هل البشر قادرون على افتقاد الأشياء أو الأشخاص حقًا؟ أم هل نفتقد فقط ما يعنيه هذا الشخص أو الشيء بالنسبة لنا، أو ذكرياتنا معهم؟ للوهلة الأولى يبدو أن الأمرين متشابهين، لكنهما ليسا كذلك في الحقيقة.

كانت هذه التساؤلات مقدمة لمقال كتبه الفيلسوف الشاب بول هادسن، ونشر عبر موقع «Elite Daily».

نحن في الأساس غير قادرين على حب أو افتقاد أحدهم لشخصه فقط. أنت لا تشعر بالحنين تجاه هذا الشخص، إنما تفتقد مفهومك وفكرتك عنه، وعما عناه لك في حياتك. بالطبع يدعو هذا الأمر إلى الاهتمام، لكن في الوقت ذاته يوضح – بطريقة أو بأخرى – كيف يمكن لمشاعرنا وللحب الذي نشعر به أن يكون غاية في الهشاشة على نحو يثير الدهشة.

يقول الفيلسوف الشاب: «إن البشر يميلون دومًا للحكم على كل شيء وكل شخص، وأن تلك هي الطريقة التي تم برمجتنا عليها والتي لن تتغير أبدًا. بالقيام بهذا السلوك نحن نخلق مجموعة من القناعات حول الشخص الآخر. وبنمو العلاقة وتطورها، نتطور نحن معها ونتلون على حد السواء».

في بعض الأحيان، الصورة التي نتذكر بها شخصًا ما تكون هي حقيقته فعلًا، أو على الأقل ما كان عليه، «لكن نحن نميل دومًا إلى الرومانسية» بحسب هادسن. إذ نفضل دومًا أن نتذكر الأشخاص من منظور رومانسي حالم، بتركيزنا على الطريقة التي نتخيلهم بها، وعلى مشاعرنا التي كونَّاها نحن عنهم، بغض النظر عن حقيقتهم أو الطريقة التي عاملونا بها.

مرة أخرى، في أحيان كثيرة يكون هذا هو الواقع فعلًا، وتكون الذكرى والافتقاد في محلهما، يمكن أن يكون لدينا كل الحق لافتقاد أحدهم، لكن ولسوء الحظ العكس أيضًا صحيح: ففي أحيان أخرى أنت لا تفتقد الشخص، وإنما فكرتك ومفهومك عنه.

يتساءل الكاتب إن كنت لا تتذكر سوى الأوقات الطيبة ولحظات السعادة، على الرغم من الطريقة السيئة التي عاملك بها أحدهم، ويقول: إذًا أنت تفتقد للعاطفة في حياتك، للشعور بوجود أحدهم بجوارك. هذا بالطبع مفهوم بامتياز. نحن لا نفضل أن نكون وحيدين.

نعم يستطيع بعضنا أن يسير أموره بصورة أفضل نسبيًا من الآخرين – يقول هادسن – لكن في النهاية هذا فقط يحدث لأن الضرورة تحتم ذلك. لا أحد يختار بإرادته الحرة أن يكون وحيدًا، إلا إذا كانت لديه بعض المشاكل النفسية العالقة التي تدفعه نحو الوحدة. بالطبع كلنا يفضل أن يترك وحده من حين إلى آخر، لكن ليس طول الوقت. حتمًا سنشعر بالوحدة عند نقطة ما وسنريد أن نحظى بشخص ما في حياتنا، نأنس له ونسكن إليه. هذا أمر طبيعي، ولا يدعو أبدًا لأن نتنصل منه.

ما يجب عليك أن تخجل منه حقًا، هو افتقاد أشخاص عاملوك على نحو مريع. من المحتمل أنهم عاملوك بلطف في مناسبات خاصة، لكن الحياة ليست مليئة بكثير من هذه المناسبات. إذا كانت كذلك، فلن يكون هناك داعٍ لاستخدام مصطلح «مناسبة خاصة».

إن كنت أحد هؤلاء الذين يفتقدون من عاملهم بشكل سيئ، فيجب عليك أن تبادر الآن بالفعل وتأخذ خطوة على الطريق الصحيح وتعيد تعريف واقعك. فلا يمكنك أن تجنح للاستسلام إلى واقع كهذا، ولا يجب عليك.

أنت فقط تفتقد هذا الشخص عندما تكون وحيدًا

لتفرق بين الحب الحقيقي وما تتوهم أنه حب يجب عليك أن تنحي إحساسك بالوحدة قبل أي شيء. البشر يميلون لافتقاد أشخاص من ماضيهم حينما يشعرون بالوحدة أو بالحزن.

ننقب دومًا في ماضينا عن شخص ما لنستند عليه عندما نكون في أمس الحاجة إلى هذا الفعل، لكننا لا نجد من يستمع إلينا. يقول الفيلسوف الشاب أن هذا قطعًا ليس حبًا، بل مخيلتك تتعلق بحبال واهية «كغريق يتعلق بقشة». لا نريد أن نكون وحدنا عندما تواجهنا الحياة بصعوباتها، نريد دومًا أن يكون أحدهم في الجوار. هذا يجعل الحياة أكثر سهولة. ونحن دومًا مدفوعين برغبتنا في جعل الحياة أسهل.

مرة أخرى، يقول هادسن أن هذا ليس بحب، إنها الوحدة تداعب خيالك وتتلاعب بذكرياتك لتكوِّن واقع حالم ومغاير لحقيقة ما كان. إذا ما كانت الأوقات الصعبة هي دافعك الوحيد للشعور بالافتقاد، فعلى الأقل لا يجب أن تنطلي عليك الخدعة لتظن أنك ما زلت تحب هذ الشخص.

على الجانب الآخر، إن كنت تفتقد هذا الشخص حتى خلال لحظاتك الأكثر سعادة فأنت إذًا لديك سبب وجيه يدعوك لافتقاده. تمسكك بالذكريات هنا قد لا يكون كله سوء. ويضيف الكاتب أنه في مرحلة ما – وحتى إن اضطررت لأن تبتعد – فلا يجب عليك أن تفرط في كل ما كان بينكما من فضل «فلا تنسوا الفضل بينكم». لكن ما يجب عليك أن تخجل منه حقًا هو تمسكك بذكري علاقة مشوهة.

اقرأ أيضًا: كيف يرى الفلاسفة الحُب؟ بين اختيار الوحدة وتعدّد العلاقات

إذا ما نظرت إلى حياتك بكل السعادة التي تملأها ولكل إنجازاتك التي حققتها، ووجدت أنه مازال ينقصك شيئًا وشعرت أن هذه السعادة لن يقدر لها الاكتمال إلا بوجود هذا الشخص إلى جانبك؛ وإذا كنت تشعر أن أوقاتك السعيدة كانت لتكون أفضل بوجوده، فحينها فقط – وبلا أدنى شك – يمكننا القول إنك تحب هذا الشخص حقًا.

أنت لا تفتقد هذا الشخص، إنما تفتقد نفسك حينما كنت معه

يقول هادسن: إنك حينما تنقب في ماضيك لتتذكر أحبتك السابقين، وما خضتموه سويًا، وذكرياتكم ومشاعرك حينها، فأنت بشكل ما لا تفكر في هذا الشخص بالتحديد بقدر ما تريد أن تتذكر كيف كنت أنت وقت كنت معه.

ويضيف: أن البشر بطبيعتهم متمركزون حول ذواتهم، هذه هي فطرتنا ولا يجب أن نخجل منها. بل يجب أن نعتنقها ونتفهمها، والأفضل أن نتحكم بها. فنحن غير قادرين على تذكر من أحببناهم بشكل واقعي حقًا. فنحن لا نتفاعل أبدًا مع البشر كأشخاص، إنما نتفاعل مع مشاعرنا ومفاهيمنا عنهم. والمشاعر والمفاهيم في حقيقتها متغيرة ويمكن تشكيلها، يمكننا أن نعدل في كيفية شعورنا تجاه شخص أو أمر ما؛ مما يؤدي إلى تغيير مفاهيمنا عنهم.

بغض النظر عن هذا كله يقول الكاتب، تبقى الحقيقة أن الأشياء أو الأشخاص الذين نهتم بهم ونحبهم، هم في حقيقة الأمر من أثَّروا بنا على نحو عميق.

كثير من الناس يغضون النظر عن هذه الحقيقة: نحن نتذكر الطريقة التي أثر بها الأشخاص في حياتنا، وليس الأشخاص أنفسهم. بالطبع نتذكر الأشياء التي فعلوها من أجلنا وجعلت شعورنا بهم على هذا النحو، لكن في الحقيقة دائمًا ما نركز طاقاتنا حول المشاعر، وليس الفعل ذاته.

بعد كل ما قيل يستطرد الكاتب: ما نفتقده حقًا ليس الشخص نفسه، إنما الواقع الذي خلقناه بأنفسنا نتيجة وجود هذا الشخص في حياتنا. نحن نفتقد الطريقة التي شعرنا بها، وما كنا نحن عليه فيما مضى حين كان هذا الشخص يمثل شيئًا ما في حياتنا. نحن نفتقد الشخص الذي كناه؛ لأنه كان نسخة أفضل منا. نسخة أكثر انطلاقًا، وأكثر حيوية وأكثر حبًا للحياة.

يمكن أن نعزو هذا بشكل كامل إلى النوستالجيا – يقول هادسن – لكن وعلى أية حال يظل هذا الواقع الذي نعيشه بغض النظر عن قبولنا له من عدمه. ويضيف أنه بالطبع البشر قادرون على حب نفس الشخص إلى الأبد، وقادرون أيضًا على الشعور بالافتقاد، وإدراك أهمية ما تخلينا عنه وأدرنا ظهرنا له. لكن لا تجري الأمور هكذا دائمًا.

ويختتم الكاتب والفيلسوف الشاب مقاله قائلًا: «بشكل شبه دائم، نحن ننزع دومًا لإرهاق أنفسنا وعواطفنا بتركيز اهتمامنا على من لا يستحقون ذلك. لنتعلم أن نفرق جيدًا بين الحب الحقيقي الذي سيبقى وسيدوم حتى في حالة البعد، وبين العلاقات المشوهة التي تضر. لنتعلم هذا حتى نتمكن من استكمال حياتنا. فالحياة لن تتوقف، وكذلك يجب عليك أيضًا ألَّا تتوقف».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!