نشر مركز «بيلفر للعلوم والشؤون الدولية» في كلية كينيدي في جامعة هارفارد مقالًا كتبه جمال إبراهيم حيدر، أستاذ الاقتصاد المساعد في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وعديل مالك، الباحث المتخصص في اقتصاديات المجتمعات المسلمة، يتناولان فيه حجم المأساة التي يعيشها لبنان، موضحين أنها لا تقتصر فحسب على أزمة اقتصادية ربما تضع أوزارها بتوفير المساعدات المالية اللازمة، لكن اللبنانيين يواجهون معركة مع الفساد المستشري في البلاد بسبب نخب حاكمة لا تتورع في سبيل زيادة ثرواتهم وتحقيق مصالحهم أن تُمعن في زيادة معاناة اللبنانيين.

استهل الكاتبان مقالهما المنشور قبل أيام من انفجار بيروت المروع بالقول: «في مواجهة أسوأ أزمة اقتصادية شهدتها لبنان في تاريخها الحديث، يتأرجح الاقتصاد اللبناني ونظامه الحاكم على حافة مأساة اجتماعية هائلة؛ إذ فقدت الليرة اللبنانية، منذ بداية الاحتجاجات الشعبية العارمة ضد الفساد في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، نحو 75% من قيمتها».

النخب اللبنانية الحاكمة تخوض حربًا مع شعبها

وأدى هذا الانخفاض في قيمة الليرة اللبنانية، في البلاد التي تستورد قرابة 80% من المواد الغذائية، إلى تعريض قطاعات واسعة من سكان البلاد – ومنهم 30% يُصنفوا كلاجئين – لارتفاع حاد في معدلات انعدام الأمن الغذائي، بعدما شهد تضخم أسعار المواد الغذائية زيادة كبيرة من أقل من 2% إلى أكثر من 150٪ خلال الثمانية أشهر الماضية فحسب؛ مما جعل الشعب اللبناني يعاني من أجل توفير الطعام لأفراد أسرته، بل اضطرت أسر الطبقة الوسطى إلى تقليص مشترياتهم الشهرية إلى النصف.

إن لبنان تعيش مأساة إنسانية خطيرة. وفي حين أن حجم المعاناة الذي بدأ يتكشف يُذكرنا بوضع البلدان التي ترزح تحت عبء الحروب والعقوبات أو المجاعة، فإن لبنان ليست في حالة حرب ولا تترنح تحت وطأة العقوبات، لكنها عوضًا عن ذلك تخوض حربًا مع نفسها، أو بتعبير أدق لبنان دولة تخوض نخبها الحاكمة معركة صامتة ضد ملايين من شعبها البائس.

ويشرح الكاتبان أجواء هذه المعركة الصامتة قائلين: «إن التسوية السياسية في لبنان، والتي تتقاسم فيها زعماء الطوائف الدينية السلطة السياسية في البلاد، رسخت لاقتصاد سياسي ريعي تتفوق فيه المصالح الاقتصادية والسياسية للنخب الأوليجاركية (مجموعة صغيرة من الأفراد تهيمن على النظام السياسي الذي يمارس السلطة في أية دولة) على أي آفاق حقيقية للإصلاح، وتقتات هذه الصفقة، التي تعود بالنفع على النخبة الحاكمة، على التدفق المستمر لرأس المال من الخارج».

لبنان

تحديات النخبة الحاكمة ومشاكل لبنان الاقتصادية والسياسية

كما ظلت لبنان وجهة جذابة للمودعين مع ارتفاع أسعار الفائدة ونظام سعر الصرف الثابت. وتراجعت تدفقات تحويلات المغتربين اللبنانيين، والتي تمثل في الغالب مصدرًا مهمًا لرأس المال الأجنبي، من 25% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008 إلى 14% في عام 2019.

ونوه المقال إلى أن النخبة اللبنانية الحاكمة واجهت، على مدار الأشهر الثمانية الماضية، تحديًا غير مسبوق، بدءا من موجة الاحتجاجات المناهضة للفساد التي تحدت الانقسامات الطائفية والإقليمية القديمة، وأخرجت آلاف اللبنانيين إلى الشوارع، وفيما بعد وجدت النخبة الحاكمة نفسها أمام تحدي انهيار أسعار النفط وتفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19).

وفي مارس (أذار) تخلّفت لبنان للمرة الأولى عن سداد 1.2 مليار دولار من ديونها الخارجية التي تُقدر بـ33.4 مليار دولار؛ ما أدى إلى فرض سلسلة من القيود على المودعين ومسارعة على سحب العملة. كما ظل النظام المصرفي اللبناني لفترة طويلة ركيزة زائفة تُوحي بوجود الإستقرار وساحة يمكن فيها اصطفاف مؤسسات الدولة الاقتصادية والسياسية من أجل الحفاظ على توازن اقتصادي هش من خلال التلاعب المالي الماكر، والذي بدوره ساعد في تدعيم عجز البلاد المزدوج.

وأوضح الكاتبان أنه مع بدء انهيار قطاع لبنان المصرفي، وجدت البلاد نفسها في مأزق مالي لا تستطيع الخروج منه دون مساعدة خارجية طارئة، لذا دخلت الحكومة اللبنانية في محادثات مع صندوق النقد الدولي منذ منتصف مايو (أيار) للاتفاق على حزمة الدعم المالي، إذ يُنظر إلى صندوق النقد الدولي في الوقت الراهن على أنه السبيل الوحيد لخروج لبنان من هذه الأزمة، لا سيما أنه بمقدوره أيضًا فتح الباب لتلقي لبنان التمويل من مانحين آخرين.

وبينما عقدت النخب السياسية في لبنان الكثير من آمالها على خطة إنقاذ خارجية – كما تفعل دائمًا – كانت الأزمة السياسية والاقتصادية التي يواجهونها هذه المرة مختلفة، وهذا هو السبب الذي يتطلب تغييرًا في الاستجابة العالمية للتعامل مع هذه الأزمة، فبدلًا عن إقراض الأموال بشروط ميسرة، يتعين على جهات الإقراض الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والجهات المانحة الثنائية ذات النفوذ، الموازنة بين احتياجات الشعب اللبناني الإنسانية وتوفير حوافز تدفع النخبة الحاكمة للمضي في الإصلاح.

حكومة لبنان

الدعم الخارجي يطيل أعمار النخب الأوليجاركية في السلطة

لم يسبق أن واجه المانحون الأجانب من قبل، في تعاملاتهم مع لبنان، مثل هذا الاختيار الصعب بين إنقاذ الاقتصاد أو إصلاحه. ومن الواضح أنه بدون شكل ما من أشكال المساعدة الخارجية، سينزلق المزيد والمزيد من الشعب اللبناني إلى الفقر، إلا أن مثل هذا الدعم الخارجي عادة ما قدم طوق النجاة للنخب الأوليجاركية.

ويُبين الكاتبان أن لبنان، في هذا الصدد، تعاني من مشكلة التزام تقليدية، إذ إن الدعم الخارجي يُحفز النخب الحاكمة بقوة لإعلان موقفًا إصلاحيًا، لكن بمجرد أن يبدأ المال في التدفق، فإنهم على الأرجح يتراجعون عن مثل هذه الإصلاحات في المستقبل، والسبب بسيط: لأن الإصلاح الاقتصادي الهادف سيُقوض جديًا سلطتهم السياسية التي ترتكز على توزيع الريع، على أساس المحسوبية، على دوائرهم السياسية.

الحكومات اللبنانية فاشلة تاريخيًا في الالتزام بالإصلاح

تاريخياً، فشلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة في الوفاء بالتزامات الإصلاح التي تعهدت بها للمانحين الأجانب. ويستشهد الكاتب بمؤتمرين دوليين رئيسين للمانحين من أجل لبنان استضافتهما فرنسا «في عام 2002 (باريس 2)، و2007 (باريس 3) بعد مؤتمر المانحين الدولي الأول (باريس 1) الذي عقده الرئيس الفرنسي جاك شيراك في عام 2001». وقدمت الحكومات اللبنانية في ذلك الوقت خطط الإصلاح الاقتصادي لمنظمي كلا المؤتمرين؛ مما فتح الباب لضخ موارد كبيرة قُدرت بنحو 7.6 مليار دولار في شكل مساعدات مالية وقروض ميسرة في عام 2007 فقط. إلا أن هذه المؤتمرات لسوء الحظ لم تؤتي أكلها، أو تحقق مآربها من الإصلاح المنشود.

بدوره حلّل «المركز اللبناني للدراسات السياسية» الإصلاحات المتفق عليها في مؤتمر باريس 3، وخلص إلى أن إجراءات الإصلاح التي طبقتها لبنان عمليًا كانت أقل من ربع إجمالي الإجراءات المتفق عليها – 26 من أصل 117 – وبالمثل توصل المركز إلى أن الإصلاحات المؤسسية لتحسين القدرة الإدارية كانت متدنية – 14 من أصل 90 – وحتى إجراءات الإصلاح التي تتطلب قدرًا أقل بكثير من الاتفاق والجهود المتضافرة بين النخبة السياسية نُفذت بنسبة 50٪ فحسب – وفقًا للمركز.

كيف يساعد المانحون الأجانب اللبنانيين؟

لبنان

ويخلص الكاتبان إلى أن التحدي الذي يواجهه المانحون الأجانب، في مواجهة ذلك، يكمن في مساعدة لبنان بطريقة تلزم النخبة اللبنانية على القيام بإجراء الإصلاحات المطلوبة. ويشدد على الأهمية الجوهرية لتوقيت الإصلاح والتمويل ووتيرتهما؛ إذ يتعين على النخب اللبنانية الموافقة على مجموعة عملية من الإصلاحات وإظهار التزامها بمواصلة السير على هذا المسار قبل توفير الأموال الأجنبية.

ويختم الكاتبان مقالهما بالقول: «لإثبات التزامهم بالإصلاح، يمكن للنخب اللبنانية إجراء تدقيق قانوني للحسابات في البنك المركزي لتوفير المعلومات الدقيقة المتعلقة بخسائر لبنان الاقتصادية، وتخفيض النفقات الزائدة عن الحاجة، والحد من التهرب من الرسوم الجمركية، والكشف عن المصالح المالية والتجارية لكافة الشخصيات السياسية البارزة، وربما يكون القيام بذلك سببًا في الحد من انعدام الثقة العامة، ويرسل إشارات إيجابية أن الإصلاح الاقتصادي هذه المرة مختلف بالفعل».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد