مرت 50 عامًا على أول خطوة يتخذها إنسان في تاريخ البشر كله على سطح القمر. هذه اللحظة التاريخية التي وضعت بصمتها في أذهان جيل كامل، بالنسبة للبعض ليست أكثر من مؤامرة أو خدعة محبكة لفقتها وكالة ناسا الأمريكية. تنتشر نظريات المؤامرة على صفحات الإنترنت، والتي تقول إنه لم يحدث هبوط على سطح القمر متذرعة بحجج ومزاعم عدة يفندها واحدةً بواحدة تقرير حديث منشور على موقع بي بي سي، مبينًا كذلك الأدلة التي تثبت نجاح هذا الهبوط وحقيقته.

Embed from Getty Images

أول لقاء بشري مع القمر

في 20 يوليو (تموز) 1969، حط القائد ورائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونج ومعه رائد الوحدة القمرية الأمريكي أيضًا بز ألدرن بمركبة أبولو لونر مودل إيجل (مركبة الهبوط على سطح القمر المسماة بالنسر) على سطح القمر. أصبح نيل أرمسترونج في غضون ساعات قليلة أول إنسان يمشي على سطح القمر، في خطوة تابعها مباشرة ما يقارب 650 مليون شخص عبر شاشات التلفاز. كانت تلك اللحظة واحدةً من أهم لحظات التاريخ البشري. لكن وعلى الرغم من أكوام الأدلة على حدوث الهبوط على سطح القمر، إلا أن بعض الناس ما زالوا يرفضون تصديق ذلك.

غالبًا ما يشار إلى الأشخاص المشككين بوصول المركبة الفضائية إلى القمر بأصحاب نظريات المؤامرة ومعتنقيها، وهم يعتقدون أن الأمر برمته لم يكن أكثر من مجرد خدعة لفقتها وكالة ناسا الأمريكية. وبالتالي غالبًا ما يعمد العلماء والخبراء المختصون من ناسا أو من خارجها إلى تقديم الحقائق الداحضة لنظريات المؤامرة تلك. وهنا يذكر التقرير أبرز الأسباب التي يحكيها أصحاب نظريات المؤامرة عن سبب تشكيكهم بالهبوط على سطح القمر، وما هي أوجه الخطأ عندهم، والردود على كل مسألة.

أين النجوم؟

يشير البعض من أصحاب نظرية المؤامرة إلى انعدام النجوم في الصور التي التقطها رواد فضاء أبولو من سطح القمر. ليس هنالك هواء في القمر وبالتالي ستكون السماء سوداء فوقهم، لكن يقف البعض مستغربين عند نقطة انعدام وجود النجوم في المشهد.

يعطي التقرير جوابًا بسيطًا: النجوم موجودة بالفعل، لكنها خافتة للغاية إلى درجة لا ترى فيها. عندما تلتقط صورةً ما عليك أن تقرر هدفك من المحيط الذي يهمك التركيز عليه، ولذا من المنطقي أن رواد الفضاء كانوا مركز الصور التي التقطتها الكاميرا، وليست النجوم.

كيف يرفرف العلم على سطح القمر؟

إحدى أشهر المحاججات التي يتذرع بها أصحاب نظريات المؤامرة ضد صعود البشر إلى القمر تقول إن الصور تظهر العلم الأمريكي على سطح القمر وهو يبدو وكأنه يرفرف في الريح، ويفترض عدم وجود ريح في القمر لعدم وجود الهواء.

في الواقع، وبالرغم مما يبدو عليه الأمر إلا أن العلم لم يكن يتحرك في الحقيقة. وحين يوضع العلم فوق أرضية القمر ويثبت فوقها سيكون محافظًا على شكله المنحني وثابتًا عليه. يبدو العلم في مقاطع الفيديو وكأنه يتحرك للأمام والخلف. يرجع سبب ذلك إلى الطريقة التي ثبته بها رواد الفضاء، إذ كانوا يضعونه في التربة القمرية بتدويره للأمام والخلف لإدخاله أعمق وأفضل في موضع التثبيت؛ وهو ما أدى إلى ظهور التموجات على العلم بالنتيجة.

ليست من ضروب المستحيل

يشكك البعض بفكرة مكوكات الفضاء والبعثات إلى القمر من أساسها، لإيمانهم باستحالة تلك الرحلات من أساسها بحكم وجود شيء يدعى أحزمة ڤان ألن -وهي عبارة عن أحزمة ضخمة من الإشعاع تحيط بالأرض- ويزعم أنه لا يمكن للبشر العبور منها دون التعرض لجرعات مميتة من الإشعاع.

يصاب المرء بأمراض الإشعاع حينما يتعرض لحوالي 200 إلى ألف راد من الإشعاع في غضون ساعات قليلة (الراد هي وحدة معيارية كانت تستخدم لقياس جرعات الأشعة المؤينة التي يتعرض لها الجسم).

أمضى طاقم أبولو 11 في نطاق الأحزمة فترةً زمنية قلت عن الساعتين خلال رحلتهم إلى القمر بأكملها، وبالتالي لم يتعرضوا لأكثر من 18 راد فقط من إشعاعات تلك الأحزمة؛ أي ضمن الحدود الآمنة. حرصت ناسا على التأكد من خاصية العزل الجيد في المركبة الفضائية كما يؤكد التقرير، ولذا بلغ متوسط الجرعة الإشعاعية في المهمة التي استغرقت 12 يومًا 0.18 راد فقط؛ أي ما يعادل تقريبًا الأشعة السينية للصدر.

لم يكن أثر أحزمة ڤان ألن الشعاعي مؤذيًا لرواد الفضاء بفضل الفترة القصيرة التي أمضوها في نطاقها، ولحرص ناسا على تزويد المركبة الفضائية بخاصية العزل؛ وبالتالي كانت حصيلة تعرض الرواد للأشعة تعادل تقريبًا أشعة الصدر السينية.

صخور القمر

يذكر التقرير بدليل آخر على هبوط البشر على سطح القمر، ويكمن في الصخور التي جلبها رواد الفضاء معهم من هناك. عاد الرواد بأكثر من 382 كيلوجرامًا من صخور القمر، مما جرى تبادله ومقاسمته بين العلماء في العديد من البلدان على مدى عقود. درست هذه الصخور بدقة وأكدت جميع الاختبارات مجيئها من القمر بالفعل.

احتوت العديد من صخور القمر على حبيبات زجاجية صغيرة أو كريات. ينتج الزجاج بطريقتين: أولها النشاط البركاني المحموم وثورانه، وثانيها تأثيرات النيازك فائقة السرعة التي تذوب وتبخر الصخور، وفي كلتا الحالتين يحتاج الصخر إلى وقت يبرد فيه ليحدث التبلور ببطء. يظهر أثر العوامل على الأرض بوضوح إذ تحطم بسرعة أي زجاج تنتجه البراكين، فيما تبقى الكريات الزجاجية شبه نقية في الفضاء.

Embed from Getty Images

آثار الأقدام على سطح القمر

لا يزال بوسعنا رؤية موضع هبوط مهام أبولو المختلفة وحتى آثار أقدام رواد الفضاء من تلك المهام. تمحى آثار الأقدام سريعًا على الأرض حالها حال أي علامات أخرى مرتسمة على السطح بسبب الرياح والأمطار والنشاطات السطحية الأخرى التي تحدث لكوكب له غلاف جوي ومحيطات ويضج بالحياة. أما على سطح القمر لا تتوفر أي من هذه الظروف، وبالتالي تبقى آثار الأقدام هذه الفترات الطويلة.

Embed from Getty Images

أطلقت ناسا منذ عام 2009 مستكشف قمر مداريًّا ليدور حول القمر، وقد التقط هذا المسبار الفضائي صورًا لجميع مواقع هبوط أبولو. تظهر الصور مركبة أبولو الفضائية في المواقع الصحيحة تمامًا، ومما يثير الدهشة قدرتنا على رؤية آثار أقدام رواد الفضاء أثناء استكشافهم للبيئة القمرية.

يذكر أن مواقع الهبوط تلك رصدتها مجموعة متنوعة من المركبات الفضائية الأخرى التابعة للصين والهند واليابان على نحو مستقل.

ما تزال آثار أقدام رواد فضاء أبولو ومواقع هبوطهم مرئية حتى الآن، وذلك بسبب افتقار القمر للظروف والعوامل البيئية التي يمكن أن تمحوها، وما تزال الصخور التي جلبت من القمر إلى الأرض موجودةً في أنحاء عدة حول العالم يدرسها العلماء ويحللون أوجه اختلافها عن صخور الأرض.

مخلفات المهام من المعدات

لم تكن الرحلة إلى القمر للترفيه فقط، وإن كانت موضع اهتمام ومتابعة مئات الملايين من الناس آنذاك. كان الهبوط على سطح القمر حدثًا عظيمًا في تاريخ العلم، إذ أرسلت أدوات ومعدات علمية متعددة ضمن المهمة لمعرفة المزيد عن القمر واستكشافه وقد ترك البعض منها هناك على القمر.

Embed from Getty Images

ترك رواد الفضاء وراءهم عاكسات على سطح القمر ترجع الضوء الواصل إليها كما يذكر التقرير، وقد مكنت هذه العاكسات القمرية من خلال عكسها الليزر عن أسطحها من إجراء قياسات دقيقة للمسافة بين الأرض والقمر مرارًا منذ عام 1969، وما زال الكثير منها يعمل جيدًا حتى اليوم. ثبت أطقم مهام أبولو 11 وأبولو 14 وأبولو 15 هذه العاكسات، فضلًا عن عربة لوناخود 2 الفضائية التي أرسلها الاتحاد السوفيتي، والتي ساهمت في هذا المجال أيضًا.

Embed from Getty Images

مما يجدر ذكره أيضًا تجربة جهاز القياس المغناطيسي لسطح القمر -يدعى اختصارًا بـLSM- المصمم خصيصًا لقياس المجال المغناطيسي للقمر، وقد بين امتلاك القمر خواص المغنطة على سطحه، لكن تتفاوت المغناطيسية فيه من مكان لآخر. ما تزال البيانات من هذه التجارب وغيرها مستخدمة حتى يومنا هذا.

بإمكانك مشاهدة القمر أو المريخ.. 10 من خدمات جوجل التي قد لا تعرف عنها شيئًا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات