واصطفاء المعلومات والأفكار المهمة عن الملهيات، ومن ثم الحفاظ عليها في الدماغ، هي كلها مهارات مفيدة في حالات فيض المعلومات. مثلًا يُظهِرُ مشغّلو الرادار مستويات أفضل في تأدية هذه المهمة، وكذلك الحال بالنسبة للاعبي ألعاب الفيديو المعتمدة على السرعة.

إذًا هيا فلنبدأ من الآن:

لنشعر بتدفق الهواء على أطرافِ أنوفنا، ولندع الأفكار.. الأصوات.. والمشاعر.. تمرّ دون أحكام.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!