قال علي شهابي في مقال له على موقع مجلة «فورين بوليسي» إنه لا بديل أمام الولايات المتحدة سوى التعامل مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إذا أرادت الحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع المملكة.

وأوضح شهابي أنه في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 2018، قُتل الصحافي السعودي في صحيفة «واشنطن بوست» جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول. وردًا على الجريمة، حث سياسيون الولايات المتحدة وحلفاءها على تحميل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان المسؤولية عنها. كتبت سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي السابقة، في صحيفة نيويورك تايمز تعليقًا على ما جرى: «يجب أن تسعى الولايات المتحدة، بالتعاون مع حلفائنا، إلى تهميش ولي العهد من أجل زيادة الضغط على العائلة المالكة لإيجاد بديل أكثر انضباطًا».

ماذا يمكن أن يحدث للسعودية إذا قررت أمريكا التخلّي عنها؟

وفي الوقت نفسه، كانت هيئة تحرير واشنطن بوست متفائلة بنجاح هذه الاستراتيجية. كتبت هيئة التحرير في الصحيفة: «لا يزال من الممكن جدًا معاقبة وتجنّب بن سلمان، مع الحفاظ على العلاقات مع السعودية. ففي نهاية المطاف، لا يمكن للعائلة المالكة السعودية أن تتحمل وتسمح بتدمير العلاقات مع الولايات المتحدة». بل ذهب السيناتور الأمريكي كريس مورفي إلى أبعد من ذلك، عندما حذر إدارة ترامب من أنه «يجب أن يعيدوا توجيه سياستهم بسرعة تجاه المملكة العربية السعودية وإلا فإن الكونجرس سيفعل ذلك بدلاً عنهم».

ويرى شهابي أنه لا شك في أن مقتل خاشقجي كان جريمة من تدبير السعودية. لكن فكرة أن الولايات المتحدة تستطيع أن تفصل المملكة بطريقة سحرية عن ولي عهدها فكرة خيالية. إذا بقي محمد بن سلمان، فلن تتمكن واشنطن من تهميشه دون الإضرار بمصالحها الحيوية.

كان الملك سلمان قد اتخذ خطوة كبيرة بتعيين محمد بن سلمان وليًا للعهد في عام 2017. لقد فضّل ابنه ليس فقط على العديد من المرشحين الآخرين في الجيل الثاني والثالث من عائلة آل سعود، ولكن أيضًا على ثلاثة من إخوته الأكبر سنًا، جميعهم لديهم سيرة ذاتية مثيرة للإعجاب. ولم يكن من السهل على الملك، وهو ممارس محنك للسياسة منذ أوائل الخمسينيات، اتخاذ هذا القرار. فجميع التعيينات السابقة اتبعت نمطًا واضحًا يعتمد على العمر والأقدمية بين أبناء مؤسس البلاد. وبعد أن اتخذ خطوة هامة في خرق هذا النظام، سيكون من غير المعقول أن يغير الملك رأيه. إن القيام بذلك سيعيد فتح مربع الخلافة بين الأجيال، وهو ما من شأنه زعزعة استقرار النظام الملكي بأكمله.

ولم يهدر ولي العهد وقتًا في إثبات رغبته في الحكم -يشير شهابي- فمنذ تعيينه وليًا للعهد، تحرك بسرعة لتوطيد سلطته من خلال وضع أجهزة الأمن الداخلي الأكثر أهمية، بما في ذلك جهاز المخابرات المحلي والقوات الخاصة، تحت سيطرته المباشرة. في الماضي، كانت هذه الكيانات موزعة على العديد من الشخصيات الملكية. كما قام محمد بن سلمان أيضًا بتعيين شخص موالٍ له رئيسًا للحرس الوطني وعين أخاه مؤخرًا نائبًا لوزير الدفاع، مما يمنحه سيطرة فعلية على جميع المؤسسات الأمنية في المملكة. وفي الوقت نفسه، استبدل حلفاء مقربين بالعديد من أمراء المدن. إن سيطرته على جزء كبير من الدولة السعودية يعني أنه سيكون من المستحيل عمليًا لأي فصيل داخل العائلة المالكة أن يتحرك ضده، حتى لو هددته الولايات المتحدة بقطع العلاقات. علاوة على ذلك، خلال أوقات الأزمات، تصطف العائلة المالكة خلف العرش.

وهكذا، فإن اعتلاء ولي العهد العرش مجرد مسألة وقت، يشدد شهابي. وقد يتقاطع مستقبله ومستقبل السعودية بشكل لا ينفصل. ونظرًا لأن المملكة حليف مهم للولايات المتحدة من حيث تنظيم أسواق الطاقة العالمية، والتعاون الأمني، ومكافحة التوسع الإيراني، فإن التخلص من محمد بن سلمان لن يخدم على الأرجح المصالح الأمريكية.

على كل حال، على الرغم من الشائعات عن فظاعة ولي العهد «وصف المسؤولان السابقان في وزارة الخارجية آرون ديفيد ميلر وريتشارد سوكولسكي بن سلمان بأنه زعيم لا يرحم ومتهور ومندفع»، فإن بعض التغييرات التي أدخلها على بلده تصب في صالح الولايات المتحدة. ليس أقلها جهوده الرامية إلى تقليص التأثير الديني الوهابي بشكل كبير في السعودية من خلال احتجاز العشرات من رجال الدين المتطرفين والحد بشكل كبير من قوة الشرطة الدينية وتمكين المرأة السعودية من خلال دمجها بشكل أفضل في القوى العاملة.

وعلى الرغم من اعتقاد الكثيرين في الغرب أن بن سلمان ارتكب أخطاءً فادحة -بما في ذلك التورط في حرب اليمن، وحصار قطر، واحتجاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وسجن وتعذيب نشطاء حقوق المرأة، واحتجاز السياسيين السعوديين والنخب المالية، والنزاع الدبلوماسي مع كندا- إلا أن المملكة استخدمت أيضًا نفوذها الدبلوماسي والمالي الكبير لدعم السياسات الأمريكية الرئيسية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وتشمل هذه الجهود عملية السلام في الشرق الأوسط وإعادة الإعمار في العراق وشمال شرق سوريا.

لا يجب أن تنسى الولايات المتحدة أن محمد بن سلمان ما يزال شابًا -يضيف شهابي- فهو يبلغ من العمر 33 عامًا، وهو ما يجعله أقرب لتلبية احتياجات ورغبات وآمال بلد تبلغ فيه نسبة السكان الذين تقل أعمارهم عن 35 عامًا عن 70%. يتميز الشباب بالجرأة وزيادة الرغبة في المخاطرة، وهي الصفات الأساسية لدى القائد الذي يحاول إحداث نوع من التحول الاجتماعي والاقتصادي الكلي الذي تحتاجه المملكة.

ولكن الشباب أيضًا تنقصهم الخبرة، وهو أمر ينبغي على منحنى التعلم الحاد الذي خضع له محمد بن سلمان أن يخففه في النهاية، كما ينبغي أن تخضع جميع المقترحات المقدمة من ولي العهد للمراجعة المؤسسية المناسبة. وفي نهاية المطاف، ينبغي أن يكون للسعودية سياسة خارجية أكثر حكمة وعمقًا في المستقبل.

قد يبدو توبيخ السعودية طريقة خالية من التكلفة للسياسيين والنقاد الأمريكيين -يختتم شهابي بالقول- «والإشارة إلى استنكار رئيس الولايات المتحدة الذي حافظ على علاقات حميمة مع العائلة المالكة». ولكن ستكون هناك تكاليف إذا همشت الولايات المتحدة أحد حلفائها القدامى. إن لدى أمريكا مصالح حاسمة مع المملكة وحصة حيوية في مستقبل المنطقة. لذلك يجب عليها إشراك القيادة السعودية بدلاً من تجنبها دون التوهم بقدرتها على اختيار من يصعد إلى العرش. قد يبدو ذلك صعبًا في أعقاب اغتيال خاشقجي. لكن استعداء ملك السعودية المستقبليّ بدلاً من توجيهه، والذي قد تستمر فترة حكمه 50 عامًا، ليست سياسة ذكية.

كم يجب أن تدفع السعودية لترامب حتى يرضى؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد