نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي مقالًا لهنري أندرسون إليوت، المرشح لنيل درجة الدكتوراة بجامعة كامبريدج، تناول فيه طبيعة حياة أنثى الدب «ميشا» والمآسي التي تعرَّضت لها، وحكي فيه عن رحلته بحثًا عن أنثى الدب هذه التي لم يحالفه الحظ أن يلتقي بها.

وفي مستهل مقاله يقول الكاتب إنه لم يقابل دبًا قطبيًّا رائعًا في صباح يوم 31 أغسطس (آب) 2017. وكان ذلك في الأسبوع الثالث من عمله الميداني في مدينة لونجييربين بجزيرة سبيتسبيرجين، لدراسة كيفية الحفاظ على الدببة في أرخبيل سفالبارد في النرويج. ويتابع: بعد أن أمضيتُ بضعة أيام في تدوين المقابلات في غرفتي الصغيرة المستأجرة، كنت في حاجة إلى استراحة لالتقاط الأنفاس واستنشاق الهواء. وبعد تناول وجبة الإفطار، انطلقت سيرًا على الأقدام من شقتي الواقعة على الطرف الشرقي للمنطقة السكنية ومضيتُ على الطريق الرئيس شمالًا؛ يجري من تحتي التيار المُتفجِّر من ماء الجليد الذائب في فصل الصيف والمتدفق نحو المضيق البحري من قمم جبال نوردينسكيولد إلى الجنوب، ومضيتُ تحت البوابات الضخمة المتداعية المؤدية إلى المنجم المهجور رقم 2، ومن ثم بدأتُ في تسلق منحدرات هضبة بلاتوبيرجيت التي تلوح في أفق المدينة من بعيد.

البيئة

منذ 9 شهور
«نيويورك تايمز»: البشر حلوا مشكلة ثقب الأوزون.. لماذا لا يستطيعون حل التغير المناخي؟

حياة استثنائية

يقول الكاتب: «إن عملية التسلق كانت عبارة عن زحف بطيء. وفي الأخاديد التي تكسوها الظلال، كان الجليد الأسود يتنزل على الصخور المنتشرة على جانبي الدرب ويلتصق بها بسرعة. وعلى النتوءات الصخرية المغمورة بأشعة الشمس، كان هذا الجليد يذوب ويتحول تحت وَقْع الأقدام إلى طحالب مشبَّعة وأوحال».

يضيف: أمسكتُ بحقيبتي على نحو أكثر إحكامًا، في محاولة لمنع مؤخرة البندقية التي كنتُ لا أزال غير معتاد على حَمْلها من التأرجح والاحتكاك بالأرض. وبالقرب من ذروة المنحدر الصخري، هبَّ الهواء البارد بعنف، واستدرتُ لمشاهدة مروحية الحاكم وهي تطير على ارتفاع منخفض عبر المصب أسفل الجبل. وانعطفتْ المروحية إلى اليسار نحو شاطئ ريفنسيت، مرورًا بالمنازل المهجورة في منطقة هايورثهامن السكنية وتباطأت، وظلت تقوم بدوريات ذهابًا وإيابًا. ولم أشغل بالي بها بعد ذلك.

يكمل الكاتب: عند عودتي في وقت لاحق من ذلك المساء، وفي حانة في المدينة، قِيل لي إنهم كانوا يتجاوبون مع تقارير تفيد بأن أنثى دب قطبي ودَيْسَمين لها (صغيريها) يقتربون من لونجيربين من ناحية الشمال، وكانوا يُبْعِدونها على طول الساحل. وأثارت اهتمامي فكرة أنثى الدب القريبة هذه والموجودة على الجانب الآخر من الوادي. ولذلك، ونظرًا لعدم انشغالي بأي لقاءات في ذلك اليوم، أردتُ أن أكتشف أي شيء يمكنني معرفته عن أنثى الدب هذه. ولم أتوقع مطلقًا أن يأخذني البحث بعيدًا إلى هذا الحد، ولم أتوقع أن أرى الحياة الاستثنائية التي سأجدها بعد ذلك.

 «البحث عن ميشا».. هذه قصة حياة أشهر أنثى دب قطبي في العالم

وعلى مدى السنوات الثلاث التي تَلَت ذلك، بدأتْ أنثى الدب القطبي هذه نفسها في الظهور مرارًا وتكرارًا خلال عملي. وظهرتْ في كل محادثة تقريبًا، وفي القصص التي رُويتْ لي في أرخبيل سفالبارد، وفي النصوص المُدوَّنة للمقابلات التي كنتُ أجريها مع العلماء. حتى أنها ظهرتْ في الأفلام الوثائقية التي امتلكتها على أقراص أقراص الفيديو الرقمية (DVD) حتى قبل أن أبدأ البحث. وعلى مكتبي في القسم الخاص بي عندما عدتُ إلى جامعة كامبريدج، وجدتُها على بطاقة بريدية بِيعت في متجر هدايا المتحف في الطابق الأرضي.

يردف الكاتب: هذه هي قصة «ميشا» كما عرفتُها. لقد تأثرتُ أنا وأبحاثي بشدَّة بأنثى الدب القطبي التي لم أقابلها وجهًا لوجه مطلقًا. ومن المفارقات أنني كنت أعرفها منذ سنوات، ولكني لم أدرك أنها هي. ومن المحتمل أنك تعرفها أيضًا أيها القارئ. لقد ظللتُ أتتبعُ أخبارها لسنوات، من خلال البيانات والقصص الشخصية ولقطات الأفلام والصور وعبر جليد سفالبارد. وخلال هذه الرحلة، قادتني أنثى الدب هذه إلى فهم جديد لنوعها وما يعنيه الحفاظ عليها. وتُوضِّح حياتها القوة غير العادية لسرد القصص في كيفية تفاعلنا مع الحياة البرية، وكيف نفهمها، وكيف نتخيل مستقبلنا المشترك. وفي الوقت نفسه نجد أن المآسي التي عانتْ منها تسلط الضوء على التأثيرات البشرية النافذة على حياة الحيوانات، حتى في أبعد المناطق على وجه المعمورة.

نجم تلفزيوني

ويضيف الكاتب قائلًا: في وقت لاحق من ذلك الأسبوع، وفي مقهى مجاور لمكتبة لونجييربن ودار السينما، قعدتُ مع جيسون روبرتس، مؤسس شركة بولار-إكس Polar-X (المعروفة سابقًا باسم جيسون روبرتس للإنتاج Jason Roberts Productions). ومنذ انتقاله إلى سفالبارد من موطنه الأصلى في أستراليا، عَمِل روبرتس تقريبًا في كل مشروع تصوير سينمائي رئيس يتضمن الدببة القطبية في الأرخبيل. وكان هو الشخص الذي عرَّفني على أنثى الدب هذه والتي تُسمَّى «ميشا»، وهو اسم سمِعَهُ من مجموعة من عمال المناجم الروس بالقرب من مستوطنة بيراميدن الروسية وحسبوا بالخطأ أنها ذكر.

ولكنه أوضح لي أن «ميشا» هي «أنثى دب محلية» شهيرة، اتَّخذت لها منطقة صغيرة تعيش فيها في بعض المضايق البحرية المجاورة شمال شرق لونجييربين. والتقى بها روبرتس لأول مرة في عام 2012 وصوَّرها في مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية في ذلك الحين. يقول: «إنها واحدة من الدببة القليلة التي أتذكرها دائمًا بأنها سلِسَة وليست عدوانية، ولا يصيبها الخوف أو القلق عندما تراك… ولا يمكنك الحصول على نموذج أفضل من ذلك للتعامل معه».

 «البحث عن ميشا».. هذه قصة حياة أشهر أنثى دب قطبي في العالم

يعلق الكاتب قائلًا: هذا السلوك الهادئ هو الذي جعل منها «أنثى دب يمكن التقاط صور جيدة لها»، وهي العبارة التي كرَّرها جميع صانعي الأفلام الذين التقيتُ بهم والذين تفاعلوا معها. وسألتُ عن الأفلام التي قامت ببطولتها، فكتب روبرتس قائمة بكل إنتاج وثائقي عن الطبيعة في التاريخ الحديث. لقد كانت على قناة بي بي سي في Greatest Spectacles (سلسلة أفلام وثائقية بريطانية عن الطبيعة من إنتاج بي بي سي)، وفي فيلم The Hunt على قناة ITV لصالح Life at the Extreme (سلسلة وثائقية تستكشف كيف تعيش الحيوانات في أكثر البيئات عدائية على وجه الأرض)، وفي سلسلة أفلام Predators الوثائقية التابعة لقناة ناشونال جيوجرافيك. وشاركتْ مؤخرًا في الملصق الدعائي لسلسلة Our Planet على نتفليكس. كما ظهرت أيضًا في فيلم هوليودي مُختلَف عليه بعنوان Midnight Sun، بالإضافة إلى دورها في فيلم Frost، وكانت بطلًا لفيلم وثائقي بعنوان Queen Without Land، والذي يستكشف آثار تغيُّر المناخ على بيئة سفالبارد. إن روبرتس متأكد من أنه يجب أن يكون هناك المزيد والمزيد من هذه الأفلام.

تحدث الكاتب لاحقًا مع أسجير هيلجستاد، مخرج فيلم «Queen Without Land». وأوضح له قائلًا: «أعتقد أنها يجب أن تكون أنثى الدب القطبي الأكثر تصويرًا في العالم». وفي كل هذه الأفلام الوثائقية المُنتَجَة، سواء كانت تمثل نفسها أو تمثل جِنْسها بأكمله، تلعب «ميشا» أدوارًا خاصة جدًّا ومميزة. وغالبًا ما تكون رمزًا لرسائل تغير المناخ، فهي مخلوق مذهل ومُلهِم وعالمها في القطب الشمالي الرائع يتطلب منا أن نحميه. وتُستخدَم صورها لتمثيل عبارات مجازية متوازية عن الضعف والعَظَمة. كما تُصوَّر من منظور بعيد على أنها حارسة «البرية» النائية والهشة في الوقت ذاته، بينما تُصوَّر من منظور قريب من خلال روايات عاطفية وروايات تَنْسِب الصفات البشرية إلى كائنات غير إنسانية وتتعلق «بالأمومة» و«الأسرة».

وهذه القصص مصممة بعناية، لأنها على هذا النحو تكشف قدرًا هائلًا عن كيف تتصور المجتمعات البشرية البعيدة عن القطب الشمالي الدببة القطبية، وذلك من خلال التلاعب بنظرائها الرقميين على شاشاتِنا. وفي كثير من الأحيان تُقطَّع لقطات «ميشا» وتُقسَّم في قاعة التحرير. وتظهر أحيانًا في أجزاء من تسلسل أطول عن «دب قطبي» آخر ذي طبيعة مركبة وخيالية. وتظهر في The Hunt في إطار نهائي ثابت فقط. وفي أحيانٍ أخرى تتغير صورتها تغيرًا أكبر باستخدام الصور المنشأة بالحاسوب (CGI). وفي فيلم Our Planet الذي عرضته «نتفليكس»، جرى تعديل كامل على طوق التتبع الذي أعطاه لها علماء نرويجيون لمراقبة نشاطها.

وفي صورة العنوان الرئيسة التي أُعلِن عن المسلسل من خلالها، أُزِيل أحد الدَيْسَمين من الصورة، ووُضِع الآخر بالقرب منها، وجرى قص صورة الأم ودَيْسَمها ولصقهما على منظر طبيعي جليدي خلاب من قارة أنتاركتيكا. وتعيش الدببة القطبية في الفيلم في بيئات غير عادية. وفي كثير من الأحيان، تشبه الدببة التي في مخيلاتنا – مخلوقات وُلِدت من رواية القصص والأساطير وعلاقتنا بالحياة البرية – بقدر الشبه الذي بين ثقافاتنا والطبيعة. إذًا ماذا عن «ميشا» نفسها، وماذا عن الحياة الحقيقية وراء هذه التخيلات المتلفزة؟

الدب المحلي

وأردف الكاتب قائلًا: خلال الوقت المتبقي لي في لونجييربن في ذلك العام، سمعتُ كثيرًا عن «ميشا» من عديد من كشافة مواقع التصوير ومصوري الحياة البرية والمرشدين السياحيين الذين يعملون في المنطقة. وبالنسبة لهم، وبالنسبة لأعضاء قسم إدارة الطبيعة التابع لمحافظ سفالبارد، يُطلق عليها في الغالب اسم «دب تيمبلفيورد» – على اسم المنطقة الواقعة في القلب من منطقتها المحلية. وتيمبلفيورد عبارة عن مضيق بحري يسافر الناس إليه كثيرًا ويبعد حوالي 45 دقيقة بعربة الثلوج ناحية الشمال الشرقي من لونجييربن، ويبعد نصف هذه المسافة عن بيراميدن. ويكشف ماضيه كثيرًا من المعلومات عن حاضر «ميشا». ويوجد عند مصب الوادي كوخ صيد مهجور «فيلا فريدهايم» خاص بالصياد النرويجي الشهير هيلمار نويس الذي قَتَل في بداية القرن العشرين أكثر من 300 دب في هذا المكان.

ومنذ اكتشافه الأوروبي الموثَّق في عام 1596، عانى سفالبارد من استغلال بشري واسع النطاق. إذ سعى البشر إلى الحصول على دهن الحوت والفظ البحري وجلود الثعلب القطبي والدب القطبي، وكانت حياة الحيوانات مصادر مربحة لرأس المال الخاص بالاقتصادات البريطانية والهولندية والنرويجية النامية في ذلك الوقت. وبحلول عام 1973، وبعد توقيع الاتفاقية الدولية بشأن الحفاظ على الدببة القطبية في أوسلو والتي حظرت اصطيادها في سفالبارد، كانت الدببة غير موجودة إلى حد كبير في مناطق الساحل الغربي المأهولة بالسكان. وبعد حوالي 40 عامًا، وفي ظل هذا التاريخ، أنشأت «ميشا» المنطقة التي تعيش فيها، والتي ترمز إلى موجة عودة «الدببة المحلية» إلى المنطقة.

وفي تيمبلفيورد على وجه الخصوص، توجد الآن أعداد كبيرة من حيوانات الفقمة الحلقية وعجول البحر الملتحية. ويوضح أوسكار ستروم، الذي يعمل أيضًا في شركة Polar-X، أن هذه الفقمات «أدركتْ أن نظام المضيق البحري هذا كان آمنًا للغاية». وتاريخيًّا، تعرضت الدببة القطبية للصيد في غفلةٍ من الزمان في هذا المكان، ومؤخرًا كانت تتجنب العيش في هذه المنطقة في الغالب بسبب ارتفاع نشاط السياحة فيها. ويضيف أوسكار ستروم: «وجدوها (أي المنطقة) صاخبة إلى حد ما ومفعمة بالحيوية لدرجة لا تحتمل». والجدير بالذكر أن تسامح «ميشا» مع البشر قد مكَّنها من استغلال هذه الفريسة السهلة (الفقمات).

 «البحث عن ميشا».. هذه قصة حياة أشهر أنثى دب قطبي في العالم

ومن المستحيل معرفة ما إذا كان تأقلمها مع البشر ناتجًا بالأساس عن الوجود البشري المشترك في المنطقة أم عن الفترات الطويلة التي رافقها فيها أطقم التصوير. وتميل «ميشا» إلى اقتحام الكبائن بحثًا عن الطعام، ويصف روبرتس على نحو مذهل كيف أنها تعلَّمتْ استغلال صانعي الأفلام لمساعدتها في الصيد. لقد كانت تراقب الفقمات والأخيرة تنظر بذهن شارد إلى الكاميرات ومن ثم تهجم عليها من الخلف. ومن المفارقات أن ارتياح «ميشا» للتواصل البشري هو الذي سهَّل عليها أداء سلوكيات «طبيعية» معينة في الأفلام. وواحدة من الدببة القطبية الأكثر استخدامًا في رواية قصص عن كفاح جنسها من أجل البقاء في هذه «البرية» البعيدة والمذهلة هي نفسها نتاج تاريخ وتفاعلات مختلفة ومتشابكة بين الدب والإنسان.

«ميشا» في ميزان العلم: الدب القطبي N23992

أضاف الكاتب: أثناء البحث عن «ميشا»، تلقيتُ تحذيراتٍ مرارًا وتكرارًا بشأن الخطأ في التعرف على الدببة «الفردية». تمامًا مثل الأفلام الوثائقية التي تؤلف قصصًا عن الحيوانات، غالبًا ما تحجب قوة السرد الخاصة بالدببة القطبية الفردية هويَّاتها المتعددة. وبعد أن تذكرتُ أنها كانت ترتدي طوقًا تتبعيًّا في عام 2017، سافرتُ إلى مدينة ترومسو في شمال النرويج للقاء علماء من المعهد القطبي النرويجي (NPI)، إذ أنه الجهة المسؤولة عن المراقبة طويلة المدى لمجموعات الدببة في سفالبارد، مسترشدًا جزئيًّا بأهداف مجموعة اختصاصيي الدببة القطبية (PBSG) التابعة للاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة (IUCN). لقد تحدثتُ مع كبير العلماء في المشروع، جون آرز. وكان هو الشخص الذي نبَّه مكتب حاكم سفالبارد بأن «ميشا» في طريقها إلى المدينة في أغسطس، وذلك اعتمادًا على قراءة البيانات الجغرافية المكانية المُسجَّلة عن طريق الطوق التتبعي الخاص بها.

وبالنسبة له، فهي معروفة باسم آخر – الدب القطبي N23992. وكان قد التقى بها لأول مرة في 6 أبريل (نيسان) 2009، بعد تخديرها من طائرة هليكوبتر عند مضيق فيدجفيورد كجزء من عملية جمع العينات الروتينية. ونظرًا لعدم وجود علامات عليها، وضعوا وشمًا يحمل كودها الأبجدي الرقمي على الجزء الداخلي من شفتها، ووضعوا علامة على أذنها، وخلعوا سنًّا أماميًّا من أسنانها لتحديد عمرها بدقة، وقاسوا وزنها، وجمعوا مجموعة واسعة من عينات الجسم لتحليلها – الدم، الدهون والبراز والبول والشعر وما إلى ذلك. وفي السنوات التي تلت ذلك، أمسكوا بها أربع مرات أخرى – في 2010 و2011 و2014 و2017، عندما رُكِّب الطوق التتبعي في رقبتها. وفي كل اللقاءات الثلاثة الأخيرة بها، كانت مصحوبة بمجموعات مختلفة من الدياسم (صغار الدببة)، دَيْسَم واحد في عام 2011، ودَيْسَمان في عام 2014، (أنثيان) ودَيْسَمان في عام 2017 (أنثى وذكر).

ومن خلال البيانات التي جمعوها، تمكنتُ من الاستمرار في تجميع صورة مفصلة على نحو متزايد عن حياة «ميشا». لقد وُلدت في شتاء 2005-2006، وهي جزء من مجموعة أكبر من الدببة التي عاشت في مناطق محلية حول المضايق في غرب سبيتسبيرجن. وكما يتضح من الأدلة القصصية من صانعي الأفلام والمرشدين السياحيين، تُظهر بيانات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) أنها تعيش في الأساس عند مضايق تيمبلفيورد، وبيلفيورد، وإكمانفيورد البحرية على طول الحواف الشمالية الشرقية لمضيق إيسفيورد الأكبر، بالإضافة إلى القيام ببعض الرحلات الطويلة – شمالًا عائدةً إلى مضيق ويديفيورد؛ حيث عثر عليها المعهد القطبي النرويجي (NPI) لأول مرة، وجنوبًا إلى لونجييربن؛ حيث جاءت المروحية لمقابلتها.

تُعد «الدببة المحلية» مثل «ميشا» رمزًا لتوجه أوسع. يقول آرز: «لقد شهدنا تحولًا كبيرًا في مكان وجود الدببة، وفي حين أن بعضها يستوطن منطقة ما، أصبح باقي المجموعة أكثر حركة على نحو ملحوظ، حيث يسافرون لمسافات أطول مع تقلب الجليد البحري. ونظرًا لأن الجليد البحري حول سفالبارد كان يتقلص عامًا بعد عام، ويتراجع أكثر فأكثر شمالًا، كان الانفصال بين هاتين المجموعتين آخذًا في الازدياد. وعلى مدى القرن العشرين، اعتاد المئات من هذه الدببة المتنقلة السفر إلى الجزر الشرقية مثل جزيرة هوبين من أجل بناء العرين. ومنذ عام 2012، لم ترَ هوبين أي دب. وتروي العينات الجسدية التي أخذوها من «ميشا» (N23992) قصصًا أخرى؛ إذ تُظهر مستويات عالية من الملوثات الصناعية الثابتة، التي تدخل في إنتاج الدهانات والمبيدات الحشرية ومبيدات الفطريات والملابس واحتراق الوقود.

وتوضح هيلي روتي، عالمة في المعهد القطبي النرويجي (NPI) أن «الدببة القطبية واحدة من أكثر أنواع الثدييات تلوثًا، وذلك نتيجةً للتدفقات العالمية للمحيطات والغلاف الجوي والتي تحمل هذه المواد الكيميائية إلى القطب الشمالي، وكيف أن هذه المواد الكيميائية تتراكم إلى حد بعيد في الأجناس الموجودة في السلسلة الغذائية. ويحاول الباحثون التأكد من التأثيرات التي تحدثها هذه المواد الكيميائية على وظائف الهرمونات وتراكم الدهون، وحتى التكاثر. وكانت الصورة التي بدأتُ في تطويرها لحياة «ميشا» تتعارض على نحو متزايد مع الأدوار «البرية» التي لعبتها على تلفزيوناتنا وفي مخيلاتنا. إنها أنثى دب قطبي تُعرف على نحو متزايد بقربها من البشر وأفعالهم وتأثيراتهم.

هل تكون النهاية مأساوية؟

 «البحث عن ميشا».. هذه قصة حياة أشهر أنثى دب قطبي في العالم

وشدد الكاتب على أن هذا القرب البشري من الدب القطبي يشكل أيضًا مخاطر جسيمة. وعندما جمعتُ المزيد من القصص حول ماضي «ميشا»، أصبحت هذه المخاطر واضحة على نحو غير مريح. أُخِذت بعض لقطات فيلم «ميشا» الأكثر استخدامًا خلال عامي 2013 و2014، في حين كانت برفقتها مجموعة سابقة من الدياسم. وكانت هذه المجموعة مكونة من أنثيين معروفتين باسمي «لاكي» و«لايت» واللتين أطلقهما أسجير هيلجستاد، وN26207 وN26208 اللذين أطلقهما المعهد القطبي النرويجي (NPI). وفي تمام الساعة 10:30 صباحًا في 4 أبريل 2014، أمسك المعهد القطبي النرويجي (NPI) بـ«ميشا» مرةً أخرى عند مضيق بيليفيورد البحري لأخذ العينات الروتينية. وحُقِنت الدياسم الصغيرة أيضًا بجرعة صغيرة من المهدئات. وجمع العلماء العينات المعيارية نفسها وأقلعوا بالطائرة.

كان جيسون روبرتس يتابع العائلة في ذلك الأسبوع أيضًا. وفي اليوم الذي تلى الإمساك بها، قال: ماتت «لايت» فجأة. وظلت «ميشا» تَمُس أنف «لايت» مرارًا في محاولة لمساعدتها على الوقوف، قبل أن تصطاد فقمة وتسحب جثتها لبضعة كيلومترات عبر الجليد في محاولة لتقديم الطعام لدَيْسَمها الذي فارق الحياة. وبعد علمه بحالة الوفاة، وصل مكتب حاكم سفالبارد لنقل جثة «لايت» إلى لونجيربين لتشريحها. وفي وقت لاحق، أفادت التقارير الواردة أن الدَيْسَم مات بسبب حدوث فشل في أعضاء متعددة. والآن وبعد عدم قدرتها على العثور على الجثة على الإطلاق، أصبحت «ميشا» حزينة بوضوح وهربت من المنطقة تمامًا. وبحلول ربيع العام التالي، شوهدت «ميشا» مرةً أخرى في نطاق مضيق إيسيفيورد البحري الخاص بها، وكان معها دَيْسَمها الآخر «لاكي». وبعدما بلغ عمرها عامين، تكون بهذا قد وصلت إلى سن الفِطام وعادتْ مباشرةً إلى تيمبلفيورد؛ حيث شاهدت والدتها تصطاد طوال وقتهما معًا. وهنا قابلها مصور الحياة البرية روي مانجرسنيس، الذي صورها لبضعة أيام في أوائل شهر مارس (أذار). وشاهدها وقد تمكَّنت من اصطياد ثلاثة فقمات، وبدأت تلعب بكتلة من الجليد، وتَدُس رأسها في الثلج. وكتب مانجرسنيس عن لقائه بـ«أسعد دب قطبي في العالم»، وسرعان ما بدأت «لاكي» في الانتشار على نطاق أوسع على مدونات السفر ووسائل التواصل الاجتماعي.

وبعد مرور بضعة أيام، وفي ليلة 19 مارس، مرَّت «لاكي» بمعسكر غير محمي لبعض السياح التشيكيين الذين ينتظرون الكسوف الكلي للشمس. وكانت «لاكي» جريئة وفضولية، فاجتازت السلك المضروب على المعسكر ودخلتْ إلى إحدى الخيمات، وهاجمت رجلًا نائمًا فيها. واستيقظ رجل آخر في المعسكر على الصرخات، وأطلق عليها طلقات نارية أصابتها في ساقها الخلفية، ومن ثم هربت إلى الماء. ومن خلال الإصابات القاتلة بالفعل، تعقَّبها مكتب الحاكم وقتلها في وقت لاحق بعد ظهر ذلك اليوم. ونُقِل رجل المعسكر جوًا إلى مستشفى لونجيربين وهو يعاني من جروح طفيفة في رأسه وصدره وذراعيه.

وعلى بعد أميال في مدينة ستافنجر، وحزنًا على نبأ وفاة «لاكي»، نشر مانجرسنيس صورة أخيرة من لقائهما – «شبح الدب القطبي». ولم تكن هذه نهاية المطاف بالنسبة إلى «لاكي»: أُرسِلت جثتها بعد ذلك إلى مُحنِّط حيوانات في البر الرئيس للنرويج. وسألتُ المعهد القطبي النرويجي (NPI) عما إذا كانوا يعرفون المكان الذي انتهت إليه، فأرسلوا لي الرد في صورة مقال صحفي. وفي عام 2016، كشف رئيس الوزراء النرويجي النقاب عن دب قطبي محشو في بهو وزارة الدفاع في أوسلو. والآن (أُعيد) تسميتها وأصبح اسمها «نينا»، وانتهى بها المطاف هناك.

وبالعودة إلى المقهى، أعرب روبرتس عن عدم استغرابه لهذه الحوادث؛ إذ أن جميع قطعان الدببة في الساحل الغربي على اتصال متكرر ومتزايد مع المجموعات البشرية – العلماء والسياح وأطقم تصوير الأفلام على حد سواء. وفي عام 2016، قُتلت أنثى دب أكبر سنًا في كوخ عند مضيق أوستفيوردنسيت البحري عندما حشا بعض صيادي الثعالب بنادقهم بالذخيرة الحية بدلًا من الذخيرة المطاطية الرادعة. ومن ثم قَتَل دَيْسَمها رحمةً به وخوفًا من أن يموت جوعًا بمفرده. وبهذا قُتِل اثنان من أربعة دببة في ذلك العام. وكانت معروفة لدى المعهد القطبي النرويجي (NPI) باسم الدب القطبي N23688، وكذلك بالنسبة لروبرتس. وكانت هذه هي الأم التي صورت في مسلسل BBC Planet Earth TV الشهير الذي صدر في عام 2006.

إن عدم خوف «ميشا» ودياسمها من الناس يعرضهم لخطر أكبر. وبعد وفاة «لايت»، يتذكر روبرتس أنه بثَّ مخاوفه إلى الحاكم. وقال: «أردتُ تسجيل أن الدَيْسَم الآخر سيموت في غضون عامين؛ لأنه لم يتعلم الخوف من الناس». ويخشى أن «ميشا» نفسها سينتهي بها المطاف قتلًا بالرصاص.

الدروس المستفادة من «ميشا»

إن «ميشا» ليست مجرد دب رائع، ولكنها أيضًا نسخة أصلية من دببة سفالبارد المحلية – في سلوكها وبيئتها ومستقبلها. وقد أدَّى اتصالها الوثيق بالبشر إلى انتشارها الاستثنائي في كل مكان داخل ثقافتنا، والأدوار العديدة التي لعبتها في كيفية فهمنا لجِنْسها بأكمله. وفي الوقت نفسه، تُعد حياتها الحقيقية بمثابة شهادة على التشابكات العميقة بين العالم البشري والحيواني. إنها تعيش في منطقة محلية كشف عنها حظر الصيد في عام 1973، مُستغلةً الموارد التي لا تزال تنتعش بعد قرون من الاستغلال. كما تعيش فقمات تيمبلفيورد، التي غالبًا ما تفترسها «ميشا»، في ملاذ خالٍ من الدببة سابقًا يحميه الوجود المستمر للسياح، وأحيانًا تصطادها «ميشا» هناك وهي في حالة من التشتت الذهني بسبب أطقم تصوير الأفلام. إن «ميشا» لا تخاف من عربات الثلوج وعلى دراية بالكبائن. ويجب أن تكون واحدة من الدببة القطبية الأكثر تصويرًا في العالم؛ إذ ظهرت في مئات الساعات من اللقطات والآلاف من الصور. وبصفتها دبًّا رقميًّا، رُوِي عنها قصص أخرى – بصفتها أمًّا مخلصة، ومفترسة يُسجَّل عدد فرائسها، ورمزًا لتغير المناخ وذوبان القطب الشمالي، فضلًا عن أنها صورة مجازية للحياة البرية.

«البحث عن ميشا».. هذه قصة حياة أشهر أنثى دب قطبي في العالم

إنها أيضًا دب قطبي مرتبط بالعلم، إذ زُرِعت فيها أجهزة مراقبة تكنولوجية تُسجِّل البيانات المتعلقة بحركاتها وعاداتها. وتكشف العينات الجسدية التي جمعها المعهد القطبي النرويجي (NPI) عن الملوثات والتغيير في الأنظمة الغذائية والمستقبل غير المؤكد. وتوضح لنا «ميشا» بالأساس كثيرًا عن علاقتنا بالعالم الطبيعي. حتى وهي تعيش في أبعد المناطق على وجه المعمورة، أصبحت أكثر المخلوقات جاذبية، إن الأرض مكان شديد الترابط. لقد شكَّل العيش معنا حياتها، وأجْهَز على حياة دياسمها. إن المناظر الطبيعية الخلابة التي تسكن فيها، غالبًا ما تكون خلفية ذات مناظر خلابة لأحلامنا في البرية، تحمل علاماتٍ لا تُمحى من الأعمال البشرية في الماضي والحاضر والمستقبل.

ولكن النقطة التي تُعد أهم من أي شيء آخر هي أن «ميشا» تمثل العمق الاستثنائي لارتباطنا بالحياة البرية. إنها ليست دبًّا واحدًا – ميشا، فروست، N23992 – ولكنها جميعًا عبارة عن مجموعة من القصص والتفاعلات التي لا تكشف لنا عن الطرق المتعددة والمعقدة التي نُقدِّر من خلالها الدببة القطبية فحسب، ولكنها أيضًا تنير لنا الطريق كي نتوخى الحذر أثناء تعاملنا معها بطرق عديدة يمكن من خلالها أن نسبب لها الأذى والضرر. وببساطة، تكشف لنا «ميشا» عن كل شيء يمكننا أن نخسره.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: إنه في مايو (أيار) 2018، حاولتُ العثور على «ميشا» بنفسي مرةً أخرى. وبعد ورود تقارير عن ظهورها الأخير، استقل فريق صغير مكون من ثلاثة منا عربات ثلجية من لونجييربن شرقًا حتى مضيق أدفينتفيورد البحري، ثم شمالًا إلى مدخل تيمبلفيورد. لقد سمعتُ من هيلجستاد وآرز أنها رُصِدت عند أبعد نقطة من المضيق البحري، وبالقرب من مقدمة النهر الجليدي، ولا تزال مع دياسمها اليافعة. بحثنا عنها لساعات ولكننا لم نعثر عليها. وكانت هناك مجموعات من الدببة القطبية تظهر على جانب مسارات عربات الثلوج الخاصة بنا، تظهر في مقدمة المشهد عبر الجليد، ومن ثم تختفي بعيدًا عن الأنظار.

البيئة

منذ شهر
مترجم: تغير المناخ وجائحة كورونا.. هذه خطة بايدن لحل أكبر مشكلات العالم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد