يتبع رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي نهجًا تصالحيًا مع المنافسين، بينما يوفر قوته لمواجهة التحديات الداخلية، والتوتر مع الصين.

لأول مرة منذ عامين اجتمع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل أيام مع شخصيات سياسية بارزة في إقليم «جامو وكشمير» الواقع تحت سيطرة الهند، والمتنازع عليه مع باكستان. حضر الاجتماع 14 شخصًا، من بينهم أعضاء في حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم، الذي يتزعمه مودي، ورؤساء وزراء سابقين لـ«جامو وكشمير»، وممثلين عن أحزاب المعارضة.

في الموجز الأسبوعي الذي تصدره مجلة «فورين بوليسي» لمتابعة أبرز التطورات في منطقة جنوب آسيا، استعرض مايكل كوجلمان دلالات هذا التواصل بين مودي وقادة كشمير، الذين أكدوا له رفضهم إلغاء الوضع الخاص للمنطقة في عام 2019، فيما شدد رئيس الوزراء الهندي على أهمية الانتخابات التي ستجرى في المنطقة، داعيًا السياسيين إلى التعاون لإعادة تحديد الدوائر الانتخابية.

تغيير واسع النطاق في سياسة الهند

منذ قرابة عامين ألغى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المادة 370 من الدستور، والتي تمنح ولاية جامو وكشمير الهندية وضع الحكم الذاتي الخاص بها. عقب ذلك شنت الحكومة الهندية حملة واسعة النطاق، شملت قطع الإنترنت، واعتقال أعضاء المجتمع المدني، وكبار رجال الأعمال، وأبرز الشخصيات السياسية.

منذ ذلك الحين لم يُبدِ مودي اهتمامًا كثيرًا بتخفيف حدة موقفه تجاه المنطقة المتنازع عليها؛ وهذا بعينه ما يلفت الأنظار إلى قراره باستضافة اجتماع مع 14 من كبار القادة السياسيين الكشميريين الأسبوع الماضي.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تمثل تغييرًا في نهج مودي تجاه كشمير، فإنها قد تعكس أيضًا تحولًا في السياسة الهندية على نطاق أوسع، ينطوي على مد أغصان الزيتون إلى الخصوم في جميع أنحاء المنطقة.

ماذا وراء تواصل مودي بقادة كشمير؟

أفادت تقارير صحافية هندية بأن مودي ركز في الاجتماع على ضرورة إعادة تحديد الدوائر الانتخابية في كشمير استعدادًا للانتخابات المقبلة. ويقول بعض المراقبين إن تواصل مودي كان مدفوعًا برغبته في تعزيز الآفاق الانتخابية لحزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم هناك. ولكن قد يكون الغرض من هذا التواصل أيضًا تقليل التوترات؛ مما يمنح الهند مزيدًا من الفسحة لمعالجة المسائل المحلية الملحة، والتوتر الحدودي مع الصين.

لم تتعافَ الهند بعد من الموجة الثانية المدمرة لكوفيد-19، ويخشى الخبراء أن تضربها موجة ثالثة هذا الخريف. كما يحتاج الاقتصاد الهندي إلى الاهتمام بعدما تدهور خلال السنة المالية الماضية إلى مستوى متدنٍ لم تشهده البلاد منذ أربعة عقود.

Embed from Getty Images

وبعد أكثر من عام من الاشتباك الحدودي الدامي مع الصين في منطقة لاداخ المتنازع عليها لم تزل الهند تواجه تهديدًا مستمرًا على طول حدودها الشمالية، حيث نشرت 50 ألف جندي إضافي. حتى أن رئيس أركان الدفاع الهندي بيبين روات أشار مؤخرًا إلى أن الصين تشكل تهديدًا أكبر من باكستان.

إستراتيجية مودي التصالحية مع الخصوم الإقليميين

يرصد التقرير إرهاصات مبكرة أشارت إلى تبني مودي إستراتيجية تصالحية تجاه الخصوم الإقليميين لأول مرة في فبراير (شباط)، عندما وافقت الهند على وقف إطلاق نار جديد مع باكستان. كانت التوترات مع إسلام أباد خطيرة منذ فبراير 2019، عندما كان البلدان على شفا الحرب، وتفاقمت بعد إلغاء المادة 370. وفي عام 2020 شهدت حدودهما المتنازع عليها أكبر عدد من انتهاكات وقف إطلاق النار منذ عقدين.

قبل عدة أسابيع ذكرت وسائل إعلام محلية أن الهند سعت لفتح قناة اتصال مع حركة طالبان الأفغانية. وأكد دبلوماسي من قطر، والتي تستضيف مقر المكتب السياسي لطالبان، تلك التقارير هذا الأسبوع. استنادًا إلى هذه التطورات لا يستبعد التقرير أن تدرك الهند أن قوة طالبان ستزداد بعد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، إما من خلال تسوية سياسية، أو من خلال العمليات القتالية المتواصلة.

يرجح التقرير أن يؤدي تواصل الهند مع حركة طالبان إلى منح نيودلهي وضعًا أفضل لحث المتمردين على عدم استهداف المصالح والمواطنين الهنود. وإذا نجحت في ذلك فإن مد جسور التواصل مع طالبان يمكن أن يعزز قدرة الهند على تخفيف مخاوفها الأمنية في أفغانستان، وتمكينها مرة أخرى من التركيز على شؤونها الداخلية والتحدي الصيني.

عقبات في طريق الحل

يتابع التقرير: هذا النوع من التواصل مع المنافسين حساس وصعب. في حالة كشمير لن يؤدي تواصل مودي مع القادة المحليين إلا إلى القليل لتحقيق الاستقرار في المنطقة. (بعد عدة أيام من الاجتماع، ضربت طائرة بدون طيار قاعدة جوية هندية هناك). ومعظم الكشميريين، بمن فيهم القادة في الاجتماع، يرفضون إلغاء المادة 370 رفضًا قاطعًا. وينظر العديد من سكان المنطقة البالغ عددهم 8 ملايين نسمة إلى الهند كقوة محتلة، ولن ترضيهم أي انتخابات محتملة.

يخشى الكشميريون أيضًا من أن السياسات الجديدة التي بَشَّر بها إلغاء المادة 370، مثل: تقليل القيود على الاستثمار، وحيازة الأراضي في كشمير، يمكن أن تغير في النهاية التركيبة السكانية للمنطقة الهندية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة. ولم تصدر عن نيودلهي حتى الآن أية بادرة على أنها ستراجع هذه السياسات.

Embed from Getty Images

بالإضافة إلى ذلك كانت حكومة مودي انتقائية في اختيار الأسماء المدرجة على قائمة المدعويين لحضور الاجتماع، إذ دعت المزيد من القادة الودودين لنيودلهي، واستبعدت جبهة سياسية مؤيدة للانفصال تسمى «مؤتمر الحريات لجميع الأطراف». ورفضت الهند إشراك مؤتمر الحريات في أي حوار يتعلق بكشمير.

إلى متى ستظل «أغصان الزيتون» ممدودة؟

لكن بالنظر إلى الموقف المتشدد السابق لمودي بشأن المنطقة يلفت التقرير إلى الدلالة المهمة لهذا النهج الهندي الجديد الأكثر مرونة. وبالنظر إلى المستقبل فإن السؤال هو: إلى متى سيستمر رئيس الوزراء على هذا النهج؟

يقول العديد من المحللين: إن الخط المتشدد الذي سلكه مودي تجاه أعدائه أكسبه مزيدًا من القوة السياسية، وتَوَّجه بانتصار ساحق حين أعيد انتخابه في عام 2019. لكن مودي خسر بعض شعبيته، التي كثيرًا ما تباهى بها، بعد فشله في التصدي للموجة الثانية من كوفيد-19 في الهند. ويعلق الكاتب على ذلك في ختام تقريره قائلًا: «قد تذبل أغصان زيتونه بسرعة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد