تقول الباحثة ياسمينة أبو الزهور في مقال نشره المعهد المغربي لتحليل السياسات، وأعيد نشرها في موقع معهد «بروكنجز» للدراسات: «إن فتح المجال السياسي وتمكين السلطة التشريعية وتعزيز وحماية الحقوق المدنية والسياسية من شأنه أن يقطع شوطًا طويلًا نحو تقليص السخط الشعبي تجاه الديناميات السياسية في المغرب».

وكانت الشرطة المغربية قد اعتقلت يوم 26 ديسمبر (كانون الأول) 2019 الصحفي عمر راضي، بعد إدانته على نحوٍ متعجِّل، وأمضى راضي ستة أيام في السجن قبل إطلاق سراحه بكفالة. ومن المقرر أن تبدأ محاكمته في 5 مارس (آذار) 2020. فما هي جريمته وفقًا للسلطات؟ جريمته أنه كتب تغريدات قبل ستة أشهر انتقد فيها قاضيًا متورطًا في محاكمة نشطاء حراك الريف. وهذه التهمة الرسمية تثير علامات استفهام محيرة بالنظر إلى توقيت إدانة راضي.

وتتابع الكاتبة أنه من الممكن أن يكون السبب الحقيقي لاعتقال راضي، ليس «إهانة قاضٍ» قبل ستة أشهر، ولكن بسبب مقابلة أجراها مع محطة إذاعية جزائرية في 23 ديسمبر ناقش خلالها مصادرة النظام المغربي للأراضي القبلية.

نمط من القمع القضائي

وتقول الكاتبة: «إن النظام المغربي أظهر نمطًا من قمع الناشطين من خلال الإجراءات القضائية، وأحيانا بذرائع كاذبة. في الواقع يحاكم الناشطون المشهورون الذين ينظر إليهم النظام على أنهم منشقون – مثل راضي والصحافية هاجر الريسوني ومغني الراب سيمو كناوي – بشأن قضايا لا علاقة لهم بها، مثل الإجهاض المزعوم في قضية الريسوني، أو فيديو يُزعم أنه تضمن تحريضًا على العنف ضد الشرطة في قضية كناوي».

وأضافت أن عمر راضي لم يكن هو المغربي الوحيد الذي يلاحق قضائيًا بسبب حرية التعبير في 26 ديسمبر، ففي اليوم نفسه، حُكم على ناشط «اليوتيوب» محمد السكاكي (المعروف باسم مول الكاسكيطة) بالسجن لمدة أربع سنوات وغرامة قدرها 40 ألف درهم (ما يقرب من 4 آلاف دولار)؛ لاتهامه بإهانة الملك في عدة مقاطع فيديو على «يوتيوب».

وفي قضية مماثلة قُبض على محمد بن بودوح (المعروف باسم مول الحانوت) في وقت سابق من ديسمبر بمدينة تيفلت لانتقاده الملك على وسائل التواصل الاجتماعي. ومكان وجوده غير معروف حاليًا.

في نفس أسبوع اعتقال راضي والحكم على السكاكي، وتحديدًا في 23 ديسمبر، قُبض على عبد العالي باحمد، وهو شاب عاطل عن العمل، وعضو سابق في الاتحاد الوطني للطلاب المغاربة، بتهمة إهانة علم البلاد ورموزها وانتهاك سلامتها الإقليمية على وسائل التواصل الاجتماعي. وسبق أن اعتقل باحمد، الذي شارك في العديد من الاحتجاجات في الحسيمة وجرادة، في الماضي بسبب نشاطه السياسي.

«الراب» السياسي في المغرب.. لماذا يؤرق السلطة إلى هذا الحد؟

النشطاء والصحافيون والمحتجون يواجهون بالقمع 

ويواجه النشطاء والصحافيون الذين انتقدوا النظام قمعًا متزايدًا منذ انتفاضات 2011، لكنهم ليسوا وحدهم المستهدفين بهذا النوع من القمع. وعلى وجه الخصوص قوبلت احتجاجات الريف – التي حفزها موت محسن فكري وكانت ناجمة عن المصاعب الاقتصادية، واللامساواة الاجتماعية، والفساد الحكومي – بالقمع الوحشي.

وصدرت أحكام بالسجن لمدة 20 عامًا على منظمي الاحتجاجات، وطلب العديد من متظاهري الريف ​​اللجوء إلى أوروبا بعد تلقيهم استدعاءات للمثول أمام المحكمة. وبينما علق العفو الملكي العديد من أحكام الريف، لا يزال النشطاء البارزون في السجن.

وتتابع الكاتبة أن القمع القضائي للأصوات الناقدة لا يستهدف الناشطين فحسب، بل يستهدف أيضًا الشباب غير المسيسين.

على سبيل المثال حُكم على طالب في المدرسة الثانوية يبلغ من العمر 18 عامًا في مكناس بالسجن لمدة ثلاث سنوات في 19 ديسمبر؛ بسبب منشور على موقع «فيسبوك» استخدم فيه كلمات الأغنية المثيرة للجدل «عاش الشعب». إنه سيمو كناوي، مغني الراب الذي كتب الأغنية وأداها، ويقضي حاليًا عقوبة بالسجن بتهمة إهانة الشرطة في مقطع فيديو نُشر في أكتوبر (تشرين الأول).

ومع ذلك يؤكد محاميه أن الإجراءات القانونية التي تستهدف موكله كانت بسبب الأغنية المثيرة للجدل. كما قُبض على طالب ثانوي آخر يبلغ من العمر 18 عاما بالقرب من مدينة العيون في 29 ديسمبر 2019 لنشره أغنية راب على موقع «يوتيوب» ينتقد الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمملكة ويصف النظام بأنه ديكتاتورية. وحُكم عليه بالسجن أربع سنوات في 31 ديسمبر 2019.

إهانة علم الدولة ورموزها

وأردفت الكاتبة أن سياسة إسكات الأصوات المعارضة من خلال الإجراءات القانونية ليست ظاهرة حديثة. ففي 17 أكتوبر 2018 حكم على رجل الأعمال سفيان النكاد بالسجن لمدة عامين، وغرامة قدرها 20 ألف درهم (حوالي ألفي دولار) بتهمة التحريض على العنف العام، وإهانة علم الدولة، ورموزها، ونشر الكراهية.

كان النكاد كتب منشورًا على «فيسبوك» يدعو الناس للاحتجاج بعد أن أطلقت البحرية المغربية النار على زورق سريع للمهاجرين في 25 سبتمبر (أيلول) 2018؛ مما أدى إلى وفاة حياة بلقاسم البالغة من العمر 20 عامًا.

وفي العام السابق، في 4 أغسطس (آب) قُبض على المدون محمد تغرة في مدينة أولاد تايمة وحُكم عليه بالسجن لمدة 10 أشهر بتهمة التشهير الجنائي. ونشر تغرة تقريرًا بالفيديو عن فساد الشرطة (أجرى فيه مقابلات مع مواطنين محليين، وسألهم عن تجربتهم مباشرة في هذا الموضوع).

وحُكم على مصور الفيديو الخاص به، بدر الدين سكوات، بالسجن لمدة أربعة أشهر. وخفف الحكم الصادر بحق تغرة في وقت لاحق إلى أربعة أشهر، بينما جرى تعليق حكم سيكوات.

أسطورة الاستثنائية المغربية

وتابعت الكاتبة أن نمط القمع القضائي للنظام المغربي ربما يكون بمثابة مفاجأة للمراقبين الخارجيين الذين أشادوا برد فعل النظام على انتفاضات 2011، وما وصفه البعض بالاستثنائية المغربية. ويجادل هؤلاء المراقبون بأن المملكة احتوت الانتفاضة عن طريق التصرف على نحو استثنائي من خلال الإصلاحات الاستباقية وبفضل الشرعية المتأصلة (القبلية، أو الدينية، أو التاريخية).

وفي حين تلفت الكاتبة إلى أوجه التشابه بين المغرب والأنظمة الملكية العربية الأخرى فيما يتعلق بتعاملها مع الانتفاضات، إلا أن السبب الأكثر شهرة التي يُعزى إليه بقاء النظام المغربي هو زاوية تتعلق بما يسمى بالسلوك الإصلاحي.

لكنها ترى أن هذه الحجة تتجاهل العنف الذي وردت عنه تقارير ضد نشطاء 20 فبراير (شباط) وحركة الاحتجاج الأوسع، وتركز على التغييرات الإيجابية التي أدخلت على النص الدستوري في عام 2011.

أكذوبة السلوك الإصلاحي للنظام

غير أنه بعد ما يقارب 10 سنوات من انتفاضات 2011 دُحِضت هذه الحجة من خلال عدة أمور تتمثل في:

1. عدم وجود تغيير حقيقي داخل النظام السياسي.

2. المضايقات القضائية المتكررة من قبل السلطات للنشطاء.

3. قمع النظام المتواصل للمتظاهرين في الحسيمة وجرادة وأماكن أخرى.

4. التفريق الوحشي لقوات الشرطة للاحتجاجات المتناثرة عبر المراكز الحضرية.

التوقعات بالنسبة للمستقبل: وداعًا حقوق الإنسان!

ترى الكاتبة أنه ربما يحكم على عمر راضي بالسجن، وفي هذه الحالة قد يصدر عفو عنه أو تسقط التهم المنسوبة إليه بسبب رد الفعل الشعبي الناجم عن إدانته الجائرة. غير أنه فيما يتجاوز هذه الحالة الفريدة، يثير تدهور حقوق الإنسان في المغرب القلق.

لكن لن يكون لدى النظام المغربي، الذي لا يكترث بمنظمات حقوق الإنسان المحلية أو الدولية، أي حافز يذكر لوقف قمع المتظاهرين والناشطين مع استمرار الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي ألهمت الاضطرابات الشعبية الأخيرة.

في الواقع وفقًا للبنك الدولي فإن ربع المغاربة فقراء، أو معرضون لخطر الفقر، والفجوة بين الطبقات الاجتماعية والاقتصادية الأعلى والأدنى واسعة. ويبلغ معامل جيني (أي مؤشر عدم المساواة) في المغرب 40.9٪، مما يعني أنه لم يتحسن منذ عام 1999. وهذا هو أعلى معدل في شمال إفريقيا، باستثناء ليبيا التي تعيش مخاض حرب أهلية.

ويحتل المغرب أيضًا مرتبة أقل من جيرانه في مؤشر التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خاصة فيما يتعلق بالرعاية الصحية، والتعليم، والحصول على الكهرباء والمياه النظيفة.

علاوة على ذلك يعاني المغرب من ارتفاع معدلات بطالة الشباب، والتي بلغت 22٪ على الصعيد الوطني و43٪ في المناطق الحضرية في عام 2017.

وتقول الكاتبة: «إن هذه المشاكل الاجتماعية والاقتصادية تحفز اندلاع المزيد من الاضطرابات؛ مما يسبب تهديدًا للنظام. وهذا التهديد إلى جانب جهاز تنفيذي يفتقر إلى الشفافية، وانخفاض ثقة الشعب في الحكومة والأحزاب السياسية، سوف يؤدي على الأرجح إلى قمع غير نظاميّ».

غير أنه من غير المرجح أن يضع القمع المتزايد نهاية للاحتجاجات التي لا بد أن تتضاعف مع استمرار عدم المساواة الاجتماعية. وأي حملة قمع أخرى لن تؤدي إلا إلى تفاقم خيبة الأمل الكامنة لدى السكان، بحسب الكاتبة.

وتقترح الكاتبة أن يتخذ النظام خطوة ذكية تتمثل في تبني الحرية الحقيقية، فيما يواصل الكفاح من أجل إيجاد خطة تنمية تستهدف بشكل فعال التفاوتات الإقليمية والديموجرافية؛ لأن فتح المجال السياسي، وتمكين السلطة التشريعية، وتعزيز وحماية الحقوق المدنية والسياسية من شأنه أن يقطع شوطًا طويلًا نحو التقليل من السخط الشعبي تجاه الديناميات السياسية للمغرب.

توقعات بزيادة القمع 

وترجح الكاتبة أن لا يتخذ النظام المغربي هذه الخطوات بالنظر إلى حملاته ضد المتظاهرين والناشطين مؤخرًا. وبدلًا عن ذلك، ونظرًا لأن الوضع الاجتماعي والاقتصادي يثير المزيد من السخط، فمن المرجح أن يواصل النظام استهداف الناشطين والمتظاهرين من خلال الإجراءات القانونية وزيادة المراقبة.

وفي الختام قالت الكاتبة: إنه «مرت 10 سنوات على الربيع العربي، والفوضى الإقليمية – التي دفعت النظام المغربي يومًا ما إلى التعهد بتغيير حقيقي – ولت منذ زمن بعيد. وفي عام 2020 لن يرى النظام على الأرجح أي أسباب لتطبيق إصلاحات قد تفتح المجال السياسي، وربما تقلل من سلطاته. بل من المرجح أن يضاعف النظام من نمط القمع الذي يسير عليه للحفاظ على الوضع الراهن على حساب حقوق الإنسان».

«ميدل إيست آي»: 10 أسباب لاستمرار ملك المغرب 20 عامًا في الحكم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد