في احتفال أقُيم في مدينة أيوديا، التي كانت إحدى بؤر العنف الطائفي في الماضي، قدم رئيس الوزراء الهندي إلى قاعدته القومية الهندوسية رمزًا واضحًا للهيمنة. 

في لحظة انتصار عمل القوميون الهندوس من أجلها لسنوات، وضع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، يوم الأربعاء الماضي، حجر الأساس الاحتفاليّ لمعبد هندوسي جديد، سيُبنى في موقع مسجد (بابري) المُدمر في مدينة أيوديا.

تحويل الهند «العلمانية» إلى الهندوسية

وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أن الهندوس والمسلمين اشتبكوا حول موقع أيوديا لعقود؛ ما أدى إلى اندلاع موجات من العنف الطائفي أسفرت عن مقتل الآلاف، ولفتت أن جلوس السيد مودي القرفصاء وترديده التراتيل أمام كاهن هندوسي يوم الأربعاء – كجزء من حفل وضع حجر الأساس للمعبد – كان بمثابة وفاء بالوعد الذي قطعه لقاعدته السياسية الهندوسية، وعلامة فارقة لا تخطئها العين في جهوده الرامية لتحويل الأسس العلمانية للهند نحو هوية هندوسية أكثر صراحة.

دولي

منذ 10 شهور
هدم «مسجد بابري» إرضاءً لميلاد الإله رام.. وجه الهند الجديد في عهد مودي

وأضافت الصحيفة – في تقرير كتبه رئيس مكتبها في جنوب آسيا جيفري جيتلمان، ومراسلها في الهند هاري كومار – أن ملايين الهنود شاهدوا الحفل على شاشات التلفزيون أو على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن التجمع في أيوديا نفسها كان أخفت صوتًا مما كان مخططًا له في الأساس، بسبب جائحة فيروس كورونا التي منعت تجمع الحشود. وقد اختار الكهنة الهندوس يوم الأربعاء، وتحديدًا الساعة 12:44 مساءً، باعتباره أكثر الأوقات المباركة – في معتقدهم – للبدء في بناء المعبد الجديد.

واحتل السيد مودي مركز الصدارة أمام عدسات التلفزيون، وأدى طقوسًا هندوسية، مثل: تقديم الماء المقدس ووضع علامة حمراء على جبهته، جنبًا إلى جنب مع بعض القوميين الهندوس الأكثر دفاعًا عن هذا التوجه في البلاد، ومن بينهم يوجي أديتياناث الراهب الهندوسي المثير للمشاكل والذي أصبح رئيس وزراء ولاية أوتار براديش، وموهان بهاجوات زعيم منظمة التطوع الوطنية (آر إس إس) الهندوسية المتطرفة، والتي ساعد أعضاؤها في هدم المسجد الذي كان يقع في أيوديا.

طموحات مودي تصطدم بالواقع

أعلن مودي أن «الانتظار الذي استمر لقرون يقترب من نهايته». لكن الصحيفة الأمريكية أشارت إلى أن لحظة انتصار السيد مودي تصطدم بواقع أليم، يتمثل في الضربة القوية التي وجهها فيروس كورونا للهند؛ ما أدى إلى تزايد أعداد المصابين بالعدوى في البلاد أكثر من أي دولة أخرى باستثناء الولايات المتحدة والبرازيل.

وأوضحت أن الفيروس لا يفرق بين الطبقات السياسية في الهند، حتى أنه أصاب بعض المقربين من مودي. ففي الأيام القليلة الماضية، أصيب كلًا من وزير النفط دارمندرا برادهان، ووزير الداخلية أميت شاه – الذي يعتبر على نطاق واسع ثاني أقوى شخص في الهند بعد مودي – بفيروس كورونا ونُقلا إلى المستشفى، كما أصيب العديد من كبار السياسيين الآخرين بالمرض.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن الاقتصاد سقط في بئر عميقة، إذ يتوقع الاقتصاديون أن يكون أكثر من 100 مليون هندي فقدوا وظائفهم أو يواجهون خطر فقدانها. ومع إغلاق المصانع وبقاء الناس في منازلهم بموجب قواعد الإغلاق التي فُرضت بسبب فيروس كورونا، والتي لا يزال بعضها قائمًا، غادر عشرات الملايين من العمال المدن عائدين إلى الريف، في رحلات مضنية، آملين في الاعتماد على أسرهم الريفية للبقاء على قيد الحياة.

وتوقع بعض الاقتصاديين أن ينكمش الاقتصاد الهندي الذي كان مزدهرًا ذات يوم بنحو 10%؛ مما يدفع بملايين الأشخاص إلى العودة إلى مستنقع الفقر.

هيمنة كاملة

وأوضحت الصحيفة أن الحفل الذي أقامه مودي في أيوديا، وسط هذه الظروف، كان بمثابة إلهاء أسر عقول العديد من الهندوس الهنود. واعتبرت المعلقة السياسية أراتي جيراث، أنه يرمز إلى «هيمنة السيد مودي الكاملة على الهند»، مضيفة أن القصد هو أن يُظهر مودي أنه وحزبه «يبنيان أمة هندوسية، وأن الهند دولة ذات أغلبية هندوسية، وليست الهند النهروية (إشارة إلى الزعيم التاريخي جواهر لال نهرو) العلمانية التي عرفناها طيلة الأعوام السبعين الماضية».

Embed from Getty Images

وطوال الأسبوع، كان المسؤولون الحكوميون يجهزون الموقع، إذ قام رجال الإطفاء برش شوارع أيوديا بالمطهرات، كما كانت الأعلام الملونة بلون الزعفران – اللون المقدس في الهندوسية – ترفرف فوق أسطح المنازل القريبة، وطلُيِت المنازل الواقعة حول مكان المعبد على عجل بطبقة جديدة من الطلاء، وحدد ضباط الأمن المكان الذي سيطير إليه السيد مودي بطائرة هليكوبتر عسكرية.

تاريخ من التحيزات ضد المسلمين

وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن الاحتفال الذي أقيم يوم 5 أغسطس (آب) يتزامن مع الذكرى السنوية للتحرك الذي قام به مودي بشأن كشمير، معتبرة أنها كانت هدية سياسية أخرى قدمها للقوميين الهندوس. وأوضحت أن حكومة مودي أعلنت فجأة في 5 أغسطس 2019 أنها ستنهي الوضع الخاص بولاية جامو وكشمير – وهي الولاية الهندية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة – وستقسم الإقليم وتحوله إلى جيب فيدرالي.

وقد رأى الكشميريون في ذلك خيانة لعقود من السياسة التي سمحت لكشمير بدرجة معينة من الحكم الذاتي، وألقي القبض على آلاف الكشميريين واعتقلوا، ولا يزال بعض الزعماء الكشميريين رهن الاحتجاز.

وبعد بضعة أشهر، أقرت حكومة مودي قانون المواطنة الذي ينطوي على تمييز صارخ ضد المسلمين. وتبين أن هذا القانون مثير للانقسام بشكل لا يصدق، إذ تسبب في اندلاع احتجاجات في جميع أنحاء البلاد شكلت التحدي الأكبر حتى الآن لأجندة السيد مودي ووضعته لأول مرة في موقف دفاعي.

وفي ضوء ذلك، يُنظر إلى مشاركة مودي في احتفالية أيوديا باعتبارها خطوة أخرى حاسمة نحو تشكيل دولة هندية تفضل رسميًا الأغلبية الهندوسية، التي تمثل حوالي 80% من سكان البلاد بينما يمثل المسلمون 14%.

ديمقراطية الأغلبية المتشددة

وفي عموده المنشور هذا الأسبوع في صحيفة «إنديان إكسبرس» – التي تُعد إحدى الصحف التقدمية الرائدة في الهند – قال الكاتب الصحفي سوهاس بالشيكار، إن «الأشهر الخمسة عشر الماضية شهدت تحركًا أكثر منهجية وقسوة نحو إعادة صياغة الدستور، إيذانًا بوضع قواعد جديدة لسلطة الدولة»، مضيفًا أن «الجمهورية الجديدة تقوم على ثقافة الأغلبية المتشددة».

Embed from Getty Images

وأوضحت الصحيفة أن الجالية المسلمة في الهند ظلت صامتة في الغالب تجاه أيوديا، وتقبلت الهزيمة، بعدما أعطت المحكمة العليا في الهند الضوء الأخضر، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لبناء معبد هندوسي في الموقع الذي كان يتواجد فيه المسجد قبل أن يدمره المتدينون الهندوس عام 1992 بمطارق ثقيلة وأياديهم العارية. 

ولفتت الصحيفة إلى أن حزب مودي يسعى لبناء المعبد باعتباره «خطوة رئيسة على طريق ترسيخ الهند كدولة هندوسية صريحة، ومحو قرون من القمع على يد الإمبراطورية المغولية المسلمة والمستعمرين البريطانيين». ورأي العديد من المحللين المستقلين أن قرار المحكمة العليا يُعد بمثابة استسلام للسياسات القائمة على حكم الأغلبية التي يتبعها السيد مودي وحزب بهاراتيا جاناتا الذي يتزعمه.

خلاف تاريخي على موقع «مقدس»

وأوضحت الصحيفة أن العديد من الهندوس يعتقدون أن الموقع المتنازع عليه كان مسقط رأس إلههم المبجل رام، وأن معبدًا سابقًا لرام هُدم أثناء الحكم المغولي لبناء المسجد، وظلت القضية تدور أمام المحاكم الهندية منذ خمسينات القرن الماضي.

وتسبب تدمير المتعصبين الهندوس لمسجد بابُري عام 1992 في أعمال شغب في جميع أنحاء البلاد، أسفرت عن مقتل نحو ألفي شخص، واستمرت موجات صدمة أيوديا لسنوات، كما أن المذابح الدينية واسعة النطاق التي وقعت في غوجارات عام 2002 كانت مرتبطة أيضًا بأيوديا.

وعلى أنقاض المسجد، أقام الهندوس خيمة تشبه المعبد، وقبل أن ينتشر فيروس كورونا، زارها عدد لا يحصى من السياح. وعندما وصلت القضية إلى المحكمة العليا في عام 2010، مُنح الإله رام صفة قانونية، وهو ما وضع الإله الأكثر تقديسًا عند الهندوس في مواجهة محرجة ضد الأحزاب الإسلامية في الدعوى.

Embed from Getty Images

وبني المسجد الذي كان قائمًا في هذا الموقع خلال القرن السادس عشر أثناء الحكم المغولي، وهي الفترة التي يشعر العديد من الهندوس اليمنيين بمرارة إزاءها، إذ يرون فيها خضوعًا للاحتلال الإسلامي. وعلى الرغم من أن المعالم الأثرية مثل تاج محل – الذي بُني أيضًا في عهد المغول – تُعد من أشهر المواقع في الهند، إلا أن المتشددين الهندوس يرونها بمثابة شهادات على الاضطهاد في الماضي.

وأوضحت الصحيفة الأمريكية أن الخطة تقضي ببناء معبد حجري واسع في أيوديا، على منصة مرتفعة ذات أبراج متعددة، وأعمدة، وقباب، والعديد من النقوش المتداخلة. وعلى الرغم من عدم وجود معاول أو جرافات ظاهرة للعيان في مراسم وضع حجر الأساس التي أقيمت يوم الأربعاء، إلا أن أطقم البناء بدأت بالفعل في تطهير الأرض.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد