تتعرض صناعة السينما في الهند لضغوط متزايدة لإرغامها على الخضوع للقوميين الهندوس، حسب ما جاء في تحليل للكاتبة أنشال فوهرا.

تستهل الكاتبة تحليلها الذي نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية بالإشارة إلى أن السلطات الهندية ألقت القبض الشهر الماضي على نجل النجم الهندي شاه روخ خان بتهمة تعاطي المخدرات في إحدى الحفلات، مشيرةً إلى أن أخبار المشاهير من هذا النوع توفر في معظم أنحاء العالم إلهاءً مؤقتًا للجمهور، وفي الهند، حيث تعمق الانقسام بين الهندوس والمسلمين منذ أن أصبح ناريندرا مودي رئيسًا للوزراء، أدَّى اعتقال خان إلى تركيز الانتباه على النسيج الاجتماعي المتآكل في الهند.

استرضاء اليمين الهندوسي

وقالت الكاتبة إن مؤيدي حكومة مودي القومية الهندوسية يدافعون عن اعتقال نجل خان بوصفه مسألة قانونية ويزعمون أنها تكشف عن انحطاط في صناعة السينما، ولكن الليبراليين في الهند يزعمون أنها كانت خطوة مقصودة تهدف إلى تشويه صورة معشوق الجماهير المسلم لاسترضاء اليمين الهندوسي.

دولي

منذ 3 شهور
«ذا دبلومات»: لماذا ينتفض فلاحو الهند مجدَّدًا ضد مودي؟ وكيف ترد الحكومة؟

لقد ظل خان نجمًا لأكثر من عقد من الزمان ويشار إليه على نطاق واسع باسم «الملك خان»، ملك بوليوود، وهو معروف أيضًا بنشأته الفقيرة، ويمتع الجمهور في كثير من الأحيان بسرد قصص عن المصاعب التي تحمَّلها، بما في ذلك الاضطرار إلى النوم في شوارع مومباي أثناء سعيه لشق طريقه في التمثيل، وألهمت حكايات كفاحه ونجاحه ملايين الهنود، بمن فيهم المسلمون، وكذلك تفي مكانته المرموقة بوعد الهند بوصفها دولة علمانية وشاملة، حيث يمكن لأي شخص أن ينجح، بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو العقيدة.

لكن لدى اليمين الهندوسي تاريخ طويل في الاستياء من صعود المسلمين، وخاصة أولئك الذين يتحدُّون سياساتِهم الإقصائية، وهي مجموعة تضم خان، وفي عام 2015، تحدث خان ضد القتل غير المشروع للمسلمين على يد «الغوغاء الهندوس» بزعم تهريب أبقار لذبحها وأكل لحومها، ويُقدِّس عديد من الهندوس الأبقار وصرح خان لقناة «إن دي تي في» الإخبارية المحلية: «لقد أُعطيت أهمية كبيرة لعاداتنا في تناول اللحوم، كيف يمكن أن تكون العادات الغذائية للناس مشكلة؟ لقد بات التعصب الديني وغياب العلمانية في هذا البلد أسوأ نوع من الجرائم التي يرتكبها المواطن».

حكومة مودي واستهداف نجوم بوليوود

وأضافت الكاتبة أن هناك نمطًا من استياء اليمين المتطرف يركِّز على نجوم بوليوود، فقبل عام، اتُّهمت ممثلة بوليوود ديبيكا بادوكون بأنها جزء من شبكة مخدرات مشينة واستُدعِيت للتحقيق على يد مكتب مكافحة المخدرات الوطني الهندي، وفي عام 2019، انضمت ديبيكا إلى احتجاج طلابي ضد قانون الجنسية المثير للجدل المناهض للمسلمين الذي أقرَّته حكومة مودي.

Embed from Getty Images

وقد تكشف هذه القضايا عن «صلة بالمخدرات» في صناعة السينما، كما تدَّعي عدة شبكات إخبارية مؤيدة لمودي ولكن الليبراليين يشتبهون في أن خان وديبيكا قد عوقِبا بسبب حديثهما ضد كراهية الإسلام، والقضايا المرفوعة ضدهما تشكل جزءًا من حملة أكثر شراسة لتخويف المسلمين والليبراليين المرتبطين بصناعة السينما في الهند.

نمط ترهيب أوسع

وترى الكاتبة أن ما يتعرض له نجوم بوليوود جزء من نمط أوسع، فمنذ وصول مودي إلى السلطة، ألمحت الأقليات والليبراليون في جميع القطاعات المؤثرة في المجتمع إلى أنهم يتعرضون لضغوط ليقبلوا في صمت الأفكار التمييزية لليمين الهندوسي بشأن ما يجب أن تكون عليه الهند.

وفي البداية، اشتكى الصحافيون من الإكراه مع تزايد الضغوط المتعلقة بالرقابة الذاتية واستسلمت معظم الشبكات الإخبارية أو سارت على خيط رفيع، بينما أصبح بعض الشبكات الأخرى أبواقًا للسياسات الحكومية بلا خجل واستُهدفت بعد ذلك الجامعات ذات الميول اليسارية وتلك الجامعات التي تهيمن عليها الأقليات، وأضحت صناعة السينما والتلفزيون في الهند، التي توظف أكثر من مليون شخص ولديها معجبون في جميع أنحاء العالم، أحدث جهة تشعر بتلك الضغوط، وأصبحت الأفلام ونجوم السينما الآن في قلب ثورة ثقافية مصممة بهدف سحق المعارضة التي تقف ضد حكومة مودي وتغيير مسار الهند من مجتمع متنوع إلى مجتمع متجانس ثقافيًّا.

ولفتت الكاتبة إلى أن بوليوود كانت الحارس الواعي لبلد يبحر عبر خطوط صدع متعددة في آن واحد، وعلى الرغم من أنه كان عليها دائمًا أن تخطو بحذر لتجنب إغضاب القوى السياسة القائمة، كانت بوليوود مساحة علمانية عزَّزت التماسك بين المجتمعات ولعبت دورًا بنَّاءً في بناء مجتمع متسامح، ولكن على مدى السنوات القليلة الماضية، شعر الممثلون بالخوف من التعبير عن آرائهم فيما يتعلق بالقرارات السياسية المثيرة للجدل، وفقدت الصناعة مصداقيتها ومن ثم أصبحت وكرًا لمدمني المخدرات، وتتغير لغة السينما الهندية ببطء ولكن باطراد.

وكانت الأغاني مثل أغنية «الدين لا يعلم العداوة» تنشر أفكار التعايش لوقت طويل، وقد رسَّخت تلك الأغاني قيمة التعايش في أذهان أجيال من الهنود ولكن الآن، تتخلل الشوفينية الدينية الأغاني والقصص دون وخز للضمير.

Embed from Getty Images

ويبدو أن هناك هوسًا جديدًا بصنع أفلام عن الملوك الهندوس المحاربين الذين تحدوا الحكام المسلمين الذين يصوِّرونهم دومًا على أنهم أشرار، وهناك كثير من استعراض القوة واستخدام السيف أثناء تمجيد الآلهة الهندوسية كما لو كانت تلك الأعمال تستحضر، ليس فقط الفخر بالتراث الهندوسي، ولكن بشيء آخر، ربما الشعور بالتفوق.

توظيف السينما

وتنقل المجلة عن شوبرا جوبتا، الناقدة السينمائية وكاتبة العمود البارزة في صحيفة «إنديان إكسبرس»، قولها إن السينما الهندية كانت تعمل على الترويج لقيم «بيار وبهايشارا» أو «الحب والأخوة» في سنوات بناء الدولة الأولى بعد الاستقلال. لكن هذا الأمر يتغير بسرعة، وقالت شوبرا: «لا تعرف النزعة المحافظة والسلطة الأبوية والوضع الراهن حدودًا سياسية، وهذا هو نوع السينما الذي تُدفَع إليه صناعة السينما السائدة في الهند بلا هوادة».

وتابعت قائلة: «ونظرًا إلى الشعبية الجارفة، استخدمت جميع الحكومات على مر العقود صناعة السينما لنشر رسائلها لكن السينما تتعرض الآن لضغوط أكثر من أي وقت مضى للانصياع لخط قيادة الدولة، وذلك لأن النظام الحالي يفهم قوة الصورة بطريقة لم يسبق لها مثيل».

وقال راهول فوهرا، الممثل الهندي الذي عمل مع خان، إن محاميِّ الممثلين يدققون الآن في السيناريوهات حتى لا يُثيروا غضب الحكومة المركزية، مضيفًا أن «كل هذا يحدث عن عمد لتثبيت سردية مستحدثة بهدف محسوب لإعادة كتابة التاريخ»، وتابع قائلًا: «يخشى عديد من الممثلين التعبير عن آرائهم، ويؤمن كثيرون في الواقع بآراء الحكومة».

ويعتقد فوهرا، مثل كثيرين غيره، أن تهم المخدرات التي تطال بعض الممثلين ملفقة، خاصة وأن الأدلة المُقدَّمة حتى الآن ضعيفة، وقال: «أشعر بصدق أن هذه قصص مُعَدَّة بهدف محدد يتمثل في صرف الانتباه عن المشكلات التي تواجهها الحكومة»، في إشارة إلى الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد وارتفاع التضخم.

وبدأ الأمر بوفاة الممثل سوسانت سينج راجبوت في أوائل عام 2020، الذي زعم والداه أنه قُتل في حادث مدبر على الرغم من تأكيد تشريح الجثة على الانتحار، واتُّهِمت صديقة راجبوت، الممثلة ريا تشاكرابورتي، بتهمة تزويده بالمخدرات، وكانت ريا أول مَنْ ألقي القبض عليها بصفتها جزءًا من شبكة مخدرات مزعومة في الصناعة، وعلى الرغم من أنها كانت وجهًا جديدًا، فإن قضيتها مهدت الطريق للتدقيق في أخلاق نجوم السينما.

Embed from Getty Images

وأدت وفاة راجبوت أيضًا إلى نقاش حول المحسوبية المنتشرة في بوليوود، وكان ذلك بالتأكيد أمرًا جيدًا، ذلك أن الأفلام في الهند تدار مثل الشركات العائلية؛ إذ يبرز أبناء الممثلين والمخرجين أولًا بصفتهم نجوم الجيل القادم، ومع ذلك، هناك عديد من الفنانين من خارج تلك الحلقة والذين نجحوا في اقتحام الصناعة، والذين كان من بينهم خان. ومع ذلك، يبدو أن تركيز الأجهزة المركزية وغضب وسائل الإعلام والمتصيِّدين يقتصر على أولئك الذين لم يبدوا موافقة عامة لمركز السلطة في نيودلهي.

وقالت شوبرا: «السردية القائلة إن بوليوود تعج بالمحسوبية ومدمني المخدرات يُروَّج لها بقدر كبير من الحماسة»، مضيفة أن «أي شيء يخرج من تلك الصناعة يُلوث ما لم يرغب، بطبيعة الحال، في البقاء في الجانب الآمن مع أفلام عن الغزاة المسلمين الأشرار والملوك الهندوس الشجعان الذين يدافعون عن الإيمان والعقيدة».

وصناعة السينما الهندية منقسمة؛ فهناك ممثلون أذعنوا لحكومة مودي، وفي الأسبوع الماضي فقط، قال أحدهم إن الهند نالت حريتها في عام 2014 – العام الذي أصبح فيه مودي رئيسًا للوزراء، لكن آخرين يخشون أن المساحة المتاحة لهم ليكونوا فنانين حقيقيين وتحدي الأغلبية المتزايدة في البلاد تتقلص، وهم قلقون من أن تُحظر أفلامهم أو يُوصموا بقضايا مثل تلك التي يواجهها نجل خان وديبيكا.

وتختم الكاتبة تحليلها بتأكيد أن الأفلام الهندية تواجه مشكلات عدة، بما في ذلك قاموس قائم على التحيز الجنسي، ولكن التعصب ليس واحدًا منها، وإذا نجحت الحكومة الهندية في إسكات الفنانين، فلن يبقى أحد ليقدِّم للمجتمع نظرة موضوعية عن الذات، وآية ذلك أن كلًّا من خان وديبيكا أصبحا حذِرَيْن منذ ظهور هذه القضايا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد