كانت تغطية كثير من وسائل الإعلام الغربية – خاصة وسائل الإعلام الفرنسية- للهجوم على مكاتب شارل إبدو في باريس في يناير الماضي متبنية الفكر المستشرق القديم للحرب على الإرهاب القائم على مبدأ أن الثقافة العلمانية الغربية هي بالفطرة سلمية وعقلانية ومتسامحة، بينما يقف الإسلام في موقف غامض بشدة حيال تلك الأمور.

وقد قزّمت بعض تلك التغطيات الإعلامية الحادثة إلى كونها هجومًا على مبدأ الحرية العلمانية، وهو ما تجاهل التعقيدات المصاحبة والمرتبطة بالحدث. وهو ما يوضح فشل في الفهم الدقيق للتاريخ المتشابك لأفكار العلمانية والاستعمار السياسي واختلافات طبيعة الحياة بين الغرب والشرق الأوسط العربي التي تشكلت عبر قرون من التفاعلات والتعاملات المشتركة بما فيها فترة الإمبراطوريات والهجرة.

وأحد أهم الفصول في ذلك التاريخ المتشابك هو ما يطلق عليه <<الحرب على الإرهاب>>. تنشأ الحرب دومًا من خلاف اجتماعي وثقافي بين الطرفين. وكان أحد نتائج ذلك الفصل الشنيع هو إعادة تفعيل التقسيمات الثنائية (نحن وهم، عدو أم صديق، إلى آخر تلك التقسيمات) التي استخدمها المستشرقون سابقًا. ونتيجة أخرى – وإن لم تلق الاحتفاء اللائق بها- كانت زيادة اهتمام السياسة والإعلام الغربي بإعادة مناقشة مفاهيم العلمانية.

لا يعني أبدًا ما سبق احتكار الولايات المتحدة وأوروبا لكل شيء علماني. بل هو مجرد إشارة إلى أن ربط الإسلام بالحرب على الإرهاب كان له الأثر المباشر في لفت نظر الغرب لقيمهم العلمانية في السياسة ومصادرها في الثقافة المسيحية. وهو ما قد ولد في الغرب مزيجًا من تأكيدات لشروط العلمانيات الغربية وبعض النقد الذاتي.

وتلك العملية القائمة على دراسة الذات لم تؤد إلى فهم أفضل لمواصفات وديناميكيات العلمانية كمشروع سياسي في الشرق الأوسط بما يحتويه من تعقيدات واختلافات عن العلمانية التي يمارسها الغرب. لقد تحسن فهم السياسيين الغربيين للإسلام السياسي منذ 2001، ولكن فهمهم للديناميكيات الأخرى في المنطقة بما فيها وضع العلمانية من حركات مد وجذر وتأثيراتها السياسية لم يصل بعد لدرجة كافية.

بالعكس، فقد تم وضع افتراض غير ناضج أن الأطراف العلمانية الموثوق بها من الغرب والتي تتبنى أفكارًا أقرب للغرب قد أصبح لها الغلبة. وهذا تبسيط مخل. فقد تم تجاهل تعقيدات الأمر وبالتالي تمت قراءة ملامح سير الحياة السياسية والاجتماعية في المجتمع العربي وطريقة تنظيم السلطة السياسية بصورة خاطئة.

الآن مع كثرة الحديث عن الدولة الإسلامية (داعش) بدأت وسائل الإعلام الغربية في الحديث عن الانتقادات العربية لتدخل السلطة الدينية في الحياة السياسية والاجتماعية، وإدانة كيفية تعامل السلطة مع تلك الانتقادات وحالتها الأشهر رائف بدوي الذي تم الحكم عليه بالسجن لعشر سنوات و600 جلدة عقابًا له على انتقاده الارتباط الوثيق بين الوهابية والسلطة السعودية.

ليس كل المعارضين العرب تنطلق انتقاداتهم من خلفية علمانية. ولكن بالفعل يتبنى بعض هؤلاء المنتقدين أفكارًا علمانية واضحة ويطالبون بالفصل بين الدين والدولة وزيادة حقوق المرأة وكذلك المثليين، ومنع تطبيق عقوبات الردة. ويقوم المعارضون العلمانيون – كنظرائهم في الجماعات الإسلامية- بوضع طلباتهم في صورة إصلاحات سياسية وديموقراطية.

قديمًا كان صناع السياسة الغربية لديهم فهم أفضل لديناميكيات السياسة العلمانية في الشرق الأوسط، لكن تلك المعرفة فقدت وتوارت تحت التهديد المفترض من الإسلام على الأمن في الغرب. ويطالب الكاتب بإعادة الاهتمام بدراسة تلك التغيرات والديناميكيات في السطور التالية.

تاريخ العلمانية السياسية في الشرق الأوسط العربي

لفظ علمانية يدور حوله كثير من اللغط سواء من الناحية النظرية أو العملية في الشرق الأوسط، فيفضل كثير من العلمانيين استخدام مصطلحات أخرى مثل يساري – ليبرالي – بعثي – شيوعي – اشتراكي – ماركسي لوصف توجهاتهم نظرًا للوقع السلبي لكلمة “علمانية” في المجتمع المسلم.

تعد في الدول الغربية كلمات مثل ملحد (سواء المقتنع باستحالة معرفة وجود إله ‘agnostic’ أو المنكر لوجود إله ‘atheist’) أو غير المبالي ‘indifferent’ هي تعبير عن قناعات الفرد الشخصية وليست السياسية. بينما في العالم العربي تأخذ تلك الكلمات منحى سياسيًّا، وأحيانًا يضيف الشخص انتماءه الديني (سني، مسيحي،… إلخ) ليشير لهويته السياسية.

في العالم العربي كما في الغرب يوجد طيف واسع للممارسات الدينية. يقرر كل فرد موقعه من ذلك الطيف وعندها تكون الممارسات واللغة التي يستخدمها في خليط بين التدين والعلمانية، ولا يوجد حد فاصل وواضح بينهما. في الغرب فإن طرق الحياة والممارسات العلمانية هي مشروطة باتفاقها مع التعاليم المسيحية – ونفس الأمر ينطبق على العالم العربي الإسلامي.

بدأ مفكرون في لبنان ومصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في توضيح مفاهيم علمانية سياسية واجتماعية مستلهمين – وليسوا مقلدين- التيار الفكري الأوروبي المعاصر. تواصل أولئك المفكرون مع تلك الأفكار من خلال الاحتلال، وأيضًا من خلال دراساتهم وسفراتهم الخاصة للغرب. وقد زاد نمو الحركة العلمانية العربية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى التي انتهت بتفكك الإمبراطورية العثمانية وسقوط الخلافة وتمدد الولايات البريطانية والفرنسية في الشرق.

ثم نشأت حركة القومية العربية وحركة البعث، وكان الباعث لتلك الحركات هو إيجاد نقطة اتصال بين الإسلام كتراث والاتجاه الحداثي الجديد الذي كان يأمل منشئو تلك الحركات أن يدفع المنطقة للأمام. فقد فهموا أن تطبيق شعائر الإسلام سيظل مهمًّا للمواطنين العرب. وقد كانت – وما زالت- الأفكار العلمانية السياسية والاجتماعية متبعة بصورة أكبر من الطبقة العليا والمتوسطة التي ظهرت في أواخر القرن العشرين.

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية ظهرت قوى ملكية أكثر تقليدية نافست القوى العلمانية من القوميين والشيوعيين والبعثيين. وخلال فترة الحرب الباردة، رأى صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة أن الأحزاب السياسية والأنظمة العلمانية في مصر والعراق وسوريا بالإضافة إلى إيران تميل إلى المعسكر السوفيتي وتقع تحت تبعيته وتأثيره. باختصار- رأوا القوى العلمانية بمثابة تهديد لهم.

ومع بزوغ نجم الإسلام السياسي كرد فعل على فشل الحركات القومية العربية والهزيمة في حرب 1967 والثورة الإيرانية ونهاية الأحزاب الشيوعية وفقدها ثقة شعوب المنطقة، لم تعد العلمانية السياسية تشكل أهمية بالنسبة لصناع القرار السياسي الغربي، فمنظمة التحرير الفلسطينية وسوريا حافظ الأسد ظلا يشكلان تهديدًا لإسرائيل لكن لم يعد للنفوذ السوفيتي وجود في المنطقة.

ومع نهاية الحرب الباردة تم اعتبار نظام البعث في سوريا والعراق خطرًا بسبب ما شكله من تهديد لإسرائيل والكويت واستقرار المنطقة. ومع حلول عام 1993 تخلت حركة فتح العلمانية (بدون انضمام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لها) عن المقاومة العنيفة، وبدأت في التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية تحت رعاية السلطة الفلسطينية واتفاقات أوسلو. وفي عام 2000، أعطى صعود بشار الأسد بعض الأمل للغرب من أنه قد يحول دفة نظام البعث إلى اتجاه إصلاحي أقل عداوة مما يؤدي إلى استقرار أكثر للمنطقة.

إشكالية ما بعد أحداث 11 سبتمبر

وبدأ فصل جديد في ذلك التاريخ المتشابك في عام 2001 عندما تم ربط الإسلام في كثير من النقاشات مع الأفكار السياسية لتنظيم القاعدة، مما جعل السياسيين الغريبين يربطون بفجاجة بين متبعي ذاك الدين العالمي والتهديدات الأمنية. في منتصف القرن العشرين كان السياسيون العلمانيون العرب يتم التعامل معهم بشك في أفكارهم وأنهم مصدر تهديد لمصالح الغرب وإسرائيل. بعد أحداث 11 سبتمبر، أصبح السياسيون الإسلاميون العرب مشتبهًا بهم بطريقة كانت محفوظة حصريًّا لنظام إيران ما بعد الثورة.

وفي كتاب “الحروب العلمانية: أساطير الأديان والسياسة والعنف” الذي نشر عام 2013 لكاتب المقال الأصلي ناقش الكاتب أن العلمانية ذات الخلقة (العقلية) العسكرية قادت بريطانيا – وجيوش ودول أخرى- لقراءة خاطئة للتعبيرات والرموز والنظم الاجتماعية الإسلامية سواء بتضخيم أو تقزيم خطورتها الحقيقية. ويعرِّف عالم الاجتماع بيير بوردو Pierre Bourdieu الخلقة بأنها ‘مجموعة ميول وعادات تجعل الشخص يتصرف بطريقة معينة’، وليست بالضرورة تحدث كلها بوعي كامل ومفهوم الأسباب.

الخلقة العلمانية البريطانية المعاصرة هي مزيج من الديموقراطية الليبرالية والتراث المسيحي والتعددية الثقافية المصاحبة لفترة ما بعد الإمبراطورية مع عدم تمييز بين الأديان. وتشكلت السياسة البريطانية بناءً على تلك الحالة السياسية والاجتماعية، وكانت تلك الخلقة أيضًا هي المؤثر الرئيسي في التعامل مع العراقيين والأفغان، وكذلك المسلمين المقيمين في المملكة المتحدة.

الطريقة العلمانية في فهم العالم صعبت على قوات الأمن الغربية فهم الفروق الدقيقة داخل المجتمع المسلم للتفرقة بين ما يشكل تهديدًا فعلًا وما هو مجرد شيء غير تقليدي وغريب. وعلى الرغم من أن الأوروبيين قد حكموا مناطق ذات أغلبية مسلمة في فترة الإمبراطورية، لكن يبدو أن تلك الخبرة تفتقدها الحكومات الأوروبية الحالية، وتبدو الأمور أكثر إظلامًا بالنسبة للحكومة الأمريكية.

في الفترة التي بدأت فيها الجماعات الإسلامية تتجه للشرق الأوسط في التسعينات، كانت أولوية الأمن الغربي هي ما أُطلق عليه ‘الحروب الجديدة’ في البلقان وأفريقيا والسيطرة على صدام حسين. ورغم أن هجمات القاعدة بدأت في التسعينات لكن خبراء الأمن الغربيين لم يلتفتوا لها إلى أن تفاجؤوا بها في 2001. ويرجع بوردو التأخر في رد الفعل إلى “أن الأحداث والأمور التي حدثت فعلًا على أرض الواقع كانت مختلفة تمامًا عن المتوقع أو المفترض”. وقد أضاع الغرب جزءًا كبيرًا من ذلك العقد حتى يلحقوا بزمام الأمور مرة أخرى.

رغم أنها لم تكن الدافع الرئيسي، لكن تلك التصرفات والأحداث ساعدت في فرض تدخل قوات الأمن في حياة المسلمين في جميع أنحاء العام ومنها الاحتلال المدمر للعراق وأفغانستان. ومع ذلك فالسياسة الدولية مليئة بالتناقضات والصورة ليست سلبية تمامًا، فسمحت حيادية الدولة (كأحد قواعد العلمانية الغربية) بمساندة مشاركة الإسلاميين في العمليات والممارسات الديموقراطية في أفغانستان والعراق. بل وقاموا بتخصيص مساعدات مادية لدعم تطوير المجتمع المدني المسلم في أوروبا.

الخلقة العلمانية الأمنية نتج عنها تأثيرات متناقضة. فمثلًا، في الوقت الذي تسبب فيه التقاعس البريطاني العلماني في عدم الالتفات لحجم التهديد الذي تمثله ميليشيا جيش المهدي بقيادة مقتدى الصدر في 2003- 2004 التي كانت محرضًا على الحرب الأهلية بعد ذلك في 2006- 2007، عمل الليبراليون البريطانيون على مساعدة السياسيين الإسلاميين أن يكون لهم تمثيل في الديموقراطية الناشئة في العراق. رغم أن نيتهم كانت تأمين المصالح الغربية فقد تمكن السياسيون العرب من تعظيم استفادتهم من تلك الفرص وتحقيق بعض الحكم الذاتي. وعلى أي حال كان ذلك الانفتاح غير الواضح تمامًا مع فكر الإسلام السياسي لا ينطبق على الجميع؛ فما زال الغرب يعتبر حزب الله وحماس منظمات إرهابية.

خرافة الإسلام المعتدل

ونعود مرة أخرى للتواريخ المتشابكة. فمما يدعو للسخرية في فترة ما بعد 11 سبتمبر أن خلقة الأمن العلماني قد قادت صانعي القرار السياسي للتركيز على الإسلام كخطر. ولم يلاحظ صانعو القرار السياسي الغربي في العقد التالي لأحداث 11 سبتمبر وجود الانتقادات العربية العلمانية للإسلام السياسي ولم ينتبهوا لوجود من يعيشون بتأثير أقل للإسلام في حياتهم. وعندما تم احتلال العراق أصبح أولئك المنتقدون العرب ذوو التوجه العلماني ينظرون للغرب كعدو وليس كحليف.

وفي منتصف عقد ما بعد 11 سبتمبر، ركز صانعو القرار السياسي الغربي في إمكانية تشكيل السياسة العربية في صورة إسلامية صديقة للغرب لاحتواء التهديدات الأمنية ضدهم. فقام صناع القرار السياسي في الغرب متأثرين بخلقة علمانية أمنية بإنشاء مجموعة من البرامج والمعسكرات السياسية التي تدور حول مفهوم الدين ‘المعتدل’ وتسخير ذلك المفهوم لتحقيق المصالح الغربية واحتواء التهديد ضد الأهداف الغربية. ذلك كان هو المنطق الذي بنيت عليه البرامج الغربية لدعم الديموقراطية وسياسات محاربة الإرهاب وما شابه. وكان ذلك التوجه أكثر وضوحًا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ولكن الاتحاد الأوروبي بدأ في السير في نفس الطريق.

في الحقيقة فإن فكرة الاعتدال هي دائمًا اختراع/ منشأ اجتماعي يعتمد على السياق المطروح وليس لها معنى أو محتوى في حد ذاتها وليس لها خصائص محددة يمكن أن تتعرف منها على الفكر المعتدل – حتى فكرة عدم العنف ليست محددة للاعتدال-، لكن صانعي القرار الغربيين ظلوا متمسكين بأكذوبة وجود خصائص محددة وثابتة وواضحة للاعتدال في الشرق الأوسط، ومن ثم يستخدمونها في تحديد حلفائهم، فمثلًا يمكنهم أن يبحثوا عن السوريين ‘المعتدلين’ لتسليحهم.

وفي نفس ذات الوقت، حاول السياسيون العرب تعظيم فرصهم السياسية والاقتصادية عن طريق وضع نفسهم في صورة ‘المعتدلين’. بالطبع فالوضع مليء بالتفاصيل المعقدة لكن أفراد المجتمع المدني في كل من الغرب والشرق الأوسط حاولوا تحقيق الاستفادة العظمى من الفرص المتاحة لوضع أنفسهم في مواقع تأثير في السياسة الدولية والمحلية مع الطرف الآخر أو عن طريق زيادة ثقلهم السياسي والاجتماعي بتحسين تنظيماتهم.

وقد منح هذا بعض الأصوات الأهدأ والأصغر في المجتمع المدني أن يقوموا بالإقناع المعياري لدول أقوى ـ حيث أقنعوهم بأن ذلك الإسلام المعتدل هو المعيار. وعلى أي حال فقد نجحت الأنظمة في الدول ذات الأغلبية المسلمة في الخليج والشام في صرف ضغط المؤسسات السياسية الغربية المطالبة بالقيام بإصلاحات سياسية أو تطور في مجال الاعتراف بحقوق الإنسان بالظهور بمظهر المعتدلين.

ظهور الدولة الإسلامية وعودة ظهور الجهاد على رأس قائمة اهتمامات الأنظمة الأمنية الغربية أعطى (وسيظل يعطي في أغلب الظنون) فرصًا تنظيمية للعرب والمسلمين الذين أطلقوا على أنفسهم “معتدلين”.

ويبدو أن الدول الغربية لم تتمكن من تفادي الاعتماد على تلك التحالفات مع الدول العربية التي تمتلك مفاتيح احتواء العديد مما يراه الغرب تهديدات أمنية مترابطة مثل سقوط الدولة في كل من اليمن وسوريا والعراق، وعودة مقاتلي الدولة الإسلامية للغرب والتمكن من الوصول لاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني. ويبدو أن قدرة الدولة الإسلامية (داعش) على جذب وإغراء مناصرين للانضمام إليها سينتج عتها مساندات من القوى الإقليمية للجهود العربية والغربية لمجابهة تلك الدعاية بفكرة الإسلام الوسطي.

ما بعد الربيع العربي: هل تنشأ خلقة أمنية علمانية جديدة؟

أجبر الربيع العربي صناع القرار الغربي أن يهتموا بصورة أكبر بالسياسة العربية العلمانية عندما بدأ السياسيون العلمانيون في إظهار أنفسهم في المشهد. وقد كان هناك تفضيل – وإن لم يكن شديدًا- بين صناع القرار الغربيين للثقة بالثوريين العرب الذين رآهم الغرب علمانيين.

بعض الفاعلين السياسيين مثل نداء تونس والمجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر قد صاغوا توجهاتهم السياسية في صورة علمانية واضعين رؤيتهم الاجتماعية والقانونية كمنافس واضح للتوجه الإسلامي عند منافسيهم الإسلاميين. بينما آخرون مثل حزب أردن أقوى – الذي ينادي بالمساواة بين الرجل والمرأة- اختاروا ألا يصفوا مطالبهم بتأثير ديني محافظ أقل على الدولة في صورة مباشرة وواضحة.

تتعامل الحكومات وبيوت الخبرة الغربية مع الأطراف التي تبدو علمانية على أنهم أكثر من يمكن الثقة بهم كحلفاء للغرب، حيث تحكم تصرفاتهم العقلانية والبرجماتية والوضوح ولا تحركهم الأيديولوجية، ويرون أنهم يمكنهم كبح جماح التهديدات الجهادية ضد الغرب. وعلى الرغم من ذلك فإن حادثة المتحف في مارس في تونس تحت عيون الحزب العلماني الحاكم ترجح أن الأحزاب العلمانية لا يمكنها بالضرورة إيقاف الجهاديين.

هاتان الأسطورتان الغربيتان عن الإسلام المعتدل والعلمانية المعتدلة هما ما يمنعان الغرب من الحد من وحشية الحكومات الاستبدادية في الشرق الأوسط. بالفعل ساندت الولايات المتحدة وأوروبا بصورة مؤقتة حكومة الإخوان المسلمين التي حكمت في مصر في 2012- 2013. لكن مع ذلك لم تستمر طويلًا إدانتهم للانقلاب الذي جاء بالمشير السيسي والعنف ضد الإخوان المسلمين وأحزاب المعارضة الأخرى، وصمتت بعد فترة.

رغم كره الدول الغربية لإعادة سيناريو احتلال العراق على الأراضي السورية، لكنهم أيضًا تخوفوا في 2011- 2013 من أن يتسبب خلع بشار الأسد في تولي الإسلاميين – الإخوان المسلمين أو أحد المجموعات الراديكالية الأخرى- مما يهدد اتزان المنطقة. ورغم الاعتراف بمخالفات الأسد الفاضحة في مجال حقوق الإنسان، لكن الدول الغربية رأت أن النظام العلماني هو أقل الضررين.

ولم يكن ذلك الخيار هو المفضل فقط في الدول العربية، فهرب أردوغان من إدانات كثيرة ضد استبداده المتزايد، ليس فقط لأن تركيا هي حليف رئيسي لحلف شمال الأطلنطي (ناتو) على الحدود السورية والعراقية لكن لعب الحماس الغربي الدائم للعلمانية التركية كحل مضاد للتطرف الإسلامي – كما وصفها أردوغان كثيرًا في 2011- 2012- دورًا في ذلك.

أيدت الدول الغربية طويلًا الأنظمة غير الديموقراطية في المنطقة لأنها تناسب اهتماماتهم، لكن العقلية (الخلقة) العسكرية/ الأمنية العلمانية الغربية التي ظهرت في عملية صناعة سياسات الأمن الغربية بعد 11 سبتمبر واستمرت في إدارة المشهد، كان لها منطق إضافي لدعم لتلك التحالفات.

تلك التحالفات ليست فقط برجماتية لكنها بطريقةٍ ما هي استمرار لنفس التوجهات القديمة. منذ بداية ظهور الإسلام السياسي كقوة يثق بها الناس في السبعينات، بدأ صناع القرار السياسي الغربيون في وضع ثقتهم في بعض – وليس كل- الدكتاتوريين العلمانيين مثل السادات، ومبارك، وبورقيبة، وبن علي، وبوتفليقة، وصدام حسين “الثمانينات”، وحتى في الملوك لمنع تهديد المصالح الغربية. بالطبع لم يكن التحالف مع الحكومات المستبدة مبنيًا فقط على كونها علمانية لكن السياسة الدولية لا يحكمها المنطق العقلي دائمًا والتشابه في التوجهات السياسية (أو بصورة أخرى ظهورك بمظهر يشبهني) يسهل التقارب السياسي ويجعل الثقة أسهل.

ومع ظهور بعض الحركات السياسية العلمانية اليسارية المؤيدة للديموقراطية في بعض الدول منذ 2011، وجد الغرب مجموعة متنوعة من فرص التحالف المُحتملة. لكنهم اختاروا مساندة الأنظمة التي يعرفونها – خاصة في شمال أفريقيا- بدلًا من زعزعة استقرارهم بمساندة المعارضة.

كانت سوريا هي الاستثناء الواضح الوحيد، فبدأ تدريب الغرب لما يطلق عليهم المعتدلون – سواء العلمانيين أو الإسلاميين- متأخرًا قليلًا. بينما كان الأمل لأولئك اليساريين قادمًا من النموذج التونسي الذي اعتمد على نفسه فضلًا عن مساندة ودعم مباشر من الغرب. ورغم أن وصولهم للسلطة السياسية الحقيقية يبدو بعيدًا إلى حد ما، لكن عدم تدخل الغرب في التطورات السياسية يبدو مرحبًا به منهم.

الدولة الإسلامية (داعش) والخلقة (العقلية) العلمانية الغربية الأمنية

شهدت فترة تقترب من ثلاث سنوات منذ نهاية 2010 حتى منتصف 2014 اختفاءً مؤقتًا للجهاديين كعدو أمني رئيسي للغرب. فبخلاف حادثة محطة الغاز في إن أميناس بالجزائر في يناير 2013 التي تم فيها أخذ رهائن غربيين وقتلهم اقتصرت أهداف مقاتلي الجماعات الجهادية وفي مقدمتها القاعدة وبوكو حرام والشباب في غالبية الحالات على أهداف غير غربية.

وحتى مع ظهور جبهة النصرة في 2012 كلاعب أساسي في الحرب الأهلية السورية، لم يأخذ ذلك الموضوع حقه في التفكير الأمني الغربي بسبب التركيز في موضوع الامتناع عن ضرب القوات الجوية السورية، ورفض الدخول في حرب أهلية أخرى في المنطقة. قاومت الحكومات الغربية التدخل العسكري ضد الدولة الإسلامية (داعش) لمدة سنة تقريبًا وإن أجبروا على التدخل في النهاية؛ ليس بسبب الرعب الذي عانى منه المواطنون هناك، بل بسبب مشاهد قطع رؤوس الرهائن الغربيين وتدفق المسلمين الغربيين إلى سوريا واستهداف أهداف أوروبية.

سياسة التعامل والإعلام الغربي حول الدول الإسلامية (داعش) أعاد كثيرًا من العبارات التي استخدمت مع القاعدة بعد 11 سبتمبر. وبعضها أيضًا نراه عند المحللين الغربيين الذين قدروا دورًا أكبر من حجمه لما تلعبه الطائفية في الخلافات الإيرانية- الخليجية التي تدار بالوكالة في سوريا واليمن. وعلى أي حال عما إذا كانت الخلقة (العقلية) الغربية الأمنية العلمانية سيكون لها تأثير ملموس للرد على داعش، فهذا ما نحتاج لننتظر لنراه.

سياسات مقترحة

في ضوء الانفلات الأمني القائم في الشرق الأوسط الناتج عن كل من داعش والأنظمة الاستبدادية، يقترح الكاتب ثلاث سياسات لحكومات دول حلف شمال الأطلنطي (الناتو).

1- تطوير أدوات تحليلية جديدة لفهم أفضل لتطور السياسات العلمانية في الشرق الأوسط بدلًا من استخدام التصنيفات القديمة من يساريين وليبراليين وقوميين.

2- تقييم الاعتدال – سواء كان إسلاميًّا أم غيره- بعين ناقدة متسائلة ومنتبهة كيف تستخدم الدول والجماعات التسميات السياسية لعقد تحالفات وتحجيم المنافسين والوصول إلى مركز قوة سياسي. لا يجب الافتراض أن الفاعلين السياسيين الذين يعبرون عن سياساتهم بكونها أكثر علمانية أو صديقة للغرب هم بالضرورة يتقدمون أو أنهم ميالون للديموقراطية.

3- القيام بعملية فحص على أعلى مستوى للكشف عن وجود افتراضات علمانية مشوهة في العملية السياسية.
هذا البحث هو نتيجة لورشة عمل تمت في نوفمبر ٢٠١٤ في Chatham House عن الإسلام والعلمانية والأمن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد