تحظى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بسمعةٍ سيئةٍ بين المستثمرين الأجانب؛ بسبب صعوبة فهمها، فقد خلق هذا الافتقار إلى الفهم «علاوة مخاطرة» (أي: عائد تعويض المخاطرة) تفوق بكثير ما هو ضروري للمنطقة، مما أدى إلى عوائد أعلى للمستثمرين المطَّلعين.

وفي مقال له بصحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، سرد صباح البنعلي – وهو مستثمر ورجل أعمال إماراتي، وله سجل حافل في شركات التمويل والبناء والشركات النامية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- عدة أخطاء يجب تجنُّبها عند الاستثمار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مشيرًا إلى أن تجاهل «أساطير» وادي السيليكون هو مفتاح النجاح في المنطقة التي لا تستحق علاوة مخاطرة باهظة.

الخطأ الأول: دول الشرق الأوسط متماثلة

وأوضح كاتب المقال أن الخطأ الأول يكمن في افتراض أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – وهي مجموعة مكونة من عشرين دولة أو نحو ذلك- متماثلة. فعلى الرغم من أن معظم الناس في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يُعدون عربًا ويمتلكون سمات مشتركة، وهو ما يعني سوقًا تجاريةً أكبر، فإن الاختلافات الثقافية والاقتصادية في المنطقة كبيرة.

وفي حين أن هذه الاختلافات تخلق فرصًا للتنويع، إلا أنها تعني أيضًا – على سبيل المثال- أن توظيف محلل للاستثمارات من بلاد الشام لتحليل دول الخليج، لن يخلق أي قيمة أعلى من توظيف شخص نشأ في بريطانيا.

الخطأ الثاني: سوء فهم العالم العربي

وبيَّن الكاتب أن الخطأ الثاني يكمن في سوء فهم التواصل، الذي يتسم في العالم الناطق باللغة العربية بأنه غير مباشر نسبيًّا وغير لفظي أكثر من النمط الأنجلوسكسوني (الأنجلوسكسونيون هم القبائل الجرمانية التي غزت بريطانيا وسكنتها في القرن الخامس والقرن السادس بعد الميلاد). وتبرز هذه الفجوة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ لأن الأجانب غالبًا ما يخلطون بين الطلاقة في اللغة والتوافق في الاتصالات.

وبتعبير أعم، لا يحب العرب استخدام كلمة «لا»، لكن هذا لا يعني أنهم لا يقولون «لا». وقد أدى الإخفاق في استيعاب مثل هذه الفروق الدقيقة إلى إنهاء الحياة المهنية للعديد من رجال الأعمال الأجانب في المنطقة.

24 نصيحة للملياردير «وارن بافيت» في الاستثمار وتكوين الثروات

6 أساطير من وادي السليكون

وقال صباح البنعلي: «في عام 2001، كنتُ المؤسس الرئيسي لـ«سفار كابيتال»، وهي مجموعة للأسهم الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كان أول استثمار لنا – مدفوعًا إلى حد كبير بالرؤى السابق ذكرها- عبارة عن شركة إعلامية مالية. لقد كان الاستثمار ناجحًا، ويُعزى ذلك أساسًا إلى أننا لم نتبنّ أساطير وادي السيليكون، التي تُجلَب حاليًا إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تعيق الشركات الناشئة المحلية وتدمِّر القيمة الاستثمارية».

Embed from Getty Images

1. رواد أعمال محليون

وأضاف: «تمثلت الأسطورة الأولى التي تجاهلناها في أننا بحاجة إلى رواد أعمال محليين. لقد تأسست «زاوية» – استثمارنا- على أيدي مواطنين بريطانيين من أصل عراقي ومقرها في لندن. ومع ذلك، نقلنا الشركة وموظفيها الخمسة المتفرغين على الفور إلى دبي، وتأكَّدنا من أن مجموعتنا الاستثمارية – بمعرفتها المتعمِّقة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- استكملت الفريق المؤسس لـ«زاوية».

2. لا لإدارة المؤسسين

وتابع الكاتب: «لقد خرقنا محظورًا ثانيًا برفضنا السماح للمؤسِّسين بإدارة الشركة مع التحكُّم في الأصوات. إن الفكرة المتمثلة في إمكانية اضطلاع رجل أعمال بالتحكُّم في ملكية شركتهم تُوجد في الولايات المتحدة فقط؛ لأن المعروض من الاستثمار يفوق الطلب بكثير. وفي معظم بقية أنحاء العالم، يكون العكس هو الصحيح، وسيجد رجال الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذين يحاولون الاحتفاظ بالتحكُّم في شركاتهم وتمويلها خارجيًّا أنه ليس هناك إلا رغبة ضئيلة في هذا النهج من جانب المستثمرين المحليين».

3. فرص من المشكلات

وأردف صباح البنعلي قائلًا: «تتعلق الأسطورة الثالثة التي تجنبناها بفكرة محاولة حل مشكلة إقليمية. هذا يُعد تقييدًا ذاتيًّا. كانت المشكلة التي حَللنَاها عالميةً: كيف تصور الأجانب الأخبار والبيانات المالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحلّلوها. وبدلًا من عد الأحداث الإخبارية المتقلّبة غالبًا في المنطقة تحديًا، استغللناها كفرصة».

وأضاف: «باستخدام منصة على الإنترنت، تجنبنا العديد من المشكلات التنظيمية التي واجهها الوجود المادي مثل المكاتب المحلية والإنتاج. وقد استخدمت الشركات الناشئة الأخرى – مثل «مكتوب» (التي اشترتها «ياهو»)، و«سوق» (التي اشترتها «أمازون»)، و«كريم» (التي اشترتها «أوبر»)- أيضًا منصات رقمية للتغلب على المسائل المتعلقة بتعدد الولايات القضائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

4. النمو الهامشي مؤشرًا للأداء

وتابع الكاتب: «كان المحظور الرابع الذي اخترقناه ذا دافع تجاريّ وليس حماسيًّا عاطفيًّا. فمجددًا، يمكنك أن تكون متحمسًا إذا فاق الطلب على الاستثمار العرض بكثير، ولكن عندما لا يكون الأمر كذلك، يجب على رواد الأعمال التفكير تجاريًّا. لقد ركزنا أيضًا على النمو الهامشي مؤشرًا رئيسيًّا للأداء، بدلًا من نمو الإيرادات».

5. المكان المناسب

ومضى صباح البنعلي يقول: «يتعلق المحظور الخامس بالمكان. يُفتَن رجال الأعمال للغاية بـ«أين سيحدث». ففي دبي في عام 2002، كان هذا يعني محورَيْ مدينة دبي للإنترنت ومدينة دبي للإعلام. ولكننا اخترنا – بدلًا من ذلك- إقامة عملنا في ديرة – البلدة القديمة في دبي- بأقل من ثُلث ما كان سيكلِّفه في أحد هذين المحورين. كان فريقنا البحثي – الذي يتكوَّن من ثلاثة أرباع موظفي «زاوية»- مقيمًا في بيروت، حيث يوجد عدد كبير من المهنيين المهرة، والمتعلمين، والمجتهدين الذين يتقاضون أجورًا معقولة».

6. الجدول الزمني

وأضاف: «يتمثل المحظور السادس في الجدول الزمني. ففي وادي السيليكون، ربما يتمكَّن رواد الأعمال من تحقيق عوائد للمستثمرين في غضون بضع سنوات. لقد استغرقت «كريم» ست سنوات للصعود، وعشر سنوات لـ«مكتوب»، واثنتا عشرة سنة لـ«سوق». وقد استغرقنا إحدى عشرة سنة لبناء «زاوية» وبيعها إلى «طومسون رويترز»».

وتابع الكاتب: «لقد حققنا معدل عائد داخلي نقدي بنسبة 35 في المائة – وهو مقياس للأداء يُرَاقَب عن كثب- على «زاوية» على مدى تلك السنوات الإحدى عشرة. لقد قمنا باستثمارنا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2001، مباشرةً بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 الإرهابية التي أدت إلى ارتفاع علاوة المخاطرة للأسهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتفاعًا هائلًا».

وواصل يقول: «لم نخترع شيئًا جديدًا. لقد نفذنا ببساطة أفضل من منافسينا، بما في ذلك العمالقة العالميون. وفي عام 2004، استخدمنا المبادئ نفسها لبناء بنك استثماري سعودي ومن ثم بيعه لاحقًا إلى بنك «كريدي سويس».

واختتم صباح البنعلي مقاله مؤكدًا أن «التحديات الرئيسية أمام استثمار رأس المال الاستثماري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تتمثل في ندرة التمويل والموظفين المهرة، ولكن تكمن ببساطة في التغلُّب على نقص الخبرة الإقليمية».

جدير بالذكر أن وادي السيليكون هو المنطقة الجنوبية من خليج سان فرانسيسكو في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية. أصبحت هذه المنطقة مشهورة بسبب وجود عدد كبير من مطوِّري ومنتجي الرقاقات السيليكونية (الدائرة المتكاملة)، وحاليًا تضم جميع أعمال التقنية العالية في المنطقة، حيث أصبح اسم المنطقة مرادفًا لمصطلح التقنية العالية.

وعلى الرغم من وجود العديد من القطاعات الاقتصادية المتطورة تكنولوجيًا، فإن وادي السيليكون يبقى الأول في مجال التطوير والاختراعات الجديدة في مجال التكنولوجيا المتطوِّرة، ويساهم في ثُلُث العائدات الاستثمارية في مجال المشروعات الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية.

«نيويوركر»: هل تحل طباعة المزيد من النقود مشكلات الاقتصاد؟ هذه النظرية تجيبك

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد