هاجم الكاتب البريطاني روبرت فيسك، «صمت» الساسة الأوروبيين على وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي داخل سجنه قبل أيام، واعتبره «تشجيعًا» لكل الطغاة في الشرق الأوسط على الإفلات من الحساب على خطاياهم.

وقال فيسك في مقال له بصحيفة «إندبندنت»، ترجمه «عربي21»: إن الصمت الأوروبي «المخزي»، لن يجعل «ابن سلمان ولا من هم على شاكلة الأسد، ولا أمراء الخليج والمليشيات في ليبيا ولبنان وسوريا والعراق، ترتعد فرائصهم خوفًا أو جزعًا، ناهيك عن أن ينال السيسي من ذلك شيء».

وفيما يلي الترجمة الكاملة لنص المقال الذي نشر بعنوان «ويصمت الغرب على موت رجل كان قد وصفه ذات يوم بأنه الأمل الأعظم للديمقراطية العربية»:

كم كان شجاعًا ردنا على وفاة محمد مرسي الفظيعة داخل القفص. لربما كان سيبعث على الضجر تكرار جميع كلمات الأسف والأسى والحزن، بل التقزز والرعب، وتعبيرات التنديد التي تخرق الآذان وهي تتوالى تعليقًا على موت رئيس مصر المنتخب الوحيد، داخل محكمة بمدينة القاهرة هذا الأسبوع. من داونينغ ستريت (مقر الحكومة البريطانية) من البيت الأبيض، من مقر المستشارة الألمانية إلى قصر الإليزيه – ودعونا لا ننسى البارليمونت (مقر المفوضية الأوروبية في بروكسيل) – حيث رجال وسيدات السياسة المفتخرون التابعون لنا. سيكون مرهقًا فعلًا التوقف عند كل واحد منهم والحديث عما شعروا به من حزن لموت مرسي.

«ريفي لم تبهره أضواء أمريكا».. محمد مرسي الذي لا نعرفه

لم يوجد شيء من ذلك على الإطلاق، لم يكن هناك سوى الصمت المطبق، لم تكن هناك همسة واحدة، ولا حتى تغريدة عصفور – أو تدوينة في حساب رئيس معتوه – ولا حتى كلمة أسف عابرة. كل أولئك الذي يزعمون أنهم يمثلوننا التزموا الصمت، لم ينطقوا ببنت شفة، وكانت أصواتهم محجوبة عن السمع تمامًا، كما كان مرسي في قفصه داخل المحكمة، صامتون تمامًا كصمته داخل قبره في القاهرة.

وكأن مرسي لم يعش، وكما لو أن شهوره القليلة في السلطة لم تكن، وهو الأمر الذي يريد عبد الفتاح السيسي – خصمه اللدود وسجانه السابق – أن تدونه كتب التاريخ.

إذًا فلنرفع القبعة ثلاث مرات أخرى تحية لديمقراطياتنا البرلمانية، التي دائمًا تنطق بصوت واحد ضد الطغيان. باستثناء حمار الأمم المتحدة العجوز (أنطونيو غوتيريس) وعدد قليل من قلاع الحرية القليلة المعروفة – تركيا، ماليزيا، قطر، حماس، الإخوان المسلمون في المنفى وكل من توجه له في العادة أصابع الاتهام – كانت ذكرى مرسي ولحظات حياته الأخيرة وكأنها لم تكن يومًا. كريسبين بلانت وحده هو الذي حاول أن يبقي ضمير بريطانيا على قيد الحياة، وكذلك فعلت تونس الصغيرة الشجاعة. وفي ذلك خير عميم.

صحيح أن مرسي كان الخيار الثاني لمنصب الرئيس – حيث إن الرجل الذي اختاره الإخوان ابتداءً مُنع من الترشح لأسباب فنية – كما أن من الصواب القول إن العام الوحيد الذي قضاه مرسي في الحكم كان مستوى الأداء فيه من الدرجة الثانية، غير ملهم، ومخيبًا للآمال، وفي بعض الأوقات عنيفًا، بل شابه في بعض الأوقات القليل من الطموح الدكتاتوري. كان كل حين يخرج من اجتماعاته الحكومية ليتصل برفاقه في الإخوان المسلمين طلبًا لنصحهم، ولا يمكن وصف ذلك بأنه إدارة شؤون الحكومة من قبل زعيم متميز.

لكنه لم يكن رجلًا سيئًا، لم يكن إرهابيًا، ولم يحتجز وراء القضبان ما يقرب من 60 ألف سجين سياسي كما فعل خلفه – الذي يُعد بالطبع «شخصًا عظيمًا» من قبل الشخص العظيم الآخر في البيت الأبيض.

لعل من المفيد ملاحظة كم كان التعامل مع مرسي مختلفًا بعد الانقلاب الذي دمره. لقد احتجز في حبس انفرادي، وحيل بينه وبين أن يتكلم مع أفراد عائلته المقربين، وحرم من الإسعاف الطبي. ولكم أن تقارنوا ذلك بالمعاملة التي لقيها سلفه حسني مبارك بعد عزله – العلاج الطبي المستمر داخل المستشفى والزيارات العائلية، والتعبير العلني عن التعاطف معه، بل حتى السماح له بإجراء مقابلة صحافية. أما مرسي فكانت كلماته الأخيرة، التي دافع فيها عن كونه ما يزال رئيس مصر الشرعي، فقد حيل بينها وبين أن تصل إلى مسامع الناس بفعل التصميم الميكانيكي للقفص الذي احتجز فيه، والذي لم تكن جدرانه الزجاجية تسمح بعبور الصوت.

لم يكن صمتنا الجبان والمخزي دليلًا فقط على الطبيعة الكئيبة التي جُبل عليها رجال الحكم في الغرب. بل كان تشجيعًا مطمئنًا لكل زعيم في الشرق الأوسط بأن سيئاتهم لن يحاسبهم عليها أحد، ولن يتوقف عندها أحد، وأن العدالة ستظل غائبة، وأن كتب التاريخ ستظل مهجورة. إن صمتنا – ودعونا نصارح بعضنا البعض في ذلك – لن يجعل لا من هم على شاكلة ابن سلمان، ولا من هم على شاكلة الأسد، ولا أمراء الخليج والمليشيات في ليبيا ولبنان وسوريا والعراق، ترتعد فرائصهم خوفًا أو جزعًا. ناهيك عن أن ينال ذلك شيئًا من السيسي.

ولكن نعم، لقد أصبح مرسي بالنسبة لملايين عديدة من العرب شهيدًا – ولكم أن تتصوروا أن الشهداء ليسوا بلا قضية. وليكن معلومًا أنه لا المحاكمات، ولا الإعدامات، ولا الاعتقالات الجماعية لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين، تلك التي تعدّ في عيني السيسي «منظمة إرهابية» (وكادت تصنف كذلك من قبل دافيد كاميرون لولا أن إمعاته الأمنيين حذروه من مغبة القيام بذلك) سوف تدمر الجماعة. ولكن هل يوجد هنالك رجال آخرون مثل مرسي على استعداد لأن يجازفوا بالموت داخل زنزانة السجن ثمنًا لمقاومة الإطاحة بهم؟ وكان مرسي نفسه قد أخبر أحد كبار مستشاريه، الطبيب والأكاديمي الكندي من أصول مصرية وائل هدارة، أنه يتوقع فيما لو نجح في توجيه مصر نحو المسار الديمقراطي أن يتعرض للاغتيال. وإذا ما أخذنا بالاعتبار ما تعرض له من معاملة سيئة وعزل ومحاكمات جائرة، فقد كان ذلك فعلًا مصيره.

يبدو أن الصحيفة الغربية الوحيدة التي أتاحت الفرصة لصديق من أصدقاء مرسي لكي يتحدث عنه هي صحيفة «واشنطن بوست»، ولها منا كل الإشادة، حيث سمحت لوائل هدارة بحيز طالب من خلاله أن تتعرض مصر للمساءلة بشأن موت الرئيس السابق. في لقاء أخير قبل أن يصبح رئيسًا في يونيو (حزيران) عام 2012، طلب هدارة من مرسي أن يوقع له على علم مصري.

وهذا ما كتبه مرسي حينها: «مصر التي تعيش في مخيلتي: مصر القيم والحضارة، مصر التنمية والاستقرار والحب، ورايتها دائمًا مرفوعة فوق رؤوسنا».

وأتساءل هنا ما إذا كان ذلك الرئيس المعتوه، أو أولئك الساسة الجهلاء في حزب المحافظين، لدى أي منهم مثل هذه البلاغة في التعبير أو القدرة على الوقوف مثل ذلك الموقف المشرف.

الرئيس الأسبق محمد مرسي.. 6 سنوات من «وقائع موت مُعلَن»!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات