بعد نصف قرنٍ حكم فيها المملكة العربية السعودية أبناء الملك «عبد العزيز آل سعود»، اتّسمت بالخطوات الحريصة والمتأنّية، حفاظًا على استقرار الأوضاع في المملكة، يبدو أن الأمور في طريقها إلى التغيّر. حيثٌ قام الملك «سلمان بن عبد العزيز»، بتنصيب ابنه، «محمد بن سلمان»، وليًّا لولي العهد، ووزيرًا للدفاع، ورئيسًا لمجلس الشئون الاقتصادية والتنموية.

يتطلع «بن سلمان»، ابن الثلاثين عامًا، إلى تغييرات جذرية في المملكة، وهو ما يثير قلق الكثيرين من أنصار الوضع الحالي والراغبين في الاستقرار. تستعرض «كارين إليوت»، في مقالٍ بجريدة «وول ستريت جورنال»، رؤية «محمد بن سلمان» الثورية للمملكة، والتفاعُل المتوقّع معها داخل المملكة.

«السعودية 2030»

بعد عام من توليه منصبه، عرض «محمد بن سلمان» خطته التي يسعى لتنفيذها بالمملكة، تحت عنوان «رؤية السعودية 2030». تضمنت الخطّة عدة محاور، أهمّها تقليل اعتماد اقتصاد المملكة على النفط، وخصخصة الاقتصاد، وتعزيز استقلالية المواطن السعودي واعتماده على نفسه بدلًا من الحكومة، وتوفير مزيد من فرص العمل للشباب، وتمكين المرأة من العمل، وفرض الضرائب للمرة الأولى في المملكة، وتشجيع الإسلام المُتحضّر، بل وإجازة بعض أشكال الترفيه العامّة.

في المؤتمر الذي أعلن فيه خطّته، أواخر أبريل (نيسان)، قال «بن سلمان» أنّ طموحه ليس «تعويض النقص في المداخيل فقط، أو المحافظة على المكتسبات والمنجزات. ولكن طموحنا أن نبني وطنًا أكثر ازدهارًا يجد فيه كل مواطن ما يتمناه»، مضيفًا أنه لا يهتمّ لانخفاض أسعار براميل النفط، فهي «ليست معركته»، على حدّ قوله.

أعمِدة الدولة السعودية الحديثة تهتزّ

يرى المقال أن الدولة السعودية الحديثة قد قامت، منذ نشأتها عام 1932، على أعمدةٍ ثلاثة: آل سعود، والمؤسسة الدينية الوهابية، وأموال النفط التي ضمنت الولاء. ورؤية «بن سلمان الجديدة» تهزّ اثنين من هذه الأعمدة بعنف؛ فسعي «بن سلمان» إلى تبني المملكة إسلامًا «أكثر اعتدالًا» يصطدم بالتأكيد مع الفلسفة الدينية الوهّابية. أيضًا فإن عدم الاكتراث لأسعار النفط يعني تحوّلًا جذريًا في السياسات الاقتصادية للمملكة، التي اعتمد اقتصادها لأكثر من 50 عامًا، على النفط بنسبة 90%، في بلدٍ لم يتغيّر فيه منذ أجيال إلا القليل.

وفقًا للمقال، لا يبدو «بن سلمان» غافلًا عن مخاطر مثل هذه الرؤية، لكنّه مُدركٌ أيضًا لمخاطر استمرار الوضع الحالي، خاصّة مع تراجع أسعار النفط، وارتفاع معدّلات البطالة، والتهديدات المتصاعدة من قِبل إيران وتنظيم الدولة الإسلامية.

توازنات القوى في المملكة

ينبّه المقال إلى كون السعودية دولة بعيدة عن الديمقراطية، وبالتالي فإن «رؤية السعودية 2030» لن تخضع لاستفتاءٍ عام. لكن، إن كان لرؤية «بن سلمان» أن تجد طريقها إلى التنفيذ، فهناك 3 جماعات سيكونُ لآرائها بالغ الأهمية.

الأولى، بالطبع، هي النُخب الملكية والدينية. العديد من أفراد العائلة المالكة يساورهم القلق حول رؤية «بن سلمان»، حيثُ يخشى أُمراء «آل سعود» مما قد ينتج عن هذه التغيّرات من زعزعة لاستقرار المملكة، ومساسٍ بامتيازاتهم. والكثير منهم ساخطون على السلطات الواسعة التي منحها الملك «سلمان» لابنه الشاب. يتوقّع المقال أنّه في حالة وفاة الملك قبل أن يتمكّن من تسمية ابنه وليًا للعهد، فإن «محمد بن نايف»، خليفة «سلمان»، سيقصي «محمد بن سلمان» عن السلطة، ومعه، بالطبع، رؤيته التي انتوى تنفيذَها.

الثانية تضمّ أصحاب النفوذ، من الأمراء ورجال الأعمال والحكومة. يدعم هؤلاء بعض أفكار «بن سلمان»، لكن فشل العديد من الخطط الإصلاحية – الأقلّ طموحًا بكثير – يثير بداخلهم الشكّ في إمكانية تحويل مثل هذه الرؤية الثورية إلى خطط فعالة، ناهيك عن تنفيذها. ينتظر هؤلاء خطط «بن سلمان»، الذي بدأ بالفعل في تغيير الوزراء، وإعادة تشكيل الوزارات، تهيئةً لتنفيذ رؤيته.

أمّا الثالثة، فتتمثّل في الشباب السعودي، الذي يمثّل غالبية شعب المملكة (70%). يتملّك الكثير منهم الغضب والرغبة في التغيير، خاصة مع تفشّي البطالة بينهم. بعضهم يريد مجتمعًا أكثر انفتاحًا وتحضرًا، وبعضهم يرغب في عودةِ السعودية إلى جذورها الوهابية، والتوقّف عن الانصياع للقوى الغربية. تلقى رؤية «بن سلمان» رواجها في أوساط الشباب الذين يحبّون جرأته، وطاقته، وتخلّيه عن الرسمية.

ينبّه المقال إلى أن المواطنين السعوديين عامّة نشؤوا على الإيمان بالمركّب المجتمعي السعودي الفريد، الذي يمنحهم الأمان والرخاء في مُقابل الولاء، يتساءل المقال عمّا يُمكن أن يحدث حين تُلقَى مسئولية تحقيق رفاهية المجتمع السعودي على المواطن، وكيف يمكن أن يؤثر هذا على ولائه للعائلة المالكة.

«بن سلمان» يضغط في اتجاه تنفيذ رؤيته بالرغم من المعارضة المحتملة. يذكّر المقال بجده، «عبد العزيز بن سعود»، الذي حارب 30 عامًا من أجل إخضاع مراكز القوى المتناحرة في المملكة، وإعادة السُلطة لآل «سعود»، وأسس الدولة السعودية الثالثة، قبل 80 عامًا. ليس التحدّي الذي يواجه «بن سلمان» الآن أقلّ سهولة، وربّما يتطلّب الأمر 30 عامًا أخرى، ليؤسس الدولة السعودية التي يراها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد