لقد ألهم الربيع العربي وتوابعه الكثير من النقاشات حول العقود الاجتماعية التي كانت تُحدِّد العلاقة بين المواطنين والدولة في العالم العربي. في الماضي كان العقد الاجتماعي التقليدي لدولة في الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا يتيح أن يُمنَح المواطنون الوظائف والخدمات العامة، ومن المفترض أن يُمنَحوا كذلك استقرارًا سياسيًّا، في مقابل تقييد الحريات المدنية التي قد تُستخدَم لتحدِّي اﻷنظمة الحاكمة. خلق التحوُّل السياسي بالمغرب مساحةً لتناول الحريات المدنية في الجدال حول العقود الاجتماعية الجديدة. استاء المغربيُّون لوقتٍ طويل، مثل الكثيرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا- من أنَّ المحاولات لممارسة الحريات المدنية بالكامل قد تتسبَّب في استجابات قاسية من الهيئات الأمنية والمحاكم. حصل النشطاء والصحفيون وحتى مغنِّيو الراب على نصيبهم من انتهاكات الحقوق على يد السُلطات الحكومية، ولكن يُحرَم العديد من المواطنين الآخرين من حقوقهم المدنية بصورةٍ ممنهجة نتيجةً للإجراءات الوقائية الضعيفة في قطاع العدالة.

تتركَّز النقاشات حول التضييق على الحريات المدنية في العقود الاجتماعية الجديدة أساسًا على انخراط المواطن، تنظر بصورةٍ كبيرة إلى الحق في الوصول إلى المعلومات، والشفافية، والاستشارات العامة. وكانت هناك نقاشات أقل حول جوانب أخرى رئيسة للحريات المدنية، أي الحماية من المعاملة السيئة على يد السُلطات الحكومية والحق في المحاكمة العادلة. كانت مثل هذه الحريات قبل الربيع العربي تُنتهَك غالبًا عبر استخدام الاعتقال، والاحتجاز التعسُّفي، والتعذيب، وأشكال أخرى من سوء معاملة المُحتجَزين، وطول فترة الاحتجاز السابق للمُحاكمة، وتحديد الحق في الحصول على المساعدة القانونية. لم يكُن التدخُّل السياسي في المحاكم من قِبل الفرع التنفيذي نادرًا، وكان من الممكن إرسال المدنيين إلى المحاكمة أمام المحاكم العسكرية التي تفتقد أكثر الإجراءات الوقائية للمحاكمة العادلة أساسيةً.

ألقى ميثاق إصلاح منظومة العدالة؛ الذي تبنَّته المغرب في 2013، الضوء لاحقًا على عددٍ من الفجوات في ممارسة الحريات المدنية، وخاصةً فيما يتعلَّق بالمحاكمات العادلة ومعاملة المُحتجَزين. وقد أشار مجلسها القومي لحقوق الإنسان إلى استمرار الانتهاكات التي يرتكبها طاقم السجن في حق المسجونين والمعاملة السيئة للأحداث في الحجز، كما كان يحدث في الماضي. حصلت المغرب على ترتيب سيئ في مقياس الحريات المدنية بـمؤشر الديمقراطية التابع لوحدة الاستخبارات الاقتصادية لعام 2014. وأسوأ الترتيبات التي حصلت عليها كان في مؤشر الحوكمة العالمي لعام 2013، في الصوت والمساءلة؛ والتي تشمل الحريات المدنية. ولكنَّها تُحقِّق ترتيبًا أعلى من المتوسط للدول متوسطة الدخل في مجموعة من مؤشرات الحوكمة العالمية الأخرى، بما فيها حُكم القانون وفعالية الحكومة، ممَّا يوحي بأنَّ الحكومة يمكنها أن تكون فعَّالة عندما تريد.

لقد اتَّخذت حكومة المغرب خطوات نحو تحسين الحريات المدنية، فقد جرَّم الدستور المُعتمَد عام 2011 ممارسات الاحتجاز والاعتقال التعسُّفي، والتعذيب وسوء المعاملة. كما حسَّن من الإجراءات الوقائية للمحاكمة العادلة ووضع أساس تجريم التعذيب والاحتجاز والاعتقال التعسُّفي. وتوسَّع اختصاص المجلس القومي لحقوق الإنسان ليسمح بالمزيد من المراقبة الفاعلة والتحقيق والتدخُّل الذي يتضمَّن حالات انتهاك الحريات المدنية. ووضع ميثاق إصلاح منظومة العدالة أهدافًا سياسية لتطوير الإجراءات الوقائية للمحاكمة العادلة ومعاملة المُحتجَزين، ولتحديد استخدام الاحتجاز السابق للمحاكمة. ومُنِعت محاكمة المدنيين في المحاكم العسكرية في يناير 2015.

هذه الإصلاحات حديثة نسبيًّا، ويظل مدى تطبيقها غير واضح، ولكن سُلِّط الضوء على الانتهاكات في المغرب خلال الأعوام الماضية من قبل تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان في المغرب لعام 2014، وفريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسُّفي، ومُقرِّر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية. فقد أشارت وزارة الخارجية الأمريكية على سبيل المثال إلى الممارسة المستمرة للاحتجاز والاعتقال التعسُّفي، والاستخدام المُفرِط للاحتجاز السابق للمحاكمة، والذي يكون غالبًا لفترات أطول من المسموح بها قانونًا، وهو ما حدث خلال عام 2014.

إنَّ ضمان شمول العقد الاجتماعي نطاق الحريات المدنية بأكمله هامٌ لعدة أسباب، ينبغي احترام الحريات المدنية باعتبارها مسألة مبدأ قانوني، فهذه الحقوق يُرسِّخها القانون الدولي، ويضمنها دستور المغرب ومعاهدات حقوق الإنسان الدولية التي وقَّعتها المغرب. تتكامل ممارسة المواطنين للحريات المدنية وحمايتها من قبل الحكومات مع تعزيز الحُكم الجيِّد، وانتهاك السُلطات الحكومية للحريات المدنية مع الإفلات من العقوبة عائقٌ قوي أمام ممارسة المواطنين لحقوقهم بصورةٍ كاملة.

كما ترتبط ممارسة الحريات المدنية بسلامة المواطنين وفعاليتهم، فسوء المعاملة من قبل الشرطة والسجن ومسؤولي الأمن يُقلِّل من سلامتهم وفعاليتهم، والتي تشمل صحتهم العقلية والبدنية، وتتأثر أسر المُحتجَزين، كما يُقوِّض الاحتجاز غير الضروري الفعالية؛ فأولئك المُحتجزون يُقيَّدون في ممارسة اتِّخاذ القرارات في حياتهم والتحكُّم فيها، ربما يدوم ذلك لما بعد فترة الاحتجاز، من حيث القدرة على الحصول على وظيفة وتعليم على سبيل المثال.

يفرض انتهاك الحريات المدنية تكاليف اقتصادية، فالاحتجاز الجائر يبعد الأفراد عن التوظيف، ويُقلِّل من الأصول المالية على مستوى الأسرة، يُحدِث هذا موقفًا خطيرًا على نحوٍ خاص في المغرب، حيث معظم المُحتجَزين من الرجال، وتظل مشاركة النساء؛ وخاصةً النساء المتزوِّجات، في القوى العاملة منخفضة، ويمكن تجنُّب الكثير من هذه التكاليف. يُمكن مقارنة مُعدَّلات الاحتجاز السابق للمحاكمة في المغرب (لكل 100,000 نسمة) مع دولٍ مثل المكسيك والبرازيل وكولومبيا وبوليفيا والسلفادور، والتي لديها جميعًا معدَّلات أعلى كثيرًا من جرائم القتل والجرائم العنيفة الأخرى، ويُثير هذا تساؤلًا عمَّا إذا كانت المغرب بحاجة إلى مثل هذه المعدَّلات العالية من الاحتجاز السابق للمحاكمة.

وأخيرًا، الفقراء أكثر عرضةً، على نحوٍ غير متناسب، للمعاناة من انتهاكات الحريات المدنية، والفقراء أكثر عرضةً للانخراط في الجرائم والاحتكاك بالشرطة والسجون والمحاكم، ويُحتجَزون قبل المحاكمات على نحوٍ أكثر تكرارًا لأنَّهم لا يستطيعون تحمُّل تكاليف المساعدة القانونية من محامٍ، ولا تحمُّل دفع رشاوى أو كفالة، ويفتقرون للعلاقات الشخصية اللازمة لفهم النظام القضائي، ولا يمكنهم الاعتماد على أنظمة المساعدة القانونية لضمان الحصول على محامين. ربما تدفع التكاليف الاقتصادية المُتكبَّدة الضعفاء نحو الفقر، أو تُفاقِم من ظروف الفقراء بالفعل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد