باتت المغرب الدولة المتوسطية الوحيدة التي تحوز حكومة إسلامية والبلد العربي الوحيد الذي خرج من الربيع العربي مع ديمقراطية حقيقية متعددة الأحزاب. ينبغي لصانعي السياسة الأمريكية أن يلقوا نظرة فاحصة على المغرب لأن هذا الاستثناء الظاهر هو في الواقع عبارة عن خطة لإعادة هندسة السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

 

هناك حاجة ملحة لإستراتيجية جديدة. التهمت الحرب الأهلية السورية حوالي 300 ألف من أرواح المدنيين منذ عام 2011. ويواصل تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) تنفيذ التطهير العرقي الوحشي للأقليات الدينية (بما في ذلك المسيحيين) ويبيع النساء كعبيد.

 

وفي الوقت نفسه، يعاني اليمن من حرب أهلية قاسية يشنها فلول تنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية الأخرى. على هذا النحو، يجب على الحكومة الأمريكية أن تعدل نهجها. إذا لم تتغير أمريكا أو الشرق الأوسط، سيتم قياس الجمود الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط بالملايين من الجثث واللاجئين.

 

يسيء المراقبون الأمريكيون والأوروبيون فهم كل من النموذج المغربي والحقائق على أرض الواقع. على عكس الحكام العرب الآخرين الذين حاولوا مقاومة التغيير خلال الربيع العربي، قاد الملك محمد السادس إصلاحات دستورية وسلم جميع السلطات الحكومية (باستثناء الاستخبارات والدفاع والسياسة الخارجية) إلى حكومة منتخبة.

 

وبينما أفضت انتخابات عام 2011 إلى وصول حزب إسلامي إلى السلطة، وهو حزب العدالة والتنمية، انتاب العالم مشاعر قلق في البداية. وفي غضون أيام، أصبح واضحًا أن الحزب لن يتصرف مثل حلفائه الإسلاميين الآخرين، كما هو الحال مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر. كانت إصلاحاته التشريعية إضافة، وليست تطرفًا، ووضع الحزب نصب أعينه قضايا الوظائف والنمو الاقتصادي ومحاربة الفساد.

 

وفي حين كانت تعاني بقية دول الشرق الأوسط من نيران ملتهبة، ظلت نيران الاحتجاج المغربي آمنة وتحت السيطرة. كما قال رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، “إن إطلاق النار كان كافيًا لتسخين وعاء. الحمد لله، لم يكن كافيًا لتحرقه”.

 

إن أسباب الهدوء النسبي في المغرب هي ذات شقين: الإطار الدستوري والقانوني، والأهم، علاقة الحزب الإسلامي الفريدة مع الملك. كان معظم قادة حزب العدالة والتنمية يتجنبون بحذر المواقف العقائدية المتطرفة، بل ووضعوا أمامهم دائمًا رؤيتهم للدين بوصفه محددًا للعادات والقيم الاجتماعية، وليس القواعد والأنظمة السياسية. قدموا أنفسهم على أنهم موالون لنظام الحكم والنظام السياسي القائم  تحت مسمى ضمان الاستقرار.

 

لا يمكن أن تكون المساجد في المغرب أماكن للنشاط السياسي، كما أن الأئمة ممنوعون من الترشح للبرلمان بموجب قوانين الانتخابات المغربية. الدستور له العديد من الضوابط والتوازنات، مما يجعل من الصعب على البرلمان أن يتنهك حقوق المرأة أو الأقليات. وعلاوة على ذلك، تمكن الانتخابات المحلية والإقليمية والوطنية الناخبين من محاسبة الحزب الحاكم.

 

الأهم من ذلك، دور الملك الذي يمكن أن يتم تبنيه في الدول العربية الأخرى هو أمر ضروري وحاسم. الملك هو أيضًا أعلى سلطة دينية في المغرب، وله لقب ديني رسمي: “أمير المؤمنين”. قانونًا، يستطيع الملك أن يحكم رجال الدين، وأن تتم قراءة خطبه في المساجد على الصعيد الوطني وحتى أن يقوم بتغيير المناهج الدراسية في المدارس الدينية. ويتطلب الدستور للاعتراف بأي حزب سياسي قانونيًّا، أن يقر وينصاع لسيادة الملك الدينية.

 

وأمام الحظر المفروض على الأئمة للترشح للبرلمان أو استخدام المساجد للتجمعات السياسية، كان على حزب العدالة والتنمية أن يقوم بترشيح المرشحين الذين يمكنهم كسب الأصوات، وليس فقط استدعاء حشود من المؤمنين.

 

حقق حزب العدالة والتنمية بسرعة تقدمًا كبيًرا. هيمن الحزب الإسلامي المغربي على المناطق الحضرية في الانتخابات المحلية في 4 سبتمبر 2015، ولكن تأخر في مجموع المقاعد. ومع ذلك، ما تزال قوة الإسلاميين نسبية. حزب العدالة والتنمية يمثل فقط ربع الناخبين. ويرجع نجاحهم إلى تحديث الهياكل الحزبية واستخدام الشبكات الاجتماعية على نطاق واسع. كما ساعد حزب الاستقلال (الحزب القومي) والحزب الاشتراكي الموحد (الحزب الاشتراكي) حزب العدالة والتنمية على تحقيق نتائج إيجابية بفعل تعاطيهم غير الملائم مع الشبكات الاجتماعية، بخلاف حزب العدالة والتنمية.

 

لذلك هي حالة معقدة جدًّا حيث تكون الأحزاب آخذة في التغير، مجبرة بفعل وصول حزب العدالة والتنمية، وصعود عدوها الأشرس، حزب الأصالة والمعاصرة، وهو حزب ليبرالي، أنشئ في عام 2008 لمواجهة الأيديولوجية الإسلامية.

 

النخبة الرئيسية لحزب الأصالة والمعاصرة، والتي تشمل الجهات الفاعلة في المجتمع المدني ورجال الأعمال والتكنوقراط، يعكسون التغير العام في النخب السياسية المغربية، والذي هو نتيجة لنمط جديد من الحكم. حزب الأصالة والمعاصرة منوط بوظيفة مزدوجة لاحتواء حزب العدالة والتنمية وإحياء أنماط النخبة في النظام السياسي المغربي.

 

إستراتيجية الملك الأساسية الأخرى، والتي يقوم عليها نجاحه كله، هو رغبته في الترفع عن الخلافات السياسة اليومية. فالملك يقحم نفسه فقط في الشؤون السياسية عندما يتطلب الدستور ذلك. احترامه لإرادة الناخبين يعني أن جميع الأطراف والأشخاص تنظر إلى الملك باعتباره معولًا للتقدم، وليس كأحد المشاركين السياسيين.

 

وهكذا، فهو ليس هدفًا للاضطرابات السياسية. صناع السياسة الأمريكية والأوروبية يعتقدون أن كل هذا يدل على ذكاء وقدرة على التكيف مع الإسلاميين. في الواقع، هو يدل على بعد نظر إستراتيجية الملك الذي حول الإسلاميين وجعلهم متوافقين مع الديمقراطية.

الدروس للسياسة الخارجية الأمريكية واضحة. يجب أن تشجع الولايات المتحدة الحكومات العربية الأخرى لتبني القيود المغربية للخلط بين الدين والسياسة وتوجيه الأحزاب الإسلامية المحلية لتصبح جزءًا من الديمقراطية البرلمانية، وليس عدوًا لها. هذا هو الطريق للدمج السلمي للأيديولوجيات السياسية المتباينة وهو أفضل بديل للحرب الأهلية. تكاليف الوضع الراهن واضحة وتحمد عقباها. فوائد التكيف مع إصلاحات الملك هي واضحة ومقنعة لباقي دول الشرق الأوسط. ما الذي تنتظره أمريكا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد