أتوا من الأحياء الفقيرة من الطبقة الدنيا في هذه المدينة، الأزقة والأروقة البسيطة من المدرسة الدينية في مدينة النجف المقدسة لدى الشيعة، والمراكز الخارجية في الريف الجنوبي.

 

لوحوا بالأعلام العراقية وطالبوا بالتغيير. الحشد عبأ ميدان التحرير في بغداد صباح يوم الجمعة، عشرات الآلاف رددوا هتافات ضد الفساد وإجراء إصلاحات حاسمة في كيفية التعاطي مع السياسة هنا، كما كانوا ينتظرون رجلهم أن يظهر.

 

“لا، لا للصوص! نعم، نعم للإصلاحات!”

 

ثم صعد مقتدى الصدر، رجل الدين والسياسي الذي قاد الشارع الشيعي العراقي بطريقة لا مثيل لها، وناشد شكاوى الناس بدفعة واحدة ثورية ووطنية.

وقال الصدر: “بعد اليوم، على رئيس الوزراء أن يتصرف!”.

 

وأضاف بينما كان يشير بيديه إلى مبنى الحكومة المركزية المحصن: “نحن اليوم على باب المنطقة الخضراء، وغدًا سيكون الناس في الداخل!”.

 

الوقت قد حان للديماغوجيين مرة أخرى في العراق، حيث يغلي الجمهور من الغضب على الفساد، الحرب الطاحنة وانهيار في أسعار النفط هز الاقتصاد. مع طبقة سياسية غير فعالة، يسعى العراق جاهدًا لمواجهة المخاوف الأكثر إلحاحًا، أهمها كسب الحرب مع تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) وإعادة توحيد البلاد.

 

وطني عراقي ووكيل إيراني

 

كان الصدر وميليشياته المخيفة من قبل العدو الرئيسي للولايات المتحدة، ولعب العديد من الأدوار في تشكيل العراق بعد الغزو الأمريكي: رجل دين شعبوي، وكيل إيراني، وطني عراقي، صانع الملوك السياسي.

 

لاغتنام فرصة حشد الجمعة للعودة إلى دائرة الضوء السياسي، قال الصدر إنه وضع نفسه كزعيم قومي في مواجهة الدور المتنامي لإيران في الشأن العراقي، وكمصدر للمعونة لرئيس وزراء ضعيف.

وقال الصدر للمحتشدين:”اليوم أنا بينكم لأقول لكم بصراحة وبشجاعة، أن الحكومة تركت شعبها يكافح ضد الموت، والخوف والجوع والبطالة والاحتلال والاقتصاد المتعثر، أزمة أمنية، خدمات سيئة وأزمة سياسية كبيرة.”

 

حكومة العبادي

قبل كل شيء، كان ذلك تذكيرًا لحالة مرتبكة من السياسة الشيعية الداخلية. الصدر كان يسعى لتسخير الغضب العام ضد النخب السياسية، وكان بالفعل قد دعا لمسيرات لدعم سياسات الإصلاح لرئيس الوزراء حيدر العبادي.

 

وقد توقفت اقتراحات العبادي لمعالجة الفساد وتثبيت تكنوقراط في وزارات الدولة بفعل المعارضة من قادة الميليشيات القوية وبعض السياسيين الموالين لإيران. من جانبه، عرض الصدر أن يستقيل وزراؤه دعما لمشروع رئيس الوزراء بتقويم الحكومة.

 

وعلى الرغم من ذلك، وبدعم أكثر من أبرز رجال الدين الشيعة الكبار، بما في ذلك آية الله العظمى علي السيستاني، فإنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان جدول أعمال العبادي سوف يكون قادرًا على كسب مساعدة من أي الكتل السياسية الأخرى.

 

فرصة العودة من جديد

كان ظهور الصدر في بغداد يوم الجمعة فرصة لـ”العودة من جديد إلى دائرة الأحداث”، كما قال كيرك سويل، وهو محلل مقيم في عمان، الأردن، ويتولى نشر إحدى الدوريات الخاصة بالسياسة العراقية.

الصدر كان من قبل في دائرة الضوء في العراق، ولكنه تراجع في السنوات الأخيرة إلى حد ما عن أعين الجمهور.

 

جيش المهدي

عندما غزت الولايات المتحدة العراق في عام 2003، كان الصدر قد بلغ عامه الثلاثين. ولكنه سار على الإرث السياسي لوالده، وهو رجل دين شيعي محوري وذو شعبية هائلة اغتيل بناء على أوامر من صدام حسين في عام 1999، ليظهر الصدر وكأنه صوت قوي للطبقة الدنيا الشيعية.

قام الصدر بتشكيل الحركة التي مزجت العناصر القتالية والسياسية والاجتماعية. وحاربت ميليشياته، جيش المهدي، الأمريكيين والدولة العراقية، وألقى باللوم عليا لارتكاب فظائع خلال الحرب الأهلية الطائفية في عامي 2006 و 2007.

أما في الوقت الحاضر، فتخضع ميليشياته إلى حد كبير لسيطرة الحكومة، وبات موقفه المناهض للولايات المتحدة، أقل حماسًا. في الآونة الأخيرة، ومن خلال اتصالاته بين قادة الميليشيات الشيعية، فقد ساعد في تأمين إطلاق سراح ثلاثة أمريكيين اختطفوا في بغداد. في المسيرة كان هناك بعض التقريع للولايات المتحدة.

كان الصدر من قبل عميلًا لإيران، ولكنه وفي السنوات الأخيرة، قد تبنى إستراتيجيته الخاصة، وينظر إليه على نطاق واسع هذه الأيام كداعية العراق الأول للوحدة بين المذاهب. تم تغيير اسم الميليشيا التابعة له، التي أعيد تشكيلها بعد أن سيطر تنظيم داعش على الموصل في صيف عام 2014، إلى كتائب السلام.

 

مواجهة نفوذ إيران

 

اليوم، وبينما يسعى إلى إعادة تعريف نفسه مرة أخرى، فقد وضع الصدر -الآن 42 عامًا- نفسه كداعم للعبادي، الذي ينظر إليه على أنه ضعيف على نحو متزايد في مواجهة النفوذ المتنامي لإيران. وتدعم طهران خصومه السياسيين الذين يقودون الميليشيات.

وقال سعد ثامر (37 عامًا) من مؤيدي الصدر الذين حضروا المظاهرة: “العبادي، كشخص، هو طيب القلب، لكنه ضعيف جدًا”.

أصبحت الميليشيات شعبية جدًا بين الجمهور الشيعي، مما يشكل تحديًا لسلطة العبادي، لأنها بات ينظر إليها على أنها حُماة الأغلبية الشيعية ضد المتطرفين السنة من تنظيم داعش.

كما كان ذلك تحديًا للصدر الذي فقد بعض من دعمه على مستوى القاعدة الشعبية التي يتمتع بها نظرًا لتزاحم الشباب على ميليشيات أخرى ينظر إليها على أنها أكثر قوة.

العراق هو مكان يواجه فيه الجميع أعداءه، والصدر له نصيبه. واحد من أبرز منتقديه هو رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي اعتمد ذات مرة على دعم الصدر لتأمين فترة ولاية ثانية بعد الانتخابات الوطنية في عام 2010.

حطم الصدر في وقت لاحق المالكي وحاول الإطاحة به من رئاسة الوزراء. وقال المالكي في مقابلة أجريت معه أخيرًا أن الصدر كان يسعى لاستغلال ضعف العبادي لإعادة تأسيس نفوذه.

 

وأضاف: “هو يدعم العبادي، ولكن بطريقته الخاصة. إنه يريد السيطرة على العبادي”.

خلال الفترة التي قضاها في منصبه، وخاصة في عام 2011 عندما اندلعت ثورات الربيع العربي والحركة الاحتجاجية في العراق، خشى المالكي مما كان سيحدث لو أمر الصدر أتباعه إلى النزول إلى الشوارع. لكنه لم يفعل، وتلاشت الاحتجاجات.

لكن المالكي قال إن عودة ظهور الصدر يكتنفها مخاطر بالنسبة للعراق، وحذر بقوله: “لديه القوة والأسلحة”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد