عندما يسافر الملك محمد السادس إلى الخارج، يبحث المغاربة عن الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي، وليس على وكالة الأنباء الرسمية في المملكة.

لدى العاهل المغربي الملك محمد السادس حضور ضئيل أثناء وجوده في بلده. لكن مع ولعه بالتقاط الصور أثناء رحلاته، فهو يزود المعلومات الشحيحة التي تصدر عن القصر الملكي، ويتحين الفرصة لالتقاط الصور مع المغاربة العاديين في الخارج، والفنانين المشهورين الذين يلتقي بهم.

على هذا النحو، علم المغاربة في أواخر فبراير (شباط) الماضي أن ملكهم خضع لعملية جراحية في باريس بسبب عدم انتظام ضربات القلب. بعد أسابيع بدون أخبار، ظهرت صورة على فيسبوك تظهر الملك في سرير المستشفى، محاطًا بأبنائه وأشقائه.

لوحظ غياب زوجة الملك، الأميرة للّا سلمى بشكل ملحوظ. في الوقت نفسه تقريبًا، أطلق مدون معروف حملة تشهير ضد السيدة الأولى، وانتقدها لأنها «تثير الانتقادات بين أفراد العائلة المالكة، والدائرة الداخلية وموظفي البلاط الملكي». وخلصت المدونة إلى أن غيابها في صورة المستشفى كان على الأرجح «نتيجة» لخلافات زوجية.

في 21 مارس (آذار) الماضي، وهو يوم ذكرى زواج الزوجين الملكيين، ذكرت المجلة الإسبانية «هولا»، نقلًا عن مصادر قريبة من القصر الملكي، أن «محمد السادس طلق الأميرة للا سلمى»، وهي الأنباء التي شكك فيها العديد من المغاربة بالطبع. تم نشر الخبر على نطاق واسع في الصحافة الإسبانية، ولكن تجاهلته إلى حد كبير وسائل الإعلام المغربية. وكتب علي عمار، الصحافي المغربي ورئيس تحرير موقع «Le Desk» المستقل، أن القصة أصابت الصحافة المغربية بالجمود.

وقال عمار: «إن الحجة التي طرحتها وسائل الإعلام الأخرى على نحو خاص لتبرير صمتها، أن القصة لم تكن جديرة بالنشر، أو أنها كانت انتهاكًا لخصوصية الملك، كانت في الواقع غطاءً سيئًا لخوفهم من غضب القوى التي تنتهج سياقًا صارمًا لا يمكن التنبؤ به بالنسبة لحرية الصحافة، في وقت باتت فيه الرقابة الذاتية التي يجري ممارستها على نطاق واسع، هي القاعدة المقبولة».

ولم يتم بعد تأكيد الطلاق رسميًّا. كما لم يستجب القصر الملكي لطلب موقع «ميدل إيست آي» للتعليق.

بين مدينة باريس وبلدة بيتز

كان الملك في باريس منذ أن أجرى العملية الجراحية، ووفقًا لما ذكرته صحيفة «Maghreb Confidentiel» فقد ألغى عودته إلى الرباط مرتين في 16 مارس، ثم في 23 مارس.

وفيما بدا أنها محاولة لدحض الشائعات التي تم تداولها عن سوء حالته الصحية، نشر الملك مجموعة جديدة من الصور الشخصية مع المغاربة الذين يقيمون في الخارج، وبعض الشخصيات العامة، ومن بينهم الحاخام الإسرائيلي غولدبرغ، ومغني الراب ميتغ غيمس، والممثل الكوميدي جمال دبوز، وهما فنانان يتردد أنهما مقربان من الملك.

وكان غيمس قد نشر تعليقًا على إحدى الصور قائلًا: «مع الملك، وهو يبدو في حالة ممتازة». وكان ما كتبه بمثابة الإجابة عن السؤال الذي كان يدور في أذهان المغاربة عدة أسابيع. عادة ما يتم نشر الصور على صفحة فيسبوك التي يديرها سفيان البحري، وهو شاب غامض يدعي أنه يتلقى الصور من الأشخاص الذين يظهر معهم الملك، على الرغم من أنه في جميع الاحتمالات يرسلهم إليه ملحق القصر الملكي.

وقال الصحافي والمحلل السياسي المغربي عمر بروكسى لـ«ميدل إيست آي»: «تُختار الصور بحكمة لنقل رسالة محددة». وأضاف: «الصورة التي نرى فيها الملك في المستشفى، محاطًا بأفراد العائلة، تعبر عن رسالة التقارب والشفافية: الملك ليس في فرنسا من أجل المتعة ولكن للمخاوف الصحية، وهو يريد إبقاء رعاياه المحبوبين على اطلاع». واستطرد: «فيما ترسل الصورة التي نرى فيها الملك مع حاخام في كنيس يهودي، مرة أخرى في باريس، ترسل رسالة تسامح، وتؤكد مكانته زعيمًا للمؤمنين، سواء كانوا مسلمين أو يهودًا».

وقال بروكسي إن الأسباب وراء بعض حالات الغياب المتكررة للملك محمد السادس، هي شخصية بشكل قاطع، رغم أننا نعلم أن الملك يتلقى العلاج على يد أطباء فرنسيين في مستشفيات باريسية، أو في المستشفيات العامة. وربما يشير ذلك إلى إيمان العاهل المغربي بـ«رعاياه وخاصة الأطباء والمستشفيات في المملكة المغربية».

وأضاف بروكسي: «يمتلك الملك ثقافة فرنسية (كانت أول مربية له فرنسية)، ويشعر أنه في وطنه عندما يكون في فرنسا، إذ ينزل في قلعة شاتو دي بيتز، وفي قصره الخاص في الدائرة السابعة بباريس».

وفي الأوقات التي يكون فيها العاهل المغربي في فرنسا، ولكن ليس في العاصمة باريس، فإنه يقيم في بلدة بيتز، في العقار الضخم الذي اشتراه والده الملك الحسن الثاني عام 1972. وقد انعكست إقامته في وجهته المفضلة على النشاط في البلدة، وخاصة فيما يتعلق بالمشاريع التجارية المحلية التي تقدر إنفاقه ببذخ. لكن الملك أيضًا لا يتقيد بقدر ما ينفقه من دفتر الشيكات الخاص به، فهو يقدم تمويلًا لكنيسة أو لمركز مجتمعي أو لنادي كرة قدم محلي.

وقالت مجلة «Le Point»: «على مدى السنوات العديدة الماضية، تم دعوة 15 طفلًا من المدينة والمنطقة إلى المغرب لاكتشاف البلاد». «الشباب والقليلون ممن حالفهم الحظ، الذين يشرف عليهم قادة النشاط، يقيمون في الفنادق الفاخرة، مثل الفنادق في أغادير، حيث يتم منحهم مجموعة من الأنشطة مثل التزلج على الماء، أو الرحلات على ظهر الجمال. يمنح الملك 500 يورو للمصاريف الشخصية لكل طفل وألف يورو لكل من قادة النشاط».

«الحق في التغيب»

وعلى الرغم من أنه نادرًا ما يتم الإشارة إليه في الصحافة المغربية، إلا أن تغيب الملك يحظى بانتقادات متكررة على وسائل التواصل الاجتماعي، وسبب «إنذارًا خافتًا» بين حاشيته ودائرته الدبلوماسية، كما كتب الصحافي الإسباني إغناسيو كيمبرو في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

إنهم قلقون بشأن «استقرار المغرب بسبب الغياب غير الرسمي المتكرر للملك دون تقديم أي تفسيرات للممثلين الأوروبيين». ويتساءل: «هل يمكن أن تكون ممارسة السلطة اليومية تفوق طاقة الملك محمد السادس؟ هل يشعر في كثير من الأحيان بالحاجة إلى المزيد من الحرية في الأراضي الأجنبية؟».

وكان الصحافي المغربي علي أنوزلا قد طرح أسئلة مماثلة في عام 2013. «هل يحق لمحمد السادس، بكل ألقابه الملكية، أن يكون غائبًا في كثير من الأحيان ولفترة طويلة دون أن يعلن حتى عن التواريخ ومدة رحلاته؟».

وقال الصحافي عمر بروكسي: «إن التساؤل حول غياب الملك محمد السادس وإقامته المتكررة في الخارج، ولا سيما في فرنسا، ليس انتهاكًا لحياة الملك الخاصة. إنها ظاهرة غريبة في أعلى مستويات السلطة السياسية –الملكية– وهي بلا شك تؤثر في صورة السلطة وممارستها في المغرب. من المشروع تمامًا أن يقوم المراقبون والمواطنون بتحليلها والتعليق عليها بحرية».

والحقيقة هي أنه على الرغم من اعتماد دستور جديد في عام 2011، والذي وسع سلطات رئيس مجلس الوزراء، إلا أن معظم السلطة لا تزال في يد الملك.

وقال بروكسي: «القوة السياسية فى المغرب –القوة الحقيقية وليس قوة الدمية سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة– كما هو الحال فى أي نظام استبدادي ومطلق، مرتبطة بالشخص وحتى بمزاج الشخص الذي يتمتع بها». وأضاف: «هذا ما يعنيه الدستوريون بـ(السلطة الشخصية)، لأنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالفرد الذي يمتلكها، وفي هذه الحالة الملك محمد السادس».

لذا، قال بروكسي، إن غياب الملك «يؤثر تأثيرًا مباشرًا في ممارسة السلطة لأن الناس يسألون أنفسهم، بشكل غريزي تقريبًا، إذا لم يكن الملك هنا إذن، فمن يتولى السلطة؟ ومن يقود البلد؟ ومن يتولى مسئولية اتخاذ القرار؟».

وقال إنه وعلى الصعيد الأمني، فإن الملك يحظى بدعم عبد اللطيف حموشي، المسؤول عن مؤسسات الأمن المختلفة في المملكة. وسويًا، كانا يتعاملان مع الاضطرابات الاجتماعية في الريف وجرادة، وتبنيا نهجًا عقابيًا صارمًا بمساعدة النظام القضائي غير المستقل.

في الوقت الذي يواصل فيه محمد السادس إقامته المطولة في فرنسا، يعاني المغرب من وضع صعب بشكل متزايد. هناك عدد متزايد من الحركات الاحتجاجية في الحسيمة وجرادة، تمثل تحديًا للملك وسياسة النمو الاقتصادي الحالية في البلاد، التي اعترف هو نفسه بأنها فشلت، ناهيك عن التأجيل المتكرر لزيارات رؤساء الدول الأجنبية، بما في ذلك ملك إسبانيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد