ما أول شيء يتبادر إلى ذهنك عندما تسمع كلمة الوسواس القهري؟ هل هي تلك الصور النمطية عن أناس مُقيدين بعادات معينة يُكررونها بلا توقف، أم أن للأمر أبعادًا أخرى أكثر عمقًا؟ ما الذي يسلبنا إياه الهوس؟ وما الذي يضيفه إلى حياتنا وذواتنا؟

في مقال للكاتبة إليزابيث سفوبودا في مجلة «أيون» الإلكترونية، تُحدثنا عن تجربتها الذاتية مع اضطراب الوسواس القهري، لتُحطم صورنا النمطية عنه، وتُرينا منه جانبًا مُشرقًا، كثيرًا ما نغفل عنه.

صحة

منذ سنة واحدة
«نيويورك تايمز»: 6 أسباب تعرضك لخطر السكتات الدماغية في سن الشباب

كيف بدأ الوسواس؟

تتحدث إليزابيث عن بداية رحلتها مع اضطراب الوسواس القهري، فقد بدأ الأمر بأكمله ببضع قطرات من الدماء، أو بعبارة أدق، بوصف للدماء على الورق. فقد كانت تقرأ رواية الأطفال الكلاسيكية «A Summer to Die» التي صدرت عام 1977 للكاتبة لوريس لاوري، عن طفلة تموت بمرض سرطان الدم. وكان أول مؤشر على أن مولي – الشخصية الرئيسية بالرواية – تعاني من خطب ما، وفقًا لرواية إليزابيث، هو نزيف في أنفها لا يُمكن إيقافه.

وتحكي أنه بعد انتهائها من الرواية، كانت تشعر بأنها قاب قوسين أو أدنى من الموت كلما نزف أنفها، وكانت تتفقد ذراعيها وساقيها بهوس للعثور على أي كدمات شاردة، وهي عرض مُحتمل آخر للوكيميا.

وفي السنوات التي سبقت مُراهقتها، كانت قد تأملت في الموت بصورة أعمق من هؤلاء الناس على فراش الموت، وازداد هوسها خطورة للدرجة التي جعلتها تتخلص من الكتاب الذي يلحق بها الأذى.

في حين أنه بعد مرور أكثر من عشر سنوات، أخبرها طبيب نفسي بأنها تعاني من اضطراب الوسواس القهري. وتحكي أن هذا  الخيط الأحمر من الشعور بالقلق من جراء الهوس الذي امتد في كل مرحلة من حياتها لم يُمثل لها أي مُشكلة، ففي ذلك الوقت الذي شُخِّصت فيه، كانت قد وصلت بالفعل إلى أكثر مراحل الهوس استفحالًا، إلى جانب آخرين ممن استوفوا معايير اضطراب الوسواس القهري.

ما يسلبه الوسواس القهري من حياتك

تؤكد إليزابيث أنه لا توجد وسيلة للتخفيف من وقع الأمر، فاضطراب الوسواس القهري مُكتمِل النمو يُعد مرضًا، فهو يجعلك عاجزًا عن العمل، وفقًا لما اختبرته بنفسها. بيد أنه في الوقتِ نفسه، يُلائم الهوس الحقبة الثقافية الراهنة، وكثيرًا ما تجد المهووسين القادرين على العمل مُتربعين على قمة التسلسل الهرمي الاجتماعي والمهني.

ففي الأسطورة اليونانية، يقتل سيزيوس، وهو مهووس آخر صاحب إنجازات كبيرة، المينوتور (وحش له جسم إنسان ورأس ثور)، ليجد مخرجًا لنفسه من المتاهة باتباعه الخيط الأحمر الذي أهدته إياه أدريان. وفي مُطلق الأحوال، هدى خيط الهوس إليزابيث إلى طريقها، حتى وإن كان قد أوقعها في شَرَكه.

بالنسبة لها، لطالما انتشر الهوس في الركيزة ذاتها المتمثلة في خطر الموت الذي يلوح في الأفق، سواءً كان جسديًّا، أو اجتماعيًّا، أو معنويًّا. وفي خلال هذا الوقت الذي كانت تقرأ فيه رواية لاوري، كانت تسحب كتب التشريح الخاصة بأبيها الجراح فرانك نيتر من على الأرفف، مُقتنعةً بأنها كانت مُقدرة لأن تكون واحدة من تلك الحالات النادرة، التي وردت في الكتب بتفاصيلها المُروعة.

وبعد أن زُج بها في الطاحونة الأكاديمية بمدرسة ثانوية تنافسية، حولت خوفها من النسيان إلى هوس بالدراسة، وجعلها التوتر العصبي الذي نخر في أحشائها تعيسة، إلا أنه، كما تؤكد، وضعها أيضًا في حالة من الحماسة الجنونية للمذاكرة قبل اختبارات المستوى المُتقدم للفيزياء، وكلما فترت عزيمتها، كانت تتلقى ضربة من الخوف لتعاود العمل ثانيةً.

وفي حين سمحت إليزابيث لمخاوفها بتوجيهها ودفعها للحصول على درجات مرتفعة في بعض الاختبارات، أصابتها هذه المخاوف أيضًا بالشلل في بعض الأحيان. فعندما يعاني المرء من الوسواس القهري، يعقب كل فكرة استحواذية عن موضوعٍ بعينه إلزام ما في المُقابل، وهو شيء تضطر إلى فعله لتمحو من ذهنك الفكرة المُزعجة، بحسب إليزابيث.

وحتى بعد أن تخلصت من رواية «A Summer to Die»، كانت قد أصبحت بارعة في تحويل المخاوف الصحية البسيطة إلى أزمات كبرى، فقد كانت تبحث بهوس في المواقع الطبية على «جوجل»، لتقنع نفسها بأنها لا تعاني من سرطان الغدد الليمفاوية، أو سرطان المبايض.

وعندما عملت كاتبة، حاربت الأفكار الدخيلة التي ظهرت من العدم، مثل: «هل تتذكرين تلك المقالة التي كتبتها عن آثار الديناصورات المُتحجرة؟ من الأفضل لكِ أن تتحققي من كل كلمة وكل جملة، وتتأكدي من أنكِ لم تُخطئي في فهم أي شيء، أو تنسي الاستشهاد بأحد المصادر». بدا أن مقولة «لقد ارتكبت خطأ، لقد ارتكبت خطأ» أصبحت محور كل هاجس عبر عقلها، فكل إلزام كان بمثابة محاولة فاشلة للضغط على زر كتم الصوت.

ما هو الوسواس القهري حقًّا؟

تجيب الكاتبة عن هذا السؤال مُستعرضة هذا الاضطراب بعيون الآخرين، فعندما يُفكر معظم الناس في الوسواس القهري، يتخيلون شخصية تُرتب سريرها وكأنها أسرَّة في مشفى، أو تغسل يديها بدون توقف لتتخلص من الجراثيم.

Embed from Getty Images

إلا أن الكاتبة لم تُطابق هذه المواصفات قط، فهي كما ذكرت، مهملة بعض الشيء، وفي الواقع، أظهرت البحوث أن الأفكار الاستحواذية الدخيلة التي تُعرِف الوسواس القهري، قد تتجلى في مجموعة متنوعة من الأساليب المختلفة.

صحيح أن هناك من يغسلون أيديهم باستمرار، وهناك من يقفزون على شروخ الأرصفة، وهناك من هم مثل إليزابيث، ممن يكون وسواسهم القهري أكثر شبهًا بالأزمة الوجودية.

تراود بعض المصابين بالوسواس القهري أفكار عنيفة غير مرغوب فيها، مثل أنهم سيقتلون أصدقاءهم أو أفراد أسرتهم، ويجدون أنفسهم مُجبرين على التخلص من كل سكاكينهم للتأكد من أنهم لن يقتلوا أحدًا، في حين أنهم في حقيقة الأمر لن يُقدموا على إيذاء ذبابة، بحسب الكاتبة.

أما الآخرون ممن يُعانون مما يُسمى «وسواس العلاقات القهري»، فيستحوذ عليهم هاجس أن شركاءهم يخونوهم، على الرغم من عدم وجود أدلة على ذلك، ويتفقدون هواتفهم وأماكن وجودهم بلا نهاية؛ للتأكد من ولائهم.

وهناك من يُعانون من نوعٍ فرعي من الوسواس القهري مُتعلق بالشك، ويُفكرون فجأة في أنهم ارتكبوا خطأ أخلاقيًّا، فيصلُّون بهوس، ليحملوا عن عاتقهم ما يبدو وكأنه لا يُطاق.

لا تزيد نسبة المُصابين بالهوس بالدرجة التي تجعلهم مؤهلين للخضوع لفحص للوسواس القهري عن 1 أو 3% من إجمالي عدد السكان، مثلما أوضحت الكاتبة، بيد أن النزعة الإنسانية للهوس أكثر شمولًا وعالمية، وهي تُميزنا منذ آلاف السنين، ولولاها لكان من غير المحتمل لنا أن نكون في وضعنا الحالي بين الكائنات.

وفي هذا الصدد، تُحدثنا إليزابيث عن فكرتنا عن الهوس بصورته المجردة.

يشير ما نعرفه عن بيولوجية الهوس إلى أن أدمغتنا مُبرمجة على تشجيعه؛ ففحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي تُظهر أن الناس ممن يُعانون من الوسواس القهري لديهم مستويات غير مُعتادة من النشاط في ثلاث مناطق أساسية من الدماغ، وهي: القشرة الجبهية الحُجاجية، والقشرة الحزامية الأمامية، والعقد العصبية.

والأمر المهم للغاية هنا، بحسب إليزابيث، هو أن هذه المناطق في الدماغ ضرورية لما يُسميه علماء الأعصاب «الكشف عن الأخطاء»، وهو تحديد ما إن كان هناك شيء خطأ؛ كي يتمكن الشخص المُفكر من تقويم مساره.

وفي الناس الذين يُعانون من الوسواس القهري، يتحول نظام الكشف عن المخاطر هذا إلى نظام مُفرط في النشاط، ليستحدث ما سماه جيفري شوارتز، الطبيب النفسي بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس «إشارة مستمرة لكشف الخطأ»، وبعبارة أخرى، فإن الوسواس القهري أشبه بجهاز إنذار سيارة مُفعل لن يتوقف عن الصرير حتى عندما تُحاول تعطيله.

وبالرغم من أن لا أحد يُحب صوت صرير جهاز إنذار سيارةٍ ما، فإننا جميعنا مستعدون لتركيب واحدٍ في حال كنا خائفين من أن نتعرض للسرقة.

من أين يأتي الهوس؟

ربما يكون الهوس قد نشأ لسببٍ مماثلٍ لذلك الذي يدفعنا لتركيب جهاز إنذار رغم كرهنا له، وفقًا للكاتبة، وهو سبب يرجع إلى عملية تطورنا. فالتوتر القائم على القلق هو جوهر الشخصية المهووسة، هكذا كتب ستيفن هيرتلر، الطبيب النفسي بكلية نيو روشيل في نيويورك، الذي أوضح أن هذا التوتر يدفعنا إلى اتخاذ الإجراءات الضرورية لضمان البقاء على قيد الحياة. فالناس الذين استحوذت عليهم المخاطر المُحتملة كالدخلاء والثعابين والنمور، قد لا يحمل الوجود بجوارهم كثيرًا من المتعة، في رأي الكاتبة.

يُمكن النظر إلى الوسواس القهري على أنه تطرف في سلسلة مُتصلة ومتطورة من استراتيجيات تفادي الأضرار.
*مارتن برون – طبيب نفسي ألماني

بيد أن ميول كاسندرا التي يتسمون بها (مُصطلح يُستخدم في علم النفس للإشارة إلى معاناة شخصٍ ما بسبب هواجس معينة لا يُصدقها من حوله، وكاسندرا هي ابنة بريام ملك طروادة)، هذه الميول وفرت الحماية لأصدقائهم وعائلاتهم، وحسَّنت من مستقبل ذريتهم، بحسب الكاتبة. والوسواس القهري، كما كتب الطبيب النفسي الألماني مارتن برون: «يُمكن النظر إليه على أنه تطرف في سلسلة مُتصلة ومتطورة من استراتيجيات تفادي الأضرار».

وتقول الكاتبة إن عقولنا قد تقودنا أيضًا إلى أن نكون في أقصى درجات الهوس خلال المراحل الهشة من حياتنا. وتُشير إلى دراسة أُجريت في جامعة نورث ويسترن في شيكاجو، توصلت إلى أن النساء في مرحلة ما بعد الولادة يختبرن أعراض الوسواس القهري بمعدل حوالي أربعة أضعاف ذلك لعموم الأشخاص، ومن بين تلك الأعراض الشائعة لدى هؤلاء الأمهات مخاوفهم المستمرة تجاه إيذاء أطفالهم حديثي الولادة أو تعريضهم للجراثيم.

ويعتقد الباحثون أن سبب هذا هو أن بعض هذا الهوس قد يكون بمثابة استجابة تكيفية بعد الولادة، استدعاءً للقدر الكبير من الحذر الذي يتطلبه الاعتناء بمخلوق ضئيل لا حول له ولا قوة.

بإمكان المزايا الخاصة بنظام كشف المخاطر الحساس المُتعلق بالبقاء على قيد الحياة، تفسير لماذا انتهى الأمر بملايين منا بأجهزة كشف عن المخاطر مُضطربة قليلًا، بحسب الكاتبة. فبينما يُعاني واحد من كل 40 شخصًا من الوسواس القهري الحاد، يختبر واحد من كل 10 أشخاص هواجس واضطرابات ليست بالقدر الكافي من الحدة للتأثير في الحياة اليومية.

وأفادت الكاتبة بأنه بالرغم من أننا جميعًا مُبرمجون على الميل إلى الهوس، وبعضنا أكثر من غيره، فإن بيئتنا الثقافية شجعت وعززت هذا الميل.

فتمجيدنا الجماعي لفضائل الهوس، له جذور في أخلاقيات العمل البروتستانتية، تتمثل في مفهوم الاجتهاد بوصفه دعوة على المستوى نفسه لتكريس النفس للعبادة. وفي هذا الصدد كتب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عام 1905 قائلًا: «سلوك كهذا ليس نتاجًا للطبيعة بأي حال من الأحوال. يمكن فقط أن يكون نتاجًا لعملية تعلم طويلة ومُضنية».

الوسواس القهري ونظام البقاء للأقوى

واليوم، عملية التعلم، وهي الطريقة المنهجية التي نجزي ونُعزز بها الهوس، تبدأ في وقت مُبكر يعود إلى مرحلة التعليم الابتدائي، في الوقت الذي قد يُرفض فيه أطفال بالكاد شبوا لكونهم غير مستعدين أكاديميًّا، كما أوضحت الكاتبة.

وتستمر عملية التعلم طوال سنوات الدراسة. بينما يحشد المراهقون السجلات الدراسية المثالية؛ ليستحوذوا على اهتمام الكليات ذات الأسماء التجارية. ويستمر الأمر حتى وقتٍ مُتأخر من سن البلوغ، بينما نلقي نحن سيرنا الذاتية في المياه، باذلين قصارى جهدنا للحصول على ذلك الشيء الغامض الذي سيميزنا عن بقية الناس.

تتقد عيون مُديري التوظيف لدى رؤية العبارات التي ترمز إليه في رسائل توصية المرشحين، مثل: «مهتم بالتفاصيل»، و«غير متهاون»، و«مُفرِط في أخلاقيات العمل».

وأشارت إليزابيث إلى أنه في نظام يُثمن ما يُسميه فيبر «البقاء على المستوى الاقتصادي يكون للأقوى»، تندر الوظائف المرموقة، وتكون الفوارق بين المُرشحين دقيقة، وتكون الآثار المترتبة على تفويت هذه الفرص بالغة. ولا تجد الكاتبة غرابة في أن أجهزة الكشف عن المخاطر الخاصة بنا تكون مضبوطة على حالة تأهب برتقالية اللون.

والأكثر من ذلك، في رأي الكاتبة، هو أن هؤلاء الذين يتخطون عوائق مُحددة استنادًا إلى الهوس يُكافئون بسخاء؛ فعيون مُديري التوظيف تتقد لدى رؤية العبارات التي ترمز إليه في رسائل توصية المرشحين، مثل: «مهتم بالتفاصيل»، و«غير متهاون»، و«مُفرِط في أخلاقيات العمل»، وكثير من هؤلاء المديرين أنفسهم، مثلما ذكرت إليزابيث، ترقوا في السلم الوظيفي بفضل انحناءة مماثلة.

وفي الحقيقة، يحتاج كثيرٌ من الخبراء إلى أن يكون لديهم هوس «لا يتجاوز الحد المعقول، (يتمثل فقط) في التأكد من أن كل شيء يُنفذ بشكل صحيح». هكذا تقول الطبيبة النفسية إيدا جوربيس، مديرة معهد ويستوود لاضطرابات القلق في لوس أنجلوس.

ومن بين هؤلاء الذين وجهوا الهوس إلى هدفٍ مبهج شعوريًّا أو روحيًّا، مُحققو جرائم القتل، الذين يهتمون بالأدلة الدقيقة، والفلكيون الذين يكدحون في ظلام الليل كي يُحسنوا من الأفكار المتعلقة بنظام الكون، وجراحو الدماغ الذين تُشكل قطعاتهم الدقيقة الفارق بين الحياة والموت.

وفي هذا الصدد توضح إليزابيث أن كثيرًا من المصابين بالوسواس القهري، وليس جميعهم بأي شكل من الأشكال، تمكنوا على نحو مماثل من توجيه مناوراتهم العقلية المحمومة إلى فائدة ملموسة.

Embed from Getty Images

مثال على ذلك لانس فايس، وهو كوميديان يُعاني من الوسواس القهري ويعيش في نيويورك، وينسب الفضل في تأجيج شهرته في عالم الكوميديا الارتجالية إلى طبيعته الموسوسة. فعندما أجرى عرضًا كوميديًّا شهيرًا في المدينة، كان يتحضر لكل عرض باهتمام مثالي للتفاصيل، وفي هذا الصدد يقول: «كل شيء كان مُحددًا للغاية. فقد جلست في كلِ كُرسي لأرى كم ستبعد ركبتا أحدهم عن الصف التالي».

أما الكاتبة والمستشارة الإنجليزية أماندا جرين، التي تعاني أيضًا من الوسواس القهري، فتقول، بحسب إليزابيث، إن نهج «كل شيء أو لا شيء» الذي تتبعه أمدها بالطاقة خلال تأسيسها لعملها الخاص، وكتابتها ثمانية كتب.

في حين كانت أسطورة الشاشة تشارليز ثيرون وجون جرين مؤلف الكتاب الأكثر رواجًا «The Fault In Our Stars» منفتحين حيال تشخيصهما باضطراب الوسواس القهري.

وتشير إليزابيث، في مقالها، إلى أن دراسات الحالة للوسواس القهري توصلت إلى أن هذه الأنواع من الصفات الشخصية، قد توجد حتى في ظل حضور إعاقة ملحوظة.

أما الطبيبتان النفسيتان الأمريكيتان ثيودور ميلان وروجر ديل دايفيس، فقد كتبتا أن «الاجتهاد والوعي لدى المصابين بالوسواس القهري، تعكس بدرجة كبيرة تطويعهم واستغلالهم لطاقة القلق».

القلق نعمة أم نقمة؟

تُشير الكاتبة إلى أن طاقة القلق هبة بالنسبة لها؛ فمن الصعب عليها أن تتخيل كيف كان ليبدو الأمر إن لم تنبض تألمًا مثل الجيتار، وترى أنه من المنطقي أن مستوى معينًا من الهوس قد يساعد البشر على البقاء والازدهار، إلا أن ذلك لا يُهوِّن الأمر قط عندما تصبح دماغها في حالة من النشاط الزائد عن الحد، على حد وصفها.

Embed from Getty Images

وتقول إنه مثلها مثل الأمهات في دراسة نورث ويست، استفحل لديها الوسواس القهري بعد ولادتها لأحد أبنائها. وبالرغم من أن تاريخها المرضي جعلها عُرضة لمخاطر شديدة، والخلل الهرموني في مرحلة ما بعد الولادة جعلها أكثر هشاشة، فإنها كانت غير واعية، عن عمد ربما، عن كل هذا، وقد أصبحت خالية من الأعراض لفترة زمنية مناسبة.

إلا أن هوسها سرعان ما عاود الظهور في نمط فرعي: الأعداء. فقد تكون مُستلقية في سريرها تُرضع ابنها، ليُسيطر التوتر فجأة على جسدها، ويُحدث ارتفاعًا حادًا في نبضات قلبها. فمقال كتبته في سن الرابعة والعشرين، أو ربما بحث كتبته في مرحلة الدراسة الثانوية، يُحطم جهازها للكشف عن المخاطر بقوة تُماثل القصف مباشرة.

ولوقف المذبحة، كانت تتفحص وتُعيد تفحص نص كل قطعة، وتتأمله بحثًا عن دليل على خطأ، أو صدى كلمات كاتبٍ آخر. كانت أيضًا، حسبما ذكرت، تتحقق وتُعيد التحقق من اقتباساتٍ من بعض المصادر، للتأكد من أن ما ورد في نصها يتطابق بالحرف مع ما ورد في قطعها المُنتهية.

وإن وجدت أخطاء، وعادة ما كنت تجد؛ لأن الوقائع والعبارات أكثر خداعًا مما يظن الناس، كان الأمر حينها بمثابة تأكيد لأسوأ مخاوفها. فعندما كانت تقنع نفسها بأن مقالًا ما قد اجتاز الاختبار، كانت تهدأ لدقائق قليلة، بيد أن هذه السكينة لم تدم طويلًا. وبعد مرور ساعة من تفقدها جزءًا من النص، كانت تشك في أنها تفحصته باستفاضة كافية، لذا كانت تراجعه مرة أخرى، لتدور عجلة التفكير الوسواسية والجنونية مرة أخرى.

وبدا لها ظاهريًّا أنها تفعل ما يتطلبه الأمر فقط، ولكنها في الواقع، كانت قد فقدت القدرة على رؤية روح الاجتهاد وهي تتحول إلى مرض.

لا مفر منه

لا يوجد لدى إليزابيث أي شك في أن الهوس في جيناتها، فهي حسبما ذكرت تنحدر من سلالة طويلة من الحرفيين شديدي الدقة، بمن فيهم جراح، وسباك، ومهندس.

وتذكر الكاتبة مازحة، أنه لو كان لشوارتز أن يفحص دماغها أثناء نوبة من نوبات الوسواس القهري، فهي على يقين أن قشرتها الجبهية الحجاجية كانت لتضيء مثل شجرة عيد الميلاد. بيد أن معظم الاضطرابات العقلية تبدأ في صلب علم الأحياء والبيئة، ومن الصعب تصور فكرة إقامة بيئة أكثر ملاءمة للوسواس القهري من الثقافة التي نشأت وما زالت تعيش فيها.

وأفادت إليزابيث أنه بتهيئتها وتشجيعها عبر عشرات الطرق المختلفة للاستجابة لنوبات الهوس الشديدة والمُلِحة، كانت قد وصلت إلى نقطة بدا عندها أن الأمر أصبح ربما ضرورة بيولوجية؛ فعندما أصابتها «طفرة» في الوسواس القهري، مثلما يُطلق عليها الأطباء، كان عدم اتباعها لمتطلبات دماغها النشطة أشبه بتجاهل جودزيلا تُضيق عليها الخناق، وفي هذا الصدد يوضح شوارتز في كتابه «Brain Lock»، الصادر عام 1996، أن هذا المرض المعروف بالوسواس القهري «هو وحش نَهِم، كلما زاد استسلامك له، ازداد جوعًا».

ثقافة

منذ 9 شهور
«الكتاب كوصفة دوائية».. هل من الممكن أن تحلّ القراءة مشاكلنا الوجودية؟

التعرض ومنع الاستجابة والممارسات الروحية وجهان لعملةٍ واحدة

أفادت الكاتبة بأن المستوى الأول من علاج الوسواس القهري يتمثل في مُثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية، وهو صنف من الأدوية التي ينتمي إليها البروزاك، ونوع من العلاجات التطبيقية التي تُعرف باسم «التعرض ومنع الاستجابة». وتنطوي هذه الأخيرة على مهاجمة نفسك بمخاوفك التحفيزية دون توقف، إلى أن تتكيف معها.

بينما يتلقى دماغك رسالة مفادها أن الحياة تستمر بشكلها المُعتاد عندما لا تنفِّذ رغباتك، تتضاءل جسامة طفرات وسواسك القهري.

تشير إليزابيث إلى أوجه التشابه المُفاجئة بين علاج التعرض ومنع الاستجابة، وبين الممارسات الروحية في العالم بأسره. فالتأمل هو وسيلة من وسائل التسليم؛ أي تقبل الأشياء كما هي في كل لحظة.

ويشتمل علاج التعرض ومنع الاستجابة أيضًا على صورة نقية من صور التقبل الجذري، فإن كان يستحوذ عليك الخوف من الجراثيم، وكنت تغسل يديك مراتٍ عدة في الساعة الواحدة للتخلص منهم، إذًا فيجب عليك أن تمتثل لتعليمات طبيبك النفسي، بأن تفرك يديك في الأرضية وتلعقهما بعد ذلك دون أن تغسلهما. أو في حالة إليزابيث، بأن تتقبل إمكانية أنك قد أفسدت كليًّا مقالة قديمة وتمتنع عن التحقق منها، للتأكد من أنه لا مشكلة بها.

وبالنسبة للأشخاص الذين تتمحور هواجسهم حول المثالية، تقول الطبيبة النفسية جوربيس: «من المُتعارف عليه لدينا أن نقترح عليهم ارتكاب بعض الأخطاء البسيطة، كأن ينسوا وضع فاصلة، أو أن يكتبوا حرفًا صغيرًا محل حرفٍ كبير»، على ألا يعقبوا ذلك بعملية تصويب.

وتؤكد إليزابيث أنه بينما يتلقى دماغك رسالة مفادها أن الحياة تستمر بشكلها المُعتاد عندما لا تنفِّذ رغباتك، تتضاءل جسامة طفرات وسواسك القهري، وبالنسبة لمن يمتلكون الشجاعة الكافية لاستيعاب هذا الشعور بالانزعاج، يحقق نظام التخطيط نجاحًا مُدهشًا.

خطة وحياة جديدتان 

تُشير إليزابيث إلى أن مواجهتها المُباشرة لأسوأ مخاوفها عوضًا عن محاولة إلزام نفسها بالتخلص منها، أوقفت أسوأ دورات الهوس لديها في أيام، وخلال ساعات في بعض الأحيان. وأفادت أنه بعد حصول المرضى على العلاج الذي يرتكز على علاج التعرض ومنع الاستجابة، في دراسة بجامعة لوس أنجلوس، «هدأت» مناطق الدماغ التي عادة ما تكون مُفرطة النشاط لدى المصابين بالوسواس القهري، أثناء فحص الدماغ لدى هؤلاء الذين تحسنت أعراضهم، ما يُشير إلى أن العلاج النفسي قد يُساعد في حقيقة الأمر على تحويل الدوائر الكهربية البيولوجية في الدماغ.

Embed from Getty Images

فهؤلاء الذين يُعانون من الوسواس القهري يُظهرون نشاطًا أقل في منطقة القشرة الجبهية الحجاجية بعد تناولهم مضادات اكتئاب مثل بروزاك، ما قد يوفر طريقة جديدة لنتيجة بيولوجية مُشابهة، حسبما أوضحت إليزابيث.

وعلى الرغم من ذلك، كان العلاج بالنسبة لإليزابيث وآخرين كثر وسيلة للتقليل من حجم الهوس وليس لإيقافه.

وتُشير الكاتبة إلى ما ورد في كتاب «Brain Lock»، فقد كتب شوارتز عن العديد من المرضى الذين انخفضت هواجسهم انخفاضًا ملموسًا بعد العلاج، واستمرت على هذه الحال بدرجةٍ ما. وتؤكد جوربيس أن هدف العلاج هو الحد من الأعراض المزعجة، ومساعدة الناس على المشاركة كليًّا في الحياة، وليس التخلص من النزعة الاستحواذية بشكل كامل.

وتقول جوربيس: «يجب أن تُميز ما إذا كانت الأفكار الوسواسية تسبب أزمة كبيرة، وتستغرق أكثر من ساعة واحدة في اليوم، ففي هذه الحالة من المؤكد أنه مرض. أما إن كانت عَرضية ولا تتسبب في قدرٍ كبير من الضيق، فهو ليس مرضًا».

وبينما خفت حدة أعراض إليزابيث إلى مستوى مقبول، ظلت طبيعتها المهووسة موجودة، ولا تعتقد أنها كانت لتصبح الكاتبة التي هي عليها بدونها؛ فقد ساعدها وسواسها، مثلما أوضحت، على تجنب عثرات خطيرة، بداية من الأخطاء المتصلة بالواقع، وصولًا إلى الجدالات الضعيفة.

ففي عالمنا الحالي، حيث التشهير على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب ارتكاب الأخطاء، كثيرًا ما بدا تدقيقها في الحقائق الذي لا نهاية له، ومُساءلتها لذاتها، الحل المنطقي الوحيد (فقد شهدت في كثيرٍ من المرات على سخرية الجماهير من كُتَّاب أقل صرامةً منها)، وفكرت، وقد تملكها القليل من الخجل، في أنها تحتاج إلى نزعتها الوسواسية؛ لأنها توازن نزعة الكسل لديها التي تماثلها في القوة.

أنت لست مرضك

يُعلم شوارتز المرضى ترديد صيحة مدوية هي «الأمر لا يتعلق بي ولكن بوسواسي القهري» لتكون أداة لتعزيز الذهن، فهي، وفقًا لإليزابيث، تساعدهم على تذكر أن أعراضهم، هي نتاج لإخفاق دماغهم.

وبالنسبة للكاتبة، كانت هذه الوسيلة بالتحديد أقل نفعًا، فهوسها يتشابه كثيرًا مع الشواغل المنطقية المُتعلقة بالدقة والسلامة، لدرجة صعَّبت عليها النظر إليهم على أنهم دُخلاء على طبيعتها.

بيد أنها على دراية بأن ميولها الاستحواذية غير طبيعية بدرجةٍ ما، وإن لم تكن كذلك دائمًا من حيث المضمون، لذا فقد اضطُرت إلى تخفيف وطأتها أثناء العمل بسبب ما يحدث عندما تُطلق لهم العنان.

ففي إحدى المرات، بعد أن أخبرت أحد المحررين بأنها بحاجة إلى رؤية النسخة الأخيرة لواحدة من قصصها، وهي نسخة كانت قد اطلعت عليها بالفعل، أرسل إليها ردًّا غاضبًا مفاده أنه لم يطلب أي كاتب قبل ذلك هذا القدر من التعديلات، لتتوقف عن العمل معه منذ ذاك الحين.

وتتساءل إليزابيث إذا ما كان السبب في أنها أبلت بلاءً حسنًا في المدرسة بسبب أنها مهووسة، وإن كان ذلك سببًا أيضًا في أنها قدمت طلبات مستمرة للالتحاق في البرامج الداخلية للكتابة، إلى أن حصلت على واحدٍ، وكانت على استعداد للتخلي عن المُحررين مرة تلو الأخرى، إلى أن يهبط عليها مفهوم لقصتها؟

أجابت الكاتبة بنعم، وفي هذا الصدد تقول إنه من المحتمل أن يكون أسلافها من المهووسين قد جنوا الثمار نفسها، وحصلوا على المزايا نفسها، كما يفعل كثير من المعاصرين ممن يُعانون أو لا يُعانون من الوسواس القهري.

بيد أن الكاتبة عازمة أيضًا على عدم الاستسلام للمفارقة الكامنة في جوهر الوسواس القهري، التي مفادها أن التمادي في حمايتها لذاتها يعني تفعيلها لآلية تدميرها لنفسها.

وتقول الكاتبة بعبارةٍ أخرى، إنها ما زالت متمسكة بهذا الخيط الأحمر، غير أنها لم تعد تسمح له بالعبث معها وتصعيب الأمور عليها، وأثناء هذا كله، كان الوعي عاملًا مخففًا، إذ أدركت الكاتبة أكثر من ذي قبل، إلى أي مدى تُرجِع ميولها الاستحواذية صدى ثقافتنا الحماسية، تلك التي لا نهاية لها.

وسمح لها هذا بالنظر في الكيفية والمدى الذي ترغب بالامتثال إلى ما تُمليه عليه هذه الميول. وتساءلت إن كانت ستقطع الخيط الأحمر بالكامل إن استطاعت، ولم تجد إجابة أكيدة عن سؤالها، بيد أنها تُخبرنا بأنه لا داعي للقلق؛ لأنها لا تستطيع في جميع الأحوال. لذا يجب عليها أن تثق في أن هذا الهوس سيظل نبراسًا تستنير به عبر المتاهة.

مجتمع

منذ 4 شهور
«الجارديان»: دروس من زيمبابوي.. كيف تتعامل الدول الفقيرة مع الاكتئاب؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد