بعد مرور أكثر من 250 عامًا، لا يزال اسم مير جعفر، حتى اليوم، يرمز لكل «خائن» في الهند وبنجلاديش.

كتب مورجان دن تقريرًا نشره موقع «أوول ذت إز إنتريستنج/All That’s Interesting» المتخصص في تغطية الأمور الغريبة والحقائق المروِّعة الواردة في كتب التاريخ، تناول فيه قصة خيانة الجنرال مير جعفر لوطنه الهند وكيف ساعد الاستعمار البريطاني في احتلال بلاده، وأنه لا يزال، حتى الوقت الحاضر، رمزًا لكل شخص خائن في الهند وبنجلاديش.

يستهل الكاتب تقريره قائلًا: بخيانة واحدة فحسب، ساهم مير جعفر في تهيئة الأجواء لاستمرار الحكم البريطاني في الهند قرابة 200 عام. إنه من النادر أن يُقرر الأفراد ما الذي ينبغي تدوينه في سجلات التاريخ، لكن أفعال بعض الأشخاص يمكن أن تُحدد أحيانًا مصير الملايين من الشعوب في وقتٍ ما. لقد كان طموح مير جعفر السياسي وخيانته المشؤومة سببًا في تحوُّل الهند إلى جزء تابع لأكبر الإمبراطوريات في العالم وأكثرها قمعًا، وهي الإمبراطورية البريطانية. 

هذه هي قصة شخص يرادف اسمه، حتى يومنا هذا، كلما ذُكر في الهند رمزًا لكل شخص «خائن» – بحسب الكاتب.

شركة الهند الشرقية البريطانية

ويسرد الكاتب قصة هذا الشخص قائلًا: وُلد مير جعفر في أواخر القرن السابع عشر، ولا يُعرف عن نشأته قدرًا كبيرًا من المعلومات، ولكنه ترقى في الرتب العسكرية في الجيش البنجالي حتى حصل على رتبة لواء أو جنرال. ونظرًا لأنه كان على علاقة بذوي الشأن في الحياة السياسية بالبلاد، كان تواقًا بشدة إلى الوصول إلى مزيد من السلطة ومن ثم الوصول إلى العرش، وخطط لذلك على نحو مطَّرد.

وبداية من القرن السادس عشر حتى القرن الثامن عشر، كانت البنجال (المعروفة ببنجلاديش في الوقت الحاضر) تحت حكم إمبراطورية مغول الهند، والتي كانت تديرها أسرة حاكمة مترنحة في طريقها إلى التداعي بعد سنوات طويلة من الازدهار. وكان جزء كبير من هذا الانهيار يُعزى إلى سوء إدارة حكام البلاد وتعرضهم للغزوات الخارجية من الدول المجاورة الأخرى. ومع ضعف الإمبراطورية، سنحت الفرصة للتجار الأوروبيين، وخاصة البريطانيين، للاستفادة من هذا التشرذم والانقسامات.

الهند - الاستعمار البريطاني

صورة لمير جعفر وروبرت كلايف بعد معركة بلاسي عام 1757.

وذكر الكاتب أن شركة الهند الشرقية البريطانية تكونت بالفعل لكي تكون وسيلة للاستفادة من المزايا التجارية مع آسيا منذ عام 1600، لكنها كانت أقرب لأن تكون أكثر تورطًا في السياسات وتحقيق أهداف الاستعمار البريطاني.

وبحلول عام 1756، اندلعت حرب السنوات السبع بين بريطانيا وفرنسا، وفي خضم انشغالهما بالنزاع الاستعماري المحتدم، لم يكن من المستغرب أن يُهاجم عملاء فرنسا وبريطانيا كل منهما الآخر وينتقدوا بعضهم البعض كذلك. وفي هذه الأثناء، حاول سراج الدولة، أحد نواب البنغال (حاكم) وقتئذ، أن يُبحر في المياه السياسية الضبابية من خلال الانحياز إلى الحلفاء الفرنسيين، لكنه لم يُدرك أبدًا كم السكاكين التي وُجِّهت إلى ظهره – إلا بعد فوات الأوان.

معركة بلاسي

وألمح الكاتب إلى أن مقر شركة الهند الشرقية البريطانية كان يقع في مدينة كالكوتا الهندية، وقد حصلوا على هذا المقر عن طريق حاكم بنجالي سابق. وأسَّست الشركة مقرها الرئيس في مدينة تجارية كبيرة، بل وأنشأوا حصنًا لحماية مصالحهم هناك. وحاول سراج الدولة استهداف الشركات الأوروبية وتقليص امتيازاتها التجارية وعندما استنكرت الشركات الأوروبية ذلك، احتل سراج الدولة المدينة.

وأشار الكاتب إلى الرجل الذي رد على هجوم سراج الدولة، وهو المقدم البريطاني روبرت كلايف، والذي كان قوام جيشه، عندما شرع في مهاجمة سراج في قرية تُسمى بلاسي، نحو 3 آلاف جندي بينما كان قوام جيش سراج الدولة، في هذه الأثناء، يتكون من 50 ألف جندي. ومع ذلك، كان كلايف يُخبئ سلاحًا سريًّا سيكسب به المعركة، إذ كان على اتصال مع مير جعفر وغيره من المتآمرين الذين كانوا يتوقون إلى الإطاحة بسراج الدولة.

وفي 23 يونيو (حزيران) عام 1757، انضم مير جعفر، في بداية المعركة إلى صفوف قوات سراج الدولة، لمقاتلة الجيش البريطاني في بلاسي، وفي منتصف المعركة، سحب جعفر قواته، وهذا ما أتاح للجنود البريطانيين الاستفادة القصوى لتحقيق النصر في ميدان المعركة. وبسبب خيانة جعفر – بحسب الكاتب – تمكَّنت القوات البريطانية من هزيمة قوات سراج الدولة، وهو الأمر الذي اضطره للهروب حفاظًا على حياته. وبعد ذلك بوقت قصير أُلقي القبض عليه ثم أُعدم فيما بعد.

نهاية البنجال المستقلة

وعلى الفور، عُيِّن مير جعفر حاكمًا للبنغال محل سراج الدولة. لكنه بعد فترة وجيزة من تقلده للمنصب الذي تاق إليه طوال حياته، وجد نفسه في وضع بائس يسعى لأن يحظى برضا مسؤولي شركة الهند الشرقية. لذلك لم يمر على جعفر في السلطة وقتًا طويلًا حتى بدأ في دفع مبالغ طائلة لمسؤولي الشركة.

صورة لمعركة بلاسي – المتحف البريطاني

بيد أن كلايف والذي أصبح حاكمًا فعليًّا للبنغال بعد معركة بلاسي، كان بلا شك هو الرجل الأكثر استفادة من هذه الأموال. إذ قُدِّرت الثروة التي حصل عليها من مير جعفر بحلول 1767 حوالي 401.102 جنيه إسترليني والذي كان يُعد مبلغًا ضخمًا جدًّا في ذلك الوقت.

وأردف الكاتب قائلًا: برغم توقه الشديد للوصول إلى السلطة بالانحياز إلى البريطانيين، فإن مير جعفر لم يكن، بأي حال من الأحوال، حاكمًا مستقلًا. وفي حين أنه كان يتلقى دعمًا عسكريًّا من شركة الهند الشرقية حتى عام 1760، إلا أنه فشل في تلبية عديد من مطالب البريطانيين. لذلك، وبعد عامين من اكتشاف كلايف أن جعفر أبرم صفقة مع الهولنديين عام 1758 – وشوهدت سفن حربية هولندية في نهر هوجلي – عاقب البريطانيون جعفر وجاءوا بزوج ابنته مير قاسم ليحل محله في عام 1760.

وبعد ذلك، كان جعفر قد استوعب الدرس؛ ما دفعه إلى التزلف للإمبراطورية البريطانية المتوسعة لاستعادة عرشه، وهو ما لم يُتح له إلا في عام 1763 عندما تبين للجيش البريطاني أن قاسم كان يتمتع بعقلية أكثر استقلالية من جعفر. وبرغم أن مير جعفر كان يُطلق عليه لقب حاكم البلاد، لكنه فعليًّا لم يكن يدير حكم البلاد. بل استمر، بدلًا من ذلك، في تقديم التنازلات للبريطانيين تنازلًا تلو الآخر، وهذا ما أدَّى إلى استنفاذه وانهيار بلاده اقتصاديًّا وسياسيًّا في نهاية المطاف. كما مهَّد ذلك الطريق للحكم البريطاني في الهند.

صعود الهند البريطانية 

خريطة للهند في عام 1800، المناطق الخاضعة للاستعمار البريطاني باللون الأحمر

وأوضح الكاتب قائلًا: إن شركة الهند الشرقية بدأت باعتبارها شركة تجارية صغيرة نسبيًّا في القرن السابع عشر، لكنها نَمَت في نهاية المطاف لكي تصبح كيانًا تجاريًّا ضخمًا أكبر بكثير مع مستوطنات كبيرة مثل كالكوتا.

وبعيدًا عن كونه حادثًا عرضيًّا، كانت خيانة مير جعفر للهند في معركة بلاسي جزءًا من مخطط أكبر وَضَعه كلايف والمؤسسة البريطانية بأسرها. إذ أدرك كلايف بوضوح أن الاستيلاء على البنغال سيُوفر لهم الأموال والموارد التي يحتاجون إليها لتوسيع الإمبراطورية البريطانية في الحقبة الاستعمارية.

صورة تظهر روبرت كلايف يتسلم لائحة تنص على حقوق شركة الهند الشرقية في فرض الضرائب على البنجال وبيهار وأوريسا، في عام 1765.

صورة لحصن ويليام رُسم في عام 1828

وخلُص الكاتب إلى أن خيانة مير جعفر كان لها أثران محوريَّان مهمَّان، أولهما: أنها منحت كلايف ما كان يرنو إليه تمامًا في بحثه عن مصدر لتمويل التجارة وتسليح القوات وتجنيد الأتباع المخلصين. لكن الأهم من ذلك، وهو الأثر الثاني، أن هزيمة سراج الدولة رسَّخت لشركة الهند الشرقية موطئ قدم ثابت لدحر إمبراطورية مغول الهند المتداعية.

واختتم الكاتب تقريره قائلًا: لقد أطلق البريطانيون على ما حدث في معركة بلاسي نصرًا، إذ أنهم ربما عَدُّوا خيانة مير جعفر للهند فعلًا ثوريًّا من نوع ما. وكانت أفعال مير جعفر، بطريقة أو بأخرى، سببًا في تحول ثوري للأحداث التي وقعت لأجيال من الهنود حتى حصولهم على الاستقلال – وكل ما حدث كان نتيجة التوق الشديد لدى شخص واحد للوصول إلى السلطة.

مجتمع

منذ 5 سنوات
مترجم: التعليم في عهد توفيق باشا.. منذ توليه السلطة حتى الاحتلال البريطاني (1879 -1882)

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد