الأعداد الكبيرة التي تفِد إلى جيب سبتة الخاضع للسيادة الإسبانية، تُظهِر مقدار ما تدفعه أوروبا من أموالها وسلطتها من أجل ضبط الحدود

نشرت صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية تقريرًا للصحافي سام إدواردز تحدث فيه عن اتفاقية حماية الحدود بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وكيف تُستَغل في بعض الأحوال في خلافات دبلوماسية ليست ذات صلة بمسألة الهجرة والمهاجرين.

استهل الكاتب تقريره بالقول: عندما انطلق 6 آلاف شخص من الشواطئ المغربية وعبروا جدارين حدوديين سباحة، ثم خاضوا في جيب سبتة الإسباني، كان السؤال هو: لماذا سمحت لهم دوريات الحدود المغربية، التي تتعامل بعنف في العادة، بالوصول إلى ذاك الحد؟

رسائل تحذيرية باستخدام المغرب ورقة المهاجرين

ويوضح التقرير أن جواب السؤال كان رسالة في حد ذاته. لقد ارتكب الاتحاد الأوروبي مع المغرب الخطأ نفسه الذي ارتكبه مع تركيا قبل خمس سنوات. فقد منح سلطة هائلة لشريك متقلِّب عبر إبرام صفقة يتلقى المغرب مساعدات بموجبها، مقابل منع اللاجئين من السفر إلى أوروبا.

وهذا يعني أنه إذا فعلت إسبانيا أمرًا لا يروق للمغرب، فإن الرباط ستفتح حدودها أمام المهاجرين وإن كان لمدة وجيزة. ودفعت عمليات العبور التي حدثت يوم الإثنين رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز إلى العودة إلى بلاده على عجَل من قمة باريس. وانتشرت وحدات من الجيش الإسباني في سبتة؛ حيث تقف الدبابات الآن أيضًا على الشاطئ.

المغرب

منذ 5 شهور
الأكثر استغلالًا للسفراء الأمريكيين.. اللوبي المغربي في واشنطن خلال العقد الماضي

وكان عدد الأشخاص الذين عبروا إلى جيب سبتة يوم الإثنين أكبر من عدد أولئك الذين دخلوه والجيب الإفريقي الآخر في مليلة عامي 2019 و2020. بينما لم تشهد الوجهة المشتركة الأخرى للهجرة في جزر الكناري أكثر من 1,500 وافد في اليوم الواحد العام الماضي.

وكانت خطوة المغرب هذه بمثابة تذكير لإسبانيا بأن عليها الحفاظ على علاقات أفضل مع المغرب. وكانت الرباط قد غضبت الشهر الماضي من قرار مدريد بالسماح لإبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو البالغ من العمر 73 عامًا، بدخول إسبانيا لتلقي العلاج بعد إصابته بمرض كوفيد-19. وجبهة البوليساريو هي جماعة صحراوية متمردة تتنازع مع المغرب للسيطرة على الصحراء الغربية.

واستنكرت وزارة الخارجية المغربية القرار ووصفت قضية الصحراء بأنها «أساسية»، وقالت إن التصرف الإسباني «يتعارض مع روح الشراكة والتعاون بين البلدين». وأوقف المغرب دورياته الحدودية في اليوم التالي مباشرةً. وفي 26 أبريل (نيسان)، عبَر 128 شخصًا المسافة القصيرة ذاتها من المغرب إلى سبتة؛ حيث ذُكِر أن السلطات المغربية لم تتخذ أي خطوات لوقف الاختراق.

المغرب صمام أمان الاتحاد الأوروبي

ويشير التقرير إلى أن إسبانيا والاتحاد الأوروبي لطالما اعتمدا على المغرب للسيطرة على الهجرة إلى أوروبا، وغالبًا ما كانت تسير العلاقة بسلاسة. وكثيرًا ما تباهى قادة إسبانيا والاتحاد الأوروبي بالعلاقات الجيدة مع المغرب. وكانوا يعْزون نجاحهم في الحد من الهجرة غير النظامية في غرب البحر المتوسط إلى الشراكة مع الرباط.

Embed from Getty Images

ولكن وعلى الرغم من المبالغ الطائلة التي أنفقها الاتحاد الأوروبي، دُفِع كثير منها للمغرب من أجل ضبط الأمن في المناطق العازلة بجانب الأسوار الحدودية للاتحاد الأوروبي، لم تتغير الديناميات الأساسية للهجرة في مضيق جبل طارق. وظل الناس يحاولون دخول أوروبا من المغرب، وتأمل أوروبا أن يظلوا على الجانب المغربي من الجدار أو البحر.

أما الآن وقد أُرسِلت الرسالة، فمن المرجح أن تنخفض حدة التوترات بين مدريد والرباط، إلا أن الحادث يؤكد هشاشة اعتماد الاتحاد الأوروبي على المغرب. وفي خطاب رُتِّب على عجَل يوم الثلاثاء، وجد سانشيز أنه من الضروري إعادة التأكيد على التزام مدريد بحماية المنطقتين الصغيرتين التابعتين لها في شمال أفريقيا. وقال سانشيز: «سنتعامل بكل حزم في مواجهة أي تحدٍ، وقبل وقوع أي احتمال لاختراق الحدود وتحت أي ظرف». ولم يكن قد سأله أحد.

ليست سابقة فريدة من نوعها

ويلفت التقرير إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يقع فيها خلاف دبلوماسي بين إسبانيا والمغرب على طول حدودهما الأفريقية، حيث تُستخدَم حياة المهاجرين بمثابة ورقة مساومة. وبعد أن قضَت محكمة العدل الأوروبية في 2016 بأن الصحراء الغربية المحتلة تختلف عن المغرب، خففت الرباط من تسيير دوريات الشرطة، الأمر الذي أدَّى إلى وجود عدة معابر حدودية كبرى بالقرب من سبتة.

وقبل عامين، اجتاح أكثر من 1,200 شخص حرس الحدود الإسباني في سبتة بعد أن اختفت الدوريات على الجانب المغربي. وتصادف ذلك مع صعود الشرطة الإسبانية دون قصد إلى يخت الملك المغربي محمد السادس واعترض طريقه وهو في طريقه للإبحار.

وعلى العكس من ذلك، غالبًا ما يستمر التعاون على الحدود حتى عندما يتعمَّد أحد الجانبين التوقف عن القيام بدوره. واتفقت إسبانيا والمغرب بالفعل على إعادة 2,700 من أصل 6 آلاف شخص ينتظرون حاليًا في سبتة. ومن المرجح أن يساعد التعاون، الذي يستند إلى اتفاقية إعادة القبول لعام 1993، في إصلاح العلاقات بين الجارتين.

ولكن هذا يعني أيضًا أن المغرب وإسبانيا سيستخدمان المهاجرين مرةً أخرى، معظمهم من الأطفال، باعتبارهم ورقة مساومة في أي خلاف دبلوماسي ليس له علاقة مباشرة بالهجرة. وتوفي شخص أثناء محاولته العبور يوم الإثنين بينما كان الآلاف يبحثون عن مأوى، وبعضهم لا يحمل سوى ملابس السباحة التي عبَر بها فقط.

Embed from Getty Images

وبعيدًا عن الخلاف الأخير، من المرجح أن تستمر الشراكة بين البلدين. وتواصل إسبانيا والاتحاد الأوروبي بناء دفاعات حدودية؛ إذ وافق الاتحاد على تمويل مشروع بقيمة 18 مليون يورو لتعزيز الأسوار الحدودية في الجيبين. وتُنفَق مبالغ طائلة على التعاون بين الاتحاد الأوروبي والمغرب. ومنذ 2014، تلقى المغرب حوالي 343 مليون يورو من الاتحاد. ويمكن أن تؤدي المفاوضات من أجل استمرار التعاون إلى ارتفاع هذا المبلغ إلى 3.5 مليار يورو في المدة من 2020 إلى 2027، وفقًا لبعض التقارير.

ويُختتم التقرير بالقول إن ما حدث يوم الإثنين سيكون له أثر ضئيل على اقتصاد إسبانيا أو تركيبتها السكانية، وسيعود حرس الحدود المغربي العنيف قريبًا إلى الخدمة لمراقبة الحدود الجنوبية لأوروبا. ولكن ما أوضحته هذه الأحداث هو أن التأثير الأكبر لإنفاق الاتحاد الأوروبي على الهجرة لم يكن لتعزيز حدود الاتحاد الأوروبي أو لحماية الأشخاص الذين يحاولون العبور نحوه، بل ما حدث هو إعطاء سلطة لملكٍ لا يخشى استغلالها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد