تناولت إيما جراهام هاريسون في مقال لها بصحيفة «الجارديان» البريطانية، الأوضاع المأساوية التي يواجهها المهاجرون الأفارقة الهاربون من جحيم الفقر في بلدانهم.

تسرد إيما قصة محمد يوسف، من دولة النيجر ابن الـ24 ربيعًا، الذي ترك وطنه للعمل في ليبيا – على أمل العبور إلى أوروبا– وانتهى به المطاف إلى التورط في عالم الجريمة والدعارة، إذ جرى بيعه وتعذيبه ورأى صديقه يموت أمام عينيه، ثم وجد نفسه قد عاد إلى نقطة البداية، ليواجه الشخص الذي حوله إلى عبد.

اقرأ أيضًا: مترجم: لماذا تتعمد السفن الأوروبية عدم إنقاذ المهاجرين من الساحل الليبي؟

كان المهرب ما يزال يعمل بلا خجل على تهريب المهاجرين القادمين إلى منطقة أجاديز التي تقع في قلب النيجر، والتي هي مسرح لتهريب البشر عبر الصحراء منذ عقود.

قال له يوسف: «مات صديقي في ليبيا بسببك»، وعندما طلب منه بعض الطعام، رفض الرجل وقال: «آسف، كان الله في عونك».

كشف المهاجرون القادمون من ليبيا أنّهم قد تعرضوا إلى الخطف والتعذيب من
طرف المهربين لانتزاع الأموال منهم. لكن الأمور تطورت في السنوات الأخيرة
وبلغت حد تجارة العبودية، التي انخرط فيها عشرات الآلاف. كما أكدوا أنّ
المهربين يتمتعون بالحصانة لدرجة أنه يجري بيع الضحايا في الأسواق علنًا،
بل ويُفتح مزادٌ لبيعهم.

تقول إيما إنّ عشرات الآلاف يخوضون كل عام مغامرة العبور نحو أوروبا في مراكب بالية تحمل فوق طاقتها، وقد جرت محاولات مستميتة لإنقاذ الآلاف منهم بعد غرق مراكبهم. وقد بلغ عدد القتلى في العام الحالي 1300 قتيل.

ومنذ أن سقط نظام معمر القذافي في ليبيا عام 2011، انزلقت البلاد إلى الفوضى، وأصبحت ساحةً للجريمة والعنف. وظهرت فيها عشرات الميليشيات – بما في ذلك داعش– وغرقت البلاد في فوضى السلاح، وازدهرت تجارة التهريب بشدة.

في العام الماضي فقط – كما تشير إيما– قالت منظمة الهجرة الدولية إنّ أكثر من 180 ألف لاجئ قد وصلوا إلى إيطاليا، ومعظمهم جاء عبر ليبيا. ومن المتوقع أن يصل العدد هذا العام إلى 200 ألف، إذ إنّ عوائد تجارة التهريب سخية للغاية.

وقد كشف المهاجرون القادمون من ليبيا أنّهم قد تعرضوا إلى الخطف والتعذيب من طرف المهربين لانتزاع الأموال منهم. لكن الأمور تطورت في السنوات الأخيرة وبلغت حد تجارة العبودية، التي انخرط فيها عشرات الآلاف. كما أكدوا أنّ المهربين يتمتعون بالحصانة لدرجة أنه يجري بيع الضحايا في الأسواق علنًا، بل ويُفتح مزاد لبيعهم.

شمس الدين جبريل، شاب كاميروني، يقول إنّهم كانوا يجمعون الناس في الشارع ويضعون لافتة كُتب عليها «للبيع». أضاف جبريل أنّه شهد هذا الموضوع أكثر من مرة في شوارع مدينة سبها، مسقط رأس القذافي. «كانوا يقيدونهم بالضبط مثلما كان يحدث في تجارة العبيد قديمًا، ثم يحملونهم في سيارة تويوتا. كانوا خمسة أشخاص أو سبعة». لم يجرؤ جبريل على التحدث إليهم. وقد وقفوا صفًّا بالقرب من دار القذافي بجوار مخبز شهير، حيث كان يمر الكثير من الناس.

وقد نقل التقرير عن مهاجر آخر قوله إنّه كان يُقام مزاد لبيعهم في مرأب للسيارات مهجور يقع على أطراف البلدة، بعد وصولهم من أجاديز.

تعتبر أجاديز قبلة مواطني غرب إفريقيا، التي يمكنهم دخولها بدون وثائق؛ إذ إنّها جزء من المجتمع الاقتصادي لدول غرب إفريقيا، الذي يسمح بالسفر دون تأشيرة لمواطني تلك المنطقة. وقد أدى ذلك إلى وقوع الكثيرين بين أيدي المهربين، الذين ورطوا الضحايا في تجارة الرق.

تبدأ المشكلة من هنا، وفقًا لجبريل. إذ إنّه يجري بيع الضحايا حتى لو سددوا ثمن رحلتهم. كما يجري إقناع آخرين – مثل يوسف– بإمكانية سداد ثمن العبور نحو أوروبا عبر العمل في ليبيا. وما إن يصلوا حتى يجري عرضهم للبيع.

اقرأ أيضًا: «واشنطن بوست»: اتفاق أوروبي مع ليبيا قد يعرض المهاجرين للاستعباد

أصدقاء أداما إيسامواه حذروه من أهوال رحلة ليبيا، لكنه ظن أنه ذاهب إلى الجزائر. قال أداما: «كنتُ على علم بأننا سنمر عبر صحراء، لكنني كنت أجهل شكلها. بعد أربعة أيام، قالوا لنا مرحبًا بكم في ليبيا. حينها أفقت على الصدمة، وأدركت أن الوسيط قد باعني».

يحكي التقرير عن أحد المهربين – يتخذ لنفسه اسم أباهي– الذي يزعم أنّ ما يفعله ليس تجارةً في البشر. يبدي أباهي قلقه على من يقوم بنقلهم، إذ يقول: «ما يحدث أمر محزن. الآن سيتهمني من أنقلهم أنني السبب في معاناتهم. لكن ما العمل؟ هذا حال ليبيا التي تحكمها الميليشيات».

ويضيف أباهي أنّه يحمل في سيارته مزيجًا من المسافرين والبضاعة. فالذي لا يدفع منهم مقابل نقله، يجري بيعه مقابل 400 يورو في سبها.

الأدهى من ذلك – كما تشير إيما– هي تجارة النساء في سوق الدعارة، التي تجلب أرباحًا أعلى بكثير. يقول عامل بناء من النيجر إنّ هناك مبنى شهيرًا في سبها مخصصًا للدعارة. ويقول العامل:

هناك مبنى للدعارة مكون من ثلاثة طوابق. ما إن تطأ أقدام النساء المبنى، حتى يعجزن عن مغادرته. وعلى الفور، يجري إجبار بعضهن على العمل، ويتم بيع أخريات في أماكن أخرى. يبلغ سعر المرأة 2000 يورو، وهو أضعاف ما يُدفع في الرجال. وقد فزع العامل – الذي تعرض إلى الخطف مرتين في ليبيا– مما رآه، وتساءل كيف يحدث ذلك في الألفية الثالثة.

تنقل إيما شهادات رهائن سابقين، قالوا إن مصير الرجال يتحدد عن طريق مهاراتهم، ومن الذي يشتري ويبيع. وتقوم المنظمة الدولية للمهاجرين بإعادة المفرج عنهم مجانًا إلى بلدانهم، وتوفر لهم الرعاية الطبية في غضون ذلك. وقد أشار بعض العائدين إلى أنّ بعضًا من رفقائهم تعاونوا مع المهربين وعملوا حراسًا.

وقالوا إنّ الخاطفين كانوا يبحثون عن تجار ماهرين بينهم، فكانوا يبيعون الكهربائيين والسباكين إلى مشترين بعينهم. والبقية كان يجري عرضهم في مزاد باعتبارهم عمالًا، أو كان يجري سجنهم وإجبارهم على الاتصال بعائلاتهم وطلب فدية بمئات الدولارات. وكانوا يقومون بتعذيب الضحايا وهم يتحدثون مع عائلاتهم عبر الهاتف لضمان وصول الأموال سريعًا.

يقول جبريل إنّ بعض المهربين كانوا يعاملون المهاجرين بشكل أكثر فظاعة، إذ كانوا يقومون بقطع أصابع بعضهم، أو كيّهم بالحديد الساخن. أما سعداء الحظ، فكانوا يأتون بهم بوصفهم عمالًا.

الغريب في الأمر هو أنّ بعض المشترين أفارقة، مثل توكور النيجيري. يقول يوسف إنه اشتراه هو واثنين آخرين. وقال أباهي – المهرب– إنّه قد تعامل مع توكور أكثر من مرة، لكنه أكد أنّ مصير من يجري بيعهم ليس من شأنه، فكل ما يهتم به هو المال. يتخذ توكور سبها مقرًا له – كما يشير التقرير– ويرافقه حارسان قويان ينفذان أوامره بكل عنف.

يتذكر يوسف أنّه هو وصديقه قد سددا نصف المبلغ المطلوب، ووافقا على العمل عند الوصول لسداد النصف الآخر. لكن السائق سرق ما بحوزتهما وباعهما. يقول يوسف: «لم أدرك أننّا مخطوفان. وبعد أن وصل توكور، جرى استدعاؤنا مع ثلاثة آخرين». دعاهم توكور إلى الدخول إلى المبنى، وبعد أن أغلق القفل خلفهم، أمرهم بالاتصال بعائلاتهم لطلب المال.

توفي صديق يوسف من الضرب المبرح، وعند نقل جثته إلى المستشفى، اقتنع الأطباء على الفور برواية الخاطفين بأنّه قد توفي بسبب أزمة قلبية. حاول يوسف الفرار من خاطفيه، بعد أن اقتنع أنه سيموت مثل صاحبه. ثمة اعتقاد سائد بأن الآلاف يموتون جوعًا في سجون سرية منتشرة في أنحاء ليبيا، حيث يعتبر الإعدام والتعذيب شائعًا.

ينتقل التقرير لسرد قصة يحيى كوليبالي – من ساحل العاج– الذي ترك ابنته الصغيرة خديجة خلفه، وانطلق محملًا بالأحلام بحياة أفضل في إيطاليا. يقول كوليبالي – الذي تعرض للحرق على يد خاطفيه– إنّه يجهل سبب قيامهم بذلك.

كان قد مضى عليه ثلاثة أسابيع فقط، عندما اصطحبه الحراس إلى فناء وقاموا بصب البنزين عليه، وأضرموا النيران فيه. يقول يحيى – الذي لا يجيد الإنجليزية–: «كانوا يصيحون بي (نريد المال)!».

اقرأ أيضًا: في ذكراها السادسة.. أبرز محطات الثورة الليبية وإلى أين وصلت

كان الألم لا يطاق. صرخ بأعلى صوت وهو يجري في أنحاء الفناء، إلى أن أشفق عليه أحد الحراس، إذ جرى صوبه وسارع بإطفاء النيران. ولولا ذلك، لكان كوليبالي في عداد الموتى. بينما كان يعاني من جروح شديدة، ألقوا به على قارعة الطريق، ولم ينقذه إلا مهاجر إفريقي آخر، حيث سارع بنقله إلى المستشفى.

تركت الحروق ندوبًا على يديه وأذابت لحم ركبته اليسرى. وجرى لف ساقيه في ضمادات، وهو يتمدد الآن على فراش في شمال النيجر، ويحلم باليوم الذي سيعود فيه إلى دياره.

يحكي يحيى قصته قائلًا: «اتصلنا بالمهرب من داخل ليبيا، لكنه قال إنه قد صرف الكثير من المال علينا، ويجدر بنا الاتصال بعائلاتنا لطلب المزيد من المال، فاتضح أنّ الأمر كله كذبة». ومع نفاد الأموال التي يملكها، سقط في أيدي عصابة بينما كان يبحث عن مخرج من مأزقه.

وقد صرح جوزيب لوبريت – مدير وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في ليبيا– لصحيفة الأوبزرفر بأنّ الأخبار الواردة من ليبيا صادمة. «أعتقد أنّ الأوضاع تزداد سوءًا، والأمر يحتاج إلى اهتمام شديد. لا يمكن قبول هذا العنف ضد أناس كل ذنبهم أنهم يحلمون بحياة أفضل».

تؤكد إيما أنّ الحكومة في النيجر نجحت في التضييق بشدة على هذه التجارة في أجاديز. فقد اعتُقِل عشرات المهربين، وصودرت مئات المركبات، وأصبح من الصعب للغاية رشوة الحراس على نقاط التفتيش.

لكن هذا الحل مؤقت – كما تستدرك إيما– إذ إن مشكلة الفقر أكبر بكثير من الأهوال التي قد يقابلها هؤلاء في ليبيا. لكن منظمة الهجرة الدولية لا تدخر جهدًا في مساعدة العائدين من جحيم ليبيا.

يختتم التقرير بالقول إنّ العشرات من الحالمين ما زالوا ينتظرون في أجاديز، وهم يحسبون أنهم يتمتعون بالذكاء الكافي لتجنب الوقوع في أسر العبودية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد