في القرن الثاني عشر، هدد ملك إنجلترا، الملك هنري الثاني، الذي كان غاضبًا من رئيس أساقفة كانتربري، بالتخلي عن المسيحية واعتناق الإسلام. ولكن ما مدى جديته؟ وماذا كان سيحدث لو أنه اعتنق الإسلام بالفعل؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، أجرت المؤرخة والكاتبة كلوديا جولد تحقيقًا لمجلة «هيستوري إكسترا» التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، استهلته بالقول: في ربيع عام 1168، كتب الملك هنري الثاني، ملك إنجلترا، إلى البابا ألكسندر الثالث. وفي حين أن المراسلات بين الملك والبابا كانت مسألة معتادة، كانت هذه الرسالة ملحوظة لما كانت تحتوي عليه من تهديد. لأن هنري كان يهدد حينها باعتناق الإسلام.

ولم يكن مستغربًا أن يصدر هنري تهديدات؛ إذ كان ذلك أمرًا أساسيًا لترسانته الملكيه، وحيويًا بقدر نوباته المدوية المحسوبة بعناية، ودبلوماسيته، والسرعة الأسطورية التي قاد بها جيوشه، وحرب الحصار التي لا تبارى في بث الرعب بين أعدائه. ولم يميز هنري بين مَن يطلق التهديدات في ساحتهم؛ بدءًا من البابا وصولًا إلى ناخبي وينشستر المتواضعين، الذين أمرهم ذات مرة «بإجراء انتخابات حرة» ولكنه منع «انتخاب أي شخص ما عدا كاتبي ريتشارد».

الملك هنري ومعرفته بالإسلام

لكن ذلك الأمر انبثق من نظام مختلف تمامًا. فمنذ عام 1097، كان الصليبيون الأوروبيون يقاتلون قوى الإسلام في الشرق الأوسط، ويتشبثون بعناد بالأراضي التي سيطروا عليها: مملكة القدس، وإمارة أنطاكية، ومقاطعتي الرُّها وطرابلس. وكان ينظر إلى المسلمين على أنهم أعداء العالم المسيحي.

Embed from Getty Images

الملك هنري الثاني

علاوة على ذلك، لم يكن هنري مجرد ملك لإنجلترا؛ بل كان أيضًا دوق نورماندي وأكيتن، وكونت مين، وأنجو وتورين، وسيدا على مساحات شاسعة من فرنسا. وكان أحد أقوى الرجال في العالم، إذ سيطر على مساحات تمتد من الحدود الأسكتلندية إلى الشرق الأوسط، حيث حكم أعمامه مملكة القدس اللاتينية. وإذا كان هنري جادًا، لكانت التداعيات عبر أوروبا في القرن الثاني عشر مزلزلة.

هل كان ذلك أكثر من مجرد كلمات طنانة نابعة من أسلوب الملك هنري الثاني المميز؟ وهل من الممكن أنه كان يقصد ما قاله؟

تقول كلوديا جولد: كان هنري على دراية بالإسلام. وكان سيدرس أعمال بيتروس ألفونسي، طبيب جده هنري الأول، الذي كتب أقدم رواية موثوقة عن النبي محمد، وكذلك بيتر الجليل، الذي أمر بأول ترجمة للقرآن إلى اللاتينية. وعلى الرغم من أنه كان يرى الإسلام على أنه هرطقة، إلا أن بيتر كان يعتقد أنه «الأعظم بين كل الهرطقات» – تلك التي تستحق أن يتم الرد عليها.

وإلى جانب الإسلام، نشأ لدى هنري أيضًا إعجابًا بتعلم اللغة العربية منذ سن مبكرة. وحصل على تعليم متميز من العلماء المطلعين على المعرفة «الجديدة» التي كانت تتدفق من صقلية وإسبانيا والشرق الأوسط. ولم تشهد أوروبا الغربية أبدًا مثل هذه الفترة المثيرة من الناحية الفكرية مثل القرن الثاني عشر – الذي أطلق عليه لاحقًا عصر النهضة في القرن الثاني عشر – وعمل على تغذية ذلك إعادة اكتشاف المفكرين الكلاسيكيين في اليونان وروما (خاصة روما المسيحية بعد تحول قسطنطين)، ومن خلال الاتصال بالعالم العربي وتقاليدها الفكرية الغنية في علم الفلك والطب والموسيقى والهندسة المعمارية والرياضيات.

وكان والدا هنري – اللذان استمعا إلى نصائح الراهب ويليام من مالمسبوري بأن «ملكا بدون تعليم سيكون مجرد حمار يرتدي تاجا» – قد وظفا أفضل المدرسين في أوروبا. وكان من بينهم المستعرب واللغوي والعالم الشهير أديلارد الباثي، الذي كان له تأثير عميق على تعليم هنري. وسافر أديلارد لمدة سبع سنوات في إيطاليا وصقلية وأنطاكية والساحل الجنوبي لما أصبح حاليا تركيا، وكرس نفسه لـ«دراسات العرب». واشتهر بترجماته لأطروحات عربية عن علم الفلك إلى اللاتينية، وقدّم ابتكارات عربية في الرياضيات إلى إنجلترا وفرنسا. وأهدى أديالارد، عمله  (De opera astrolapsus) – عن الابتكار العربي للإسطرلاب (آلة فلكية قديمة) – إلى الملك هنري الثاني.

واستمر اهتمام هنري بذلك في مرحلة البلوغ. ورحب بالعلماء المسافرين، ولا سيما العرب، إلى بلاطه. وكان يعرف ما يكفي عن تعلم اللغة العربية لطلب نصوص محددة من دبلوماسيين يسافرون إلى صقلية ومملكة القدس. وأعجب هنري بالفنون الإسلامية لدرجة أنه عندما بنى قصرًا لعشيقته روزاموند كليفورد، في وودستوك، أقامه على طراز قصور المملكة النورمانية في صقلية، بالنوافير والساحات. ودمر القصر في وقت لاحق، ولكن طرازه، الذي يمتلئ بالزخارف العربية، كان فريدًا في شمال أوروبا. 

لماذا هدد هنري الثاني باعتناق الإسلام؟

هناك أمور تفسر اهتمام الملك الجم بالإسلام والثقافة العربية. ولكن ما الذي دفع هنري إلى إطلاق هذا التهديد في المقام الأول؟ يمكن العثور على الجواب في رسالة الملك هنري الثاني، التي أخبر فيها البابا ألكسندر بأنه «سيقبل عاجلًا ضلالات نور الدين (سلطان حلب) ويصبح كافرًا، بدلًا عن أن يتحمل معاناته تحت سيطرة توماس (بيكيت) على كاتدرائية كانتربري لأية مدة طول».

Embed from Getty Images

الملك هنري الثاني

والآن أصبحت الأمور أكثر وضوحًا قليلًا: كان ذلك في عام 1168، وخلاف هنري المضجر مع صديقه السابق توماس بيكيت في عامه الخامس. وكان هنري قد رفع توماس عاليًا، وعينه في منصب المستشار، بعد وقت قصير من توليه العرش، حتى أنه «اعتُبر في المرتبة الثانية بعد الملك». وكان لدى هنري مثل هذه الثقة في توماس ليستمع إلى رأيه بعد وفاة ثيوبالد، رئيس أساقفة كانتربري، في عام 1161.

ودفع الملك هنري الثاني بقوة لتولي بيكيت، المتردد، المنصب المزدوج الذي جمع فيه بين المستشارية ورئاسة الأساقفة، على الرغم من تحذيرات والدة هنري، الإمبراطورة ماتيلدا، وتحذيرات توماس نفسه. واعتقد توماس أن الأمر كان غريبًا، وعاض ذلك على أساس أن الملك هنري الثاني وتوماس كانا يعرفان: «إذا تمت ترقيتي لهذه المنزلة، فسوف أضطر إما لفقدان العمل لمصلحة الملك، أو.. خدمتي للرب العظيم». 

وتجاهل هنري جميع الاعتراضات، ولم يهتم بوالدته، بل هدد رهبان كانتربري (الذين لم يرغبوا في أن يكون توماس رئيس أساقفتهم) بغضبه إذا فشلوا في انتخاب مرشحه. وكان قلق الملك هنري الثاني الأساسي هو ضمان الخلافة، بتتويج ابنه الأكبر الباقي على قيد الحياة، في حياته. وكانت محاولته تتعلق بتجنب سباق آخر ملطخ بالدماء على العرش عند موته، كما حدث عند وفاة كل ملك، باستثناء ستيفن، منذ الغزو النورماندي. وكان الحق في تتويج ملوك إنجلترا يرجع لأساقفة كانتربري، وتوقع هنري أن يوافق توماس على رغبته.

بدلًا عن ذلك، اكتشف هنري أنه أقدم على تنصيب شخص متعصب، أصبح الآن جنديًا للمسيح الأبدي، بدلًا عن أن يكون في خدمة مَلِكِه الدنيوي. وكان هنري غاضبًا عندما استقال توماس من منصب المستشارية. وسرعان ما انغمس الملك والأسقف في معركة السيادة بين الكنيسة والدولة. وتمزق إربًا ميزان التسوية، الذي كان الملوك بموجبه يعطون الأساقفة المكانة، ويسعى الأساقفة بدورهم لإرضاء ملوكهم.

بلطجية الملك

وكان المصدر الرئيس للخلاف يتعلق بأي محكمة – هل الخاصة بالملك أو بالكنيسة – هي التي يجب أن يمثل أمامها رجال الدين المتهمين بارتكاب الجرائم. وكان هنري قلقًا من عمل المحاكم الكنسية المنفصلة جنبًا إلى جنب مع محاكمه الخاصة، لكنه كان أيضًا مستاءً من أن العقوبات التي يقرونها كانت بسيطة. ولم يتزحزح الملك ولا رئيس الأساقفة.

وعندما اتهمه هنري، سعيًا لتخليص نفسه من توماس، بازدراء السلطة الملكية والاختلاس في عام 1164، توقع توماس سجنه، وحتى قتله. وذكّره بعض أباطرة هنري الأشد وطأة بأن والد الملك، جيفري كونت أنجو، خصى بعض رجال دينه بسبب عصيانهم، وأجبرهم على «حمل أعضائهم» أمامه في حوض. 

غزا الرعب قلب توماس، فهرب إلى بلاط لويس السابع ملك فرنسا، حيث كان من دواعي سرورهم أن يعرضوا عليه ملاذًا. وكان من دواعي سرور لويس، الزوج الأول لزوجة الملك هنري الثاني، إليانور آكيتاين، دائمًا أن يتسبب في مشاكل لأقوى أسياده؛ إذ كان هنري مدينًا بالولاء للملك الفرنسي نظرًا لأراضيه في القارة.

Embed from Getty Images

توماس بيكيت 

وعرض لويس – الذي كان ورعًا مثلما كان هنري دنيويًا – ملاذا ليس فقط لتوماس، بل منح أيضًا للبابا ألكسندر الثالث ملجأ عندما غادر روما عام 1159، بعد انتخابات مثيرة للانقسام أسفرت عن أول حلقة في سلسلة من الباباوات المزيفين (الصفة التي أُطلقت على عدة رجال في فترات مختلفة من تاريخ الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وادعوا لأنفسهم لقب ووظيفة أسقف روما، معارضين بذلك أحقية وشرعية من تعتبره الكنيسة البابا الحقيقي) الذين يعتلون العرش البابوي.

كما أن البابا ألكسندر مدين كثيرًا لهنري الذي دعمه إلى جانب لويس. واحتاج ألكسندر إلى دعم هنري، لكن الخلاف حول بيكيت جعله في وضع مستحيل. وعلى الرغم من أنه تعاطف مع توماس اللدود، إلا أنه اضطر إلى السير على خيط رفيع. وفي السنوات القليلة التي أعقبت ذلك، كان يماطل، حتى مع السماح لتوماس بالتنفيس عن تدمير هنري للكنيسة من خلال «عاداته الشريرة». (كما اتضح، كانت مخاوف بيكيت مبررة. إذ قُتل بعد عامين من كتابة هنري لرسالته إلى البابا).

تضيف الكاتبة: كان تهديد هنري باعتناق الإسلام بمثابة سلاح، لوّح به أمام البابا بقوة لإقناعه بإزالة توماس من منصبه. وكان قد هدد ألكسندر بنجاح من قبل. وقبل ثماني سنوات، سعى للحصول على إعفاء بابوي للسماح لابنه البالغ من العمر خمس سنوات بالزواج من ابنة لويس القاصر مارجريت؛ مما مكنه من السيطرة على فيكسن، وهي مقاطعة فرنسية رئيسة، كانت مهر الصغيرة مارجريت.

وأقدم على مضايقة سفراء ألكسندر ليظن أنه سيدعم منافس البابا، فيكتور الرابع، إذا لم يحسم أمره ويمضي قدمًا، واستسلم ألكسندر. ولأن تهديده سبق وأن نجح من قبل، اعتقد هنري على الأرجح أن البابا سوف يستسلم مرة أخرى في مواجهة تهديده الغريب. لكن على حد علمنا لم يستجب ألكسندر لذلك مباشرة، لكنه استمر في الضغط من أجل المفاوضات بين هنري وبيكيت.

الملك هنري الثاني.. مسيحي لم تعنِهِ أمور السماء كثيرًا

لم يكن محتملًا أن ينفذ هنري هذا التهديد. إذ كان ممارسًا للسياسة الواقعية، وعلى دراية تامة بالمخاطر المترتبة على مثل هذا القرار. وعلى الرغم من سيطرته على السلطة، لم يكن هنري قادرًا على إنكار أن حقه الإلهي في تاج إنجلترا ينبع من المسيحية. وكان المجتمع المسيحي منظمًا بطريقة مختلفة تمامًا عن الإسلام؛ إذ كان في المقام الأول مجتمعًا زراعيًا وإقطاعيًا. وسمح المجتمع الإسلامي بمستوى عالٍ من الحراك الاجتماعي (انتقال الأشخاص بين طبقات المجتمع) وكان أقل جمودًا بكثير من النظام لإقطاعي الغربي المسيحي. وكانت إمبراطورية هنري تستند إلى نظام معقد من أيمان الولاء والالتزامات.

تاريخ وفلسفة

منذ 5 شهور
قصة الشاب المسلم الذي علم الملكة فيكتوريا لغة الإسلام في الهند

ومن المفترض أن اعتناق هنري للإسلام كان يتطلب الاعتناق الجماعي لجميع الشعوب المختلفة في الأراضي الواقعة تحت حكمه، من نورثمبرلاند إلى آكيتين. وكانت الآثار الإدارية وحدها هائلة. فماذا كان سيصبح مصير آلاف الأساقفة والكهنة؟ وهل كانت العربية ستحل محل اللاتينية كلغة تواصل مشتركة؟ وهل كان سيوضح منهج جديد في الجامعات؟ وهل كان هنري سيطور اللغة العربية بدلًا عن القانون الإنجليزي؟ ومع أي من الخلفاء كان سيقيم تحالفاته الجديدة؟ وكيف سيكون التأثير على الحروب الصليبية؟

ضع في اعتبارك مئات السنين من الفوضى التي أثارها سليل هنري، هنري الثامن، بفصله إنجلترا عن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية؛ وهي الفوضى التي تمخضت عن حرب أهلية، وأدت إلى إعدام ملك في نهاية المطاف. يمكننا فقط أن نتخيل الهرج الذي كان سيترتب على ذلك لو تحول هنري الثاني إلى الإسلام. وكانت هناك سوابق للتحول بين الأديان في كلا الاتجاهين، لا سيما في المناطق الحدودية حيث التقت المسيحية والإسلام، لكن المعتنقين لم يكونوا ملوكًا أو ملكات. والإقبال على تنفيذ مثل هذا التعهد كان سيتجاوز المواهب الدبلوماسية والإدارية حتى لملك استثنائي مثل هنري الثاني.

تختم الكاتبة بالقول: إذا كان هناك أي شيء يمكن تعلمه عن هنري، فربما يكون اهتمامه الأكبر بالشؤون الدنيوية أكثر من السماوية. وعلى الرغم من كونه رجلًا أسطوريًا، لم يكن هنري متدينًا. وانتقد المؤرخون افتقاره للورع، مدعين أنه لم يجلس أبدًا بخشوع في الكنيسة. ووجد هنري نفسه يشعر بملل مطبق في قداس لدرجة أنه كان يرسم خطوطًا عشوائية والتقى بأشخاص كانوا يقدمون له التماسات.

إن تهديده بالتحول إلى الإسلام يدل على مدى قلة شأن الدين بالنسبة له، ونتيجة لذلك، مدى استيائه من السلطة البابوية عندما وقفت في طريقه. من بين جميع الأسباب التي قد تكون جذبت اهتمام هنري إلى الإسلام، فإن أحد أكثرها جاذبية هو بالتأكيد أن هذا الدين، على عكس المسيحية، لم يكن لديه سلطة مركزية، ولا قوة فوق وطنية. فلم يكن هناك بابا مسلم يمنعه من إقالة رئيس أساقفته.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد