كتب أوليفر كارول مراسل «الإندبندنت» في موسكو تقريرًا نشرته الصحيفة البريطانية حول المأزق الذي يواجهه ديكتاتور بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، وعلاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يصر على استكمال اندماج البلدين وفقًا لخطط الاتحاد المبرمة بينهما قبل أن تحصل بيلاروسيا على تخفيضات الغاز من روسيا، خاصة بعد تفاوضها على شراكة تجارية مع الصين. ويتعين على لوكاشينكو أن يزِن خياراته بدقة، خاصة وأن الاتجاه غربًا على غرار الخيار الأوكراني محفوف بالخطر.

منذ حوالي 25 عامًا انتخب ألكسندر لوكاشينكو رئيسًا في أول (وآخر) انتخابات ديمقراطية في بيلاروسيا. كان يبلغ من العمر وقتها 39 عامًا. ومنذ ذلك الحين لم تُجرَ أي انتخابات أخرى من هذا القبيل، ولم تشهد البلاد سوى حملات القمع، والاحتجاجات، وتعديل الدساتير، والاغتيالات المزعومة، وتأسيس نظام استبدادي وُصف بأنه آخر ديكتاتورية في أوروبا.

ولكن على مر السنين برع لوكاشينكو، الذي يبلغ من العمر الآن 65 عامًا، في كونه مناورًا ماهرًا قادرًا على البقاء؛ إذ كان يخرج من أزمةٍ تبدو وجودية ليقع في أخرى، وهكذا دواليك، غير أنه تمكن على الدوام من إيجاد طريقة للخروج من المفاوضات دون أن يلحق به أي ضرر، وكانت جرأته تتزايد بمرور الوقت، كما يشير كارول.

وازن لوكاشينكو بين روسيا وأوروبا، ودخل مع روسيا في «دولة الاتحاد»، التي يشار إليها أيضا باسم الدولة الاتحادية لروسيا وبيلاروس، لكنه رفض استضافة قواعد عسكرية روسية، أو الاعتراف بشبه جزيرة القرم، فيما استفاد من امتيازات النفط والغاز الضخمة التي تصل قيمتها إلى عشرات المليارات من الجنيهات من موسكو، ولكنه تفاوض في الوقت ذاته على شراكة تجارية منفصلة مع الصين.

ونتيجة لذلك تمكن لوكاشينكو من بناء بلده الذي يفتقر إلى الموارد على غرار نموذج مصغر للاتحاد السوفيتي، حيث يبدو أن كل شيء يسير على ما يُرام، وهو الحلم الفريد في مثل تلك المنطقة.

دولي

منذ سنة واحدة
«قيصر» إلى الأبد.. ما «حيل» بوتين للبقاء في السلطة بعد انتهاء ولايته؟

انتزاع المزيد من التنازلات

يستدرك الكاتب: غير أن هناك شعورًا متزايدًا بأن مفاوضاته مع فلاديمير بوتين ربما جعلت لوكاشينكو يقابل أخيرًا الرجل الذي يشبهه. فلم تكن علاقة الرجلين سلسة أبدًا حسب ما هو مشهور، ولكن في الآونة الأخيرة أصبحت العلاقة بينهما باردة إلى حد بعيد؛ إذ يسعى بوتين إلى انتزاع المزيد من التنازلات من حليفه غير الموثوق به.

Embed from Getty Images

في مؤتمره الصحافي السنوي يوم الخميس،د بدا أن الرئيس الروسي يصدر إنذارًا. وقال: إن بيلاروسيا لن تحصل على تخفيضات على الغاز طالما لم «يكتمل تدشين الاتحاد». بعبارة أخرى: إما أن يوافق لوكاشينكو على الاندماج الوثيق مع روسيا، وهي خطوة لا تحظى بشعبية، أو يواجه فقدان الدعم واحتمال حدوث انهيار سياسي في الداخل.

أدت المحادثات التي جرت في سان بطرسبرج نهاية الأسبوع الماضي إلى طريق مسدود حسبما كان متوقعًا، وواجه خلالها لوكاشينكو تحديًا يبدو مستحيلًا، على حد وصف كارول.

«لا يلومنّ لوكاشينكو إلا نفسه»

ربما الرجل الوحيد الذي ليس لديه أي تعاطف مع مأزق لوكاشينكو هو ميكولا ستاتكيفيتش، المرشح الرئاسي السابق الذي أمضى ثماني سنوات من العشرين عامًا الماضية خلف القضبان وفق رغبة لوكاشينكو.

وفي حديثه مع صحيفة «الإندبندنت» في مينسك يوم الجمعة، قبيل مظاهرة احتجاجية ضد الدولة الاتحاد، قال ستاتكيفيتش: إن رجل بيلاروسيا القوي لا ينبغي أن يلوم أحدًا إلا نفسه بعد «مقايضة» سيادة البلاد مقابل النفط والغاز.

وكان الرئيس لوكاشينكو يتجه نحو «كارثة»؛ لأنه أغلق كل أبواب الإصلاح في بلاده؛ بحسب قول ستاتكيفيتش، والذي أضاف أنه «إذا فعل ما أعتقد أنه سيفعله، فإن مصير القذافي سيبدو رحيمًا مقارنةً بالمصير الذي ينتظره. ذلك أن لوكاشينكو لديه العديد من الأعداء، والكثير من الناس الذين تجرَّعوا كراهيته بصبرٍ لسنوات».

«حيل قذرة» للتخلص من المعارضين

كشف زعيم المعارضة أيضًا يوم الخميس عما أسماه محاولة «تسميم». وقال لصحيفة «الإندبندنت» إنه عانى من حساسية حادة مفاجئة أدت إلى تورم حلقه وصعوبة في تنفسه. وقال إن زوجته، وهي طبيبة، كانت لحسن الحظ قريبة منه لإعطائه حقنة مضادة للحساسية، حتى هدأ التورم.

Embed from Getty Images
أليكسي نافالني، أبرز زعماء المعارضة في روسيا

واعترف ستاتكيفيتش أنه كان حادثًا غريبًا. ولم يكن متأكدًا كيف ومتى جرى تسميمه، لكنه لم يكن السياسي المعارض الوحيد في بيلاروسيا الذي يعاني من مثل هذه الأعراض الغريبة؛ إذ أبلغ أليكسي نافالني، أبرز زعماء المعارضة في روسيا، أيضًا عن تجربة مماثلة حدثت له في وقت سابق من العام الجاري. وقال: «لا أؤمن بالمصادفة. كان هذا بمثابة تحذيرٍ مقصود».

نفى الرئيس لوكاشينكو تورطه في مثل هذه الحيل القذرة في التعامل مع المعارضين. وفي مقابلة مع «الإندبندنت» عام 2012 وصف نفسه بأنه «ديمقراطي» يقدر «الحرية الشخصية»، ولكن تظل الحقيقة أن بعض منافسيه سجنوا لفترات طويلة من الزمن، أو اختفوا، أو أُجبروا على الذهاب إلى المنفى.

في الأسبوع الماضي أعلن يوري جارافسكي، وهو ضابط سابق في القوات الخاصة البيلاروسية، عن مزاعم مثيرة بأنه شارك في عمليات خاصة لاغتيال منافسي لوكاشينكو قبل عقدين من الزمن.

وقال ستاتكيفيتش: إن «الكشف عن هذه الأمور لم يكن مفاجئًا لقادة المعارضة مثله». وقال: إن جارافسكي كان «بلا شك» يقول الحقيقة.

إضعاف موقف بيلاروسيا التفاوضيّ

لكن التقارير التي جاءت عشية المحادثات بدت كما لو أنها تستهدف عن عمد إضعاف موقف الرئيس البيلاروسي التفاوضي.

وقال ستاتكيفيتش: «ربما مَن وضعه في هذا الموقف هم: المتعاطفون الروس داخل الحكومة البيلاروسية، أو ربما الكرملين».

ومستوى الدعم للمعارضة البيلاروسية داخل البلاد غير واضح؛ إذ يختار العديد من أبناء البلاد الابتعاد عن السياسة لأسباب متفهمة، لكن في الوقت نفسه هناك إشارات على أن هذا الوضع ربما يشهد تغييرًا.

في عام 2017 أدت خطة – مثيرة للجدل – لفرض رسوم على العاطلين عن العمل بسبب «الضريبة المفقودة» إلى احتجاجات جماعية، كما أدت إلى تطرف جزء من السكان على الأقل. وزاد القلق بشأن احتمال الاندماج مع روسيا من المخاطر بصورة أكبر.

وخطط إقامة دولة مشتركة بين بيلاروسيا وروسيا هي ميراث حقبة مختلفة تمامًا. والخطط التي وُقِّعَت في منتصف التسعينات كانت بمثابة تعبير عن وجود علاقة وثيقة بين لوكاشينكو والرئيس الروسي المريض بوريس يلتسين، اللذين توخيا دمج القواعد المالية، والمؤسسات الوطنية، وحتى العسكرية. ولكن هذه الخطط لم تنفذ بالكامل أبدًا.

ظرفان تآمرا ضد طموحات لوكاشينكو 

يبدو أن لوكاشينكو تخيل يومًا ما أنه ربما يكون له دور على قمة الدولة العظمى. لكن هناك ظرفين تآمرا للعمل ضد هذا الاحتمال: أولهما احتجاجات المعارضة في عامي 1999 – 2000، والتي تعامل معها بواقعية، لكنها أضرت بسمعته، وثانيهما صعود فلاديمير بوتين في موسكو. ولا يمكن أن يجتمع مثل هذين الشخصين القويين على القمة.

يتكهن البعض بأن بوتين ربما يتطلع الآن إلى رئاسة الدولة العظمى الموحدة لتكون وسيلته للبقاء بعد انتهاء فترة ولايته الدستورية في عام 2024.

وأكثر من ذلك يتكهن البعض بأن بوتين ربما يتطلع الآن إلى رئاسة الدولة العظمى الموحدة لتكون وسيلته للبقاء بعد انتهاء فترة ولايته الدستورية في عام 2024. حتى لو كان هذا صحيحًا فإن مثل هذه الاعتبارات تلعب دورًا ثانويًا في الجغرافيا السياسية.

«روسيا تقول إنها دولة شقيقة، لكنها لم تكن شقيقة وودودة مع أوكرانيا»

وقال أرسن سيفيتسكي، مدير مركز دراسات السياسة الخارجية والإستراتيجية، وهو مركز دراسات مقره مينسك: إنه على الأرجح «أثر جانبي» عارِض. بدلًا عن ذلك كان الأساس المنطقي وراء الابتزاز الروسي القوي هو إبقاء بيلاروسيا – أقرب حلفائها – «داخل مدار يسهل التحكم فيه».

وقال سيفيتسكي: «يرى مجتمع الاستخبارات الروسي تهديدًا يتمثل في احتمالية أن يميل مينسك نحو أوروبا؛ ما سيجعلهم يواجهون المشكلة ذاتها التي واجهوها في أوكرانيا في عام 2013». مضيفًا أن «موسكو تتصرف تصرفًا وقائيًا من وجهة نظرها. إنها تريد أن يكون لديها أدوات مؤسسية للتحكم في الأمور إذا ما خرجت عن السيطرة».

واعترفت مجموعة مكونة من قرابة 200 شخص، شاركوا في احتجاجٍ ضد إقامة اتحاد أوثق مع روسيا يوم الجمعة، بأن السيناريو الأوكراني هو أكثر ما يخشونه.

وقالت سفيتلانا كوفالينكو: (40 عامًا) وهي خبيرة اقتصادية: إن «روسيا تقول إنها دولة شقيقة، لكنها لم تكن شقيقة وودودة مع أوكرانيا».

وأضافت: «لكن ربما لن يحتاجوا إلى الدبابات معنا. ربما سيبتلعون بلدنا ببساطة عبر التوقيع تدريجيًا على وثائق».

عربي

منذ 3 شهور
«واشنطن بوست»: حرب إقليمية قد يشعلها التدخل الروسي في ليبيا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد