كتب المؤرخ والباحث في الشؤون الإسلامية، ماليز روثفين، مقالًا بمجلة »فورين أفيرز» الأمريكية يحاول فيه استشراف مستقبل الإسلام السياسي في إطار الأحداث الجارية التي تمر بها المنطقة.

بدأ روثفين مقاله بالإشارة إلى الهجوم الذي قام به مجموعة من الجهاديين على مقر الجريدة الفرنسية «شارلي إيبدو» في شهر يناير (كانون الثاني) 2015 حيث قُتل 12 شخصًا جراء هذا الهجوم. شبك قادة أوروبا أذرعهم وقادوا مظاهرة مليونية عبر العاصمة الفرنسية وهم يصيحون «أنا شارلي» في إشارة إلى تضامنهم مع ضحايا الهجوم وازدرائهم لقتلتهم.

المسلمون حول العالم أيضًا أدانوا الهجمات، وكذلك عدد من المنظمات الإسلامية، بما فيها المنظمة الأكثر تأثيرًا ربما، الإخوان المسلمون المتمركزة في مصر، والتي نشرت بيانًا على موقعها باللغة الإنجليزية تدين فيه «الهجوم الإجرامي» وتؤكد أن «الإسلام الحقيقي لا يشجع العنف».

لم يؤيد جميع منتسبو الجماعة هذه الرسالة، فبعد شهر من الهجمات، أخبرت ناشطة تعمل بجماعة الإخوان المسلمين في تركيا شادي حامد، وهو خبير في الإسلام السياسي، أخبرته أنها لم توافق على قرار المنظمة بإصدار هذا البيان. فمثل الكثير من الإسلاميين، فإنها عارضت هجمات باريس، ولكنها شعرت أن الإسلاميين يجب عليهم الامتناع عن إدانته بصوت عال، لأن القليل في الغرب هم من اعترضوا حينما قامت قوات الأمن المصرية بقتل 800 من أعضاء جماعة الإخوان كانوا يتظاهرون سلميًا بالقاهرة في أغسطس (آب) 2013، «إن دماءنا تزهق ليلًا ونهارًا ولا يعيرنا أحد أي انتباه»، قالت «إن دماءنا مباحة لكن دماءهم ليست كذلك، إن ميزان العالم قد اختل».

إن هذا الشعور باختلال الموازين يسيطر على المنظمات الإسلامية بكافة أشكالها. حيث يُنظر إليهم على أنهم هم المعتدون، في حين يرون أنفسهم هم الضحايا، يُدانون بعدم التسامح بينما يشكون من عدم التسامح مع آرائهم. المؤكد هو أنه حتى بعد 15 عامًا من كون التداخل بين الإسلام والسياسة موضوعًا أساسيًا في الشؤون الدولية، لا تزال الإسلاموية غير مفهومة إلى حد كبير، خاصة في الغرب.

يعرض روثفين كتابين جديدين يتعرضان لهذا الموضوع، فعبر النظر إلى الأزمة التي تعصف بالشرق الأوسط ودراسة دور الإسلام فيها، نجح الكتابان في شرح المعضلات والتناقضات والارتباك الذي يواجه الفاعلين السياسيين في المنطقة الأكثر تأججًا في العالم، على الرغم من اعتبار كل كاتب منهما لعوامل مختلفة.

شادي حامد، وهو مصري أمريكي وباحث قدير بمؤسسة بروكنغز البحثية والذي عمل مديرًا للبحث بمركز المؤسسة في قطر لعدد من السنوات، يبني نظريته حول «الخصوصية الإسلامية» حول سؤال محدد وهو: هل من الضروري للإسلام أن يجري نفس الإصلاحات التي عبرها استطاع الغرب إخضاع الكنيسة لمبادئ التنوير، مثل حرية التعبير والحرية الدينية والفكرة بأن سيادة القانون يجب أن تنبع من الإرادة العامة، لتنتقل الدول ذات الأغلبية المسلمة إلى دول تتمتع بالديمقراطية الليبرالية؟ أم يستطيع العالم الإسلامي الوصول إلى نوع من الديمقراطية الإسلامية باتباع طريق آخر، حيث تظل للإسلام مركزيته كدين شخصي ومسار للحياة العامة كذلك، حتى لو تعارض هذا مع مبادئ التنوير؟

يرى حامد أن السيناريو الثاني هو الأكثر قابلية للتحقق. في رأيه فإن السياسة متكاملة مع الإسلام أكثر بكثير منها مع المسيحية – والتي اعتمدت تقليديًا على التفرقة بين الله والقيصر للفصل بين ما هو مقدس وما هو أرضي – ولذلك فإن العالم الإسلامي، غالبًا، لن يشهد إعادة لرحلة الغرب إلى الليبرالية والتي اعتمدت على الفصل بين الكنيسة والدولة.

أما الكاتب الآخر هو طارق عثمان، وهو كاتب مصري ومذيع يعرفه مستمعو الراديو البريطانيون من خلال سلسلته «صناعة العالم العربي الحديث» التي بثتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في 2013. في كتابه، يتطرق عثمان إلى نفس القضايا التي تطرق إليها حامد، ولكن على العكس منه، يرى عثمان الإسلاموية عبر عدسة اجتماعية حيث يُعرفها بأنها ساحة معركة اجتماعية حول الهوية وأطر المرجعية ودور الدين وطبيعة الحكم ومعنى أن يكون الإنسان عربيًا، تركيا أو فارسيًا.

على الرغم من كون طريقة عثمان أكثر دقة، إلا أن مقاربة حامد تقدم رؤية أكثر وضوحًا. عبر استكشاف منشأ مبادئ التنوير والتشكيك في ادعاء عالميتها، يرى حامد أن الإسلام يختلف اختلافا رئيسيًا عن المسيحية وأن هذا الاختلاف له آثار كبيرة على المستقبل ويضيف:

«إن هذا الادعاء، بحق، مثير للجدل بل وحتى للقلق، خاصة في إطار ارتفاع المشاعر المضادة للإسلام في الولايات المتحدة وأوروبا. ولكن «الخصوصية الإسلامية»، ليست جيدة أو سيئة، إنها فقط موجودة، وعلينا أن نفهمها ونحترمها، حتى ولو كانت مضادة لآمالنا وتفضيلاتنا»

مشاهدة القاهرة من تونس

يتابع روثفين مشيرًا إلى أنه على الرغم من أن الكاتبين سالفي الذكر توغلا في التاريخ الإسلامي، إلا أن اهتمامهما الأساسي كان منصبًا على التطورات الجارية – وخاصة فشل الثورات العربية بين عامي 2010 – 2011 في إنتاج ما يسميه حامد «نظام سيأسى شرعي مستقر». هذا الفشل أدى إلى عودة التراكيب المستبدة وفى نفس الوقت أدى إلى فتح مساحة لأشكال أكثر تطرفًا من المقاومة، مثل العنف الجهادي لما يُعرف بالدولة الإسلامية أو داعش. أظهر حامد اهتمامًا خاصًا بالنزاعات التي وضعت الإسلاميين في مواجهة العلمانيين عقب الثورات التي قامت في مصر وتونس والتي أدت إلى سقوط نظامي مبارك وبن على. حيث أنه بعد أن أطاحت بقادتها المستبدين عبر حركات شعبية، قامت كلتا الدولتين بانتخاب حكومات يسيطر عليها إسلاميون. ولكن عند هذه النقطة، اختلفت طريقاهما (الإسلاميين والعلمانيين) – بالرغم من أن هذا الاختلاف لم يكن كبيرًا كما قد يبدو.

في صيف 2013، قام الجيش المصري بالإطاحة بالرئيس الإسلامي المنتخب، محمد مرسى. بعدها، حاز الجنرال عبد الفتاح السيسي الرئاسة وأشر على عودة الحكم الاستبدادي. وقد سُبق الانقلاب العسكري بمظاهرات واسعة – ربما الأكبر في تاريخ مصر – والتي نظمتها حركة «تمرد»، الحركة التي قادها الليبراليون والعلمانيون لما رأوه خطة الرئيس مرسي لأسلمة المجتمع المصري وقام الإعلام المصري بتغذية هذا الشعور، كما يقول عثمان «عشرات المقالات لكبار الصحافيين وصفت الطريق إلى أن نصبح أفغانستان». فنانون وناشطات نسويات بارزات اتهمن الإسلاميين بالنظرة الدونية للنساء: «يروننا على أننا مجرد أشياء جنسية»، «إنهم يفكرون بنصفهم الأسفل». بعضهم أقسم بالنضال من أجل حق المصريين بأن لا يُحكموا من قبل «الأئمة» حتى ولو جاء هؤلاء الأئمة عبر صناديق الانتخابات.

علاء الأسواني، ربما أشهر روائي في مصر والعالم العربي، حذر في سلسلة من المقالات من أن الإسلاميين يستخدمون الشعارات الدينية لإقناع الطبقات الوسطى والدنيا وفقراء الريف، أن كونك مسلما صالحا يعنى أن تدعم أجندة متحفظة مضادة لما لمصر من هوية قديمة جميلة متنوعة.

يرى عثمان هذا الاستقطاب، الذي هللت له وسائل الإعلام ذات الصلات الوثيقة بمجموعات النفوذ من عهد مبارك، يراه كان أساسيًا لنزع الشرعية الشعبية عن حكومة مرسي، والتي كانت تعاني بالفعل من انهيار الاستثمارات الأجنبية والسياحة. هُيئت الساحة للانقلاب بعد أن رد مرسي على هذه التحديات بإصدار إعلان دستوري يمنحه سلطة غير محدودة لإصدار التشريعات ومنح قراراته الرئاسية حصانة مسبقة من المراجعة التنفيذية والقضائية.

في تونس، حدث صراع مشابه بين القوى الإسلامية والليبرالية بعد أن تمت الإطاحة بالرئيس الديكتاتور زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011. طالما استفادت النخب المتعلمة والطبقات الوسطى العليا من حكم بن علي وكانوا بالطبع معارضين لحركة النهضة الإسلامية، التي لطالما كانت محرمة ثم صعدت فجأة والتي فازت بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات أكتوبر سنة 2011 وشكلت حكومة ائتلافية مع اثنين من الأحزاب التي لها ميول يسارية. على الرغم من أن تونس ظلت أهدأ من مصر خلال فترة الحكومة الإسلامية، ولكنها شهدت نفس مستوى الاستقطاب. اشتعلت المواجهات بين الإسلاميين ومختلف المجموعات العلمانية والتي تراوحت بين شباب الناشطين، والذين كانوا هم من بدأوا المظاهرات، إلى بقايا نظام بن علي. كذلك واجهت حكومة النهضة سلسلة من الإضرابات العامة والتي قامت بها الاتحادات العمالية ذات الميول العلمانية. وفي 2013 اندلعت مظاهرات كبيرة بعد اغتيال اثنين من قادة المعارضة وهما شكري بلعيد ومحمد البراهمة والذي تم إلصاقه بالإسلاميين المتشددين. وأخيرًا انحلت هذه الأزمة السياسية فقط بنزول تحالف النهضة عن الحكم واستبداله بحكومة تسيير أعمال في أكتوبر سنة 2013.

ربما كان المحفز الأساسي لقرار النهضة هو مشاهدتهم أحداث الانقلاب في مصر. كما أن نائب النهضة أخبر حامد بأنهم شديدو الأسف لما حدث في مصر، ولكنه أدى إلى نتيجة إيجابية نوعًا ما لقواعدهم، حيث رأوا كيف أدى إصرار الإخوان على العمل المنفرد إلى خسارة على المدى البعيد. وقد رأوا أن بقاءهم في المشهد السياسي مرهون بضمان الديمقراطية.

بالإضافة إلى حل تحالفها الحاكم، أظهرت النهضة كذلك مقاربة متسامحة خلال صياغة الدستور الجديد والتي بدأت في 2011 واستمرت تحت حكومة تسيير الأعمال. قام الإسلاميون بقبول حل وسط في عدد من القضايا الضرورية، فقد أسقطوا طلبهم بتجريم الهرطقة، وجعل الشريعة الإسلامية مصدر التشريع، وإعطاء الرجال الحق في الزواج بأكثر من امرأة واحدة. كانت هذه تنازلات كبيرة وقد ضحت بعناصر أساسية للأجندة الإسلامية. الأكثر من ذلك، كان هناك دعم شعبي كبير في تونس لجعل الدين أكثر مركزية في الحكم. ففي 2014، قام مركز بو البحثي باستطلاع للرأى أظهر أن أكثر من نصف التونسيين يعتقدون أن قوانين الدولة يجب أن تتبع مبادئ وقيم الإسلام، وكذلك فإن 30 % من المشاركين اتخذوا موقفًا أكثر تشددًا ووافقوا على أن القوانين يجب أن تتبع وبصرامة تعاليم القرآن.

لكن يبدو أن النهضة مصممة على الحفاظ على الانتقال إلى الديمقراطية حتى لو عنى هذا الفصل بين الدين والحكومة، ففي اجتماع للحزب في مايو، قرر الأعضاء وبأغلبية ساحقة بفصل الشؤون السياسية للحركة عن أنشتطها الدينية والاجتماعية.

من ضمن الدول الشرق الأوسطية الحديثة، ربما تمتعت تونس بوضع فريد من نوعه. فقد شهدت فترات طويلة من الحكم العلماني تحت حكم مؤسسها الأول الحبيب بورقيبة ومن بعده بن علي. تونس أيضًا تتمتع بوجود قائد إسلامي ذي مستوى فكرى نادر مثل راشد الغنوشي، مؤسس حركة النهضة ومرشدها. يبدو أن الغنوشي توصل إلى أن بقاء حركته وربما بقاء الإسلام يعتمد على الفصل بين المسجد والدولة. كما يرى حامد أن مشروع الحركات الإسلامية الأساسي، مثل حركة النهضة، هو التوفيق بين الشريعة الإسلامية والدولة القومية الحديثة، الصفقة التي يرى حامد أن الدولة القومية هي الطرف الذي سوف يحظى بالجانب الأكثر حظًا منها. وهذا لأن النظام الدولي للاعتراف بالدول الحديثة، هو بطبيعته يدفع إلى العلمنة وبذلك يدفع الإسلاميين إلى الحد من طموحاتهم.

يتابع روثفن بأن هذا لم يحدث في مصر بالطبع، وأنه ربما يمكننا أن نعزو الفارق بين النتيجة في الدولتين إلى الفارق بين صفات قادة الإسلاميين بهما. ففي مصر حاول مرسي استخدام الرئاسة وجهاز الدولة لمواجهة خصومه الليبراليين. ولكن في تونس، على العكس، رأى الغنوشي أن حركته يمكنها النجاة فقط عبر القبول بالحلول الوسط.

عصور التطرف

إن مقاربة النهضة البراجماتية والتدرجية تجري عكس المزاج الديني لكثير من الإسلاميين الذين انضموا إلى أمواج الجهاد التي تفيض إلى العراق وسوريا، في الحقيقة، قد لا تكون مصادفة أن تونس هي واحدة من أكبر ممدي الجهاديين إلى هاتين البلدين. إن تسامح النهضة خارج إطار التيارات التبشيرية والطوباوية التي تسبح خلال الفكر الإسلامي اليوم، معتمدة على الإيمان بأن كلمة الله التي أوحاها إلى النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – في القرآن، مقدر لها أن تظهر على بقية النسخ المحرفة من الوحي المتمثلة في الكتب المقدسة لليهود والنصارى. إن المشاكل العقدية التي يمكن أن تثيرها هذه الرؤى المتطرفة، يمكن التعامل معها من خلال النقاش المعقد بين المتخصصين، ولكن القوى الاجتماعية التي يطلقها الحماس الديني لا تزال تثبت أنها عصية على الاحتواء.

يتابع روثفين أن الإسلام السني يعاني من مشكلة حادة خاصة والتي تنبع مما أشار إليه في موضع آخر بـ «جدال الانتصار البائن»، الفكرة أن الحقيقة المطلقة للقرآن وصدق دعوة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – قد تم إثباتها بنجاح الفتوحات العربية في الشرق الأوسط عقب وفاة النبي سنة 632. هذه الرؤية التي تكونت خلال قرون الهيمنة الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وجدت أنه من الصعب القبول بالواقع غير المستساغ بأنه خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، كان كل جزء من العالم الإسلامي، تقريبًا، يقبع تحت حكم النصارى – وفى حالة واحدة خاصة اليهود – الذين كان يجب لعقائدهم أن تُغلب بعقيدة الإسلام الخاتمة.

يبدي روثفن إعجابه بالطريقة التي استطاع بها عثمان تحديد كيف أن الفجوة بين الرؤية الإسلامية بالسيادة من جهة وواقع قهر المسلمين من جهة أخرى، قد أشعل في الدوائر الإسلامية مزيجًا من الغضب والنوستالجيا وخيبة الأمل من البراجماتيين أمثال الغنوشي. وبالرغم من أن غالبية الإسلاميين قد قبلوا حقيقة الدولة القومية الحديثة، يشير عثمان إلى أن معظمهم لم يتخلّ عن مفهوم سيادة الإسلام وتفوقه على أي إطار ديني أو إنساني آخر. هذا يعني أن تحت هذا القبول بالمواطنة والقومية العلمانية كأساس لانتماء أي فرد إلى مجتمع ما، تقبع فكرة أن أي نظام اجتماعي أو سياسي غير إسلامي هو مهدد بحالته الدونية أو الساقطة.

يكمل عثمان بقوله إن لغة النهضة الرسمية تلتزم بذكاء باللغة الدارجة لأي حزب يعمل في ديموقراطية علمانية، ولكن ليس من الواضح إلى متى ستنجح في المداومة على الموقف في مواجهة حقيقة أن الأفكار السلفية الجهادية أستطاعت أن تنتشر إلى مناطق كبيرة جدا في العالم الإسلامي. ويكمل بأنه بالنظر إلى الاضطهاد الذي عاناه أعضاء النهضة قبل 2011، فإن النهضة قد حقق أفضل ما يمكن تحقيقه خلال فترة قصيرة من الزمن.

ولكن، ما تزال لغة الحركة الشكلية وإنجازاتها المتواضعة شاحبة بالمقارنة مع اللغة القوية والتطلعات الكبيرة للإسلاميين الأكثر تشددًا مثل عالم الدين المصري المؤثر الشيخ يوسف القرضاوي. في تحليلهم للمشاكل التي تواجه المسلمين، يميل القرضاوي وأمثاله من الإسلاميين المتشددين إلى اختصار قرن ونصف من التفاعل المعقد بين الدولة والإسلاميين إلى مواجهة بين الإسلام والعلمانية. حيث يرون الاستقطاب المجتمعي والهويات المتضاربة والرؤى المتعارضة للأمن القومي والتحديات الاقتصادية مجرد قضايا ثانوية، فالقرضاوي وغيره يفضلون رواية ترى صعود وسقوط «الإسلاميين» في الإطار التاريخي الأوسع، حيث كان سقوط الخلافة العثمانية على يد كمال أتاتورك عقب الحرب العالمية الأولى إنما هو «إسقاط لحكم الله».

هذا الشعور بكونهم الضحية وبالخسارة يحدد أيضًا رؤية خليفة داعش – الذي نصب نفسه – أبو بكر البغدادي. في خطبة مسجلة التي نشرت على الانترنت السنة الماضية، حث البغدادي المسلمين على ترك «دار الحرب» – وهو مصطلح يطلق على كل بلاد الكفار بما فيها البلاد التي يحكمها حكام المسلمين – والانضمام إلى «الدولة الإسلامية» والتي هي – دار الإسلام – الحقة الوحيدة. وأعلن البغدادي «نحن ندعوكم إلى ترك حياة الذل والهوان والاستضعاف والخسارة والفراغ والفقر، إلى حياة العز والشرف والاحترام والقيادة والغنى»، واعدًا المتطوعين الجدد «نصر من الله وفتح قريب».

المشكلة الإيرانية

كيف يمكن للعالم الإسلامى أن يخرج من اللعنة المزدوجة للحكم الاستبدادي العلماني والتطرف الديني؟ يبين روثفين كيف يتحدى حامد الفكرة بأنه لابد للإسلام من القيام بنفس الإصلاحات التي قامت بها المسيحية من قبل، فكما يرى حامد فإن «الدروس المستفادة في أوروبا» ليست بالضرورة قابلة للتطبيق في الشرق الأوسط.

يشير روثفين إلى غياب حالة واحدة مثيرة للاهتمام من دراسة حامد، وهي حالة إيران، والتي يراها كانت أوضح اختبار للإسلام السياسي طيلة 40 سنة. يدعي حامد أن إيران تقع خارج نطاق دراسته حيث يرى أن الأفكار التي قامت عليها الثورة الإيرانية هى ابتكارات شيعية حديثة نسبيًا، بينما تهتم دراسته بالعالم السني فقط. ولكن يرى روثفين أن حامد قد بالغ في تقدير هذا الفارق بين السنة والشيعة، وأنه من المشكوك فيه أن تصمد نظريته عن «الخصوصية الإسلامية» إذا ما حاولت تحليل الحالة الإيرانية.

يكمل روثفين، أنه في إيران والتي تعتبر الدولة الوحيدة التي تتمتع بحكومة إسلامية، فإن الحكم الديني قد أدى إلى انحدار شديد في مستوى الالتزام الديني، ففي 2011، رثت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي الإيرانية هذه الحالة، فبعد 30 سنة من الحكم الثيوقراطي، بات ثلاثة بالمائة فقط من الإيرانيين يحضرون صلاة الجمعة، وقد كان هذا الرقم يصل إلى 50% قبل قيام الثورة. ومع هذا فإن المجتمع والحكم الإيراني لم يتحرر بأي شكل من الأشكال، فالحكومة الدينية تقمع المعارضة بالداخل وتدعم الميليشيات بالخارج مثل حزب الله اللبناني. يشكل هذا مشكلة لنظرية حامد بأن الإسلام السياسي يمكنه أن يتحول إلى نوع من «الديمقراطية الإسلامية». يضيف روثفين أن نظرية حامد هذه كانت من الممكن أن تكون أكثر إقناعًا لو أن الدولة الإسلاموية الأهم في العالم قدمت دليلًا أقوى على هذا الاحتمال.

يرى روثفين، أن هناك طريقة أخرى لدحض فكرة أنه لابد للإسلام من اتباع نفس طريق الإصلاح الأوروبي إلى الحداثة، وهي بالإشارة إلى أن أوروبا نفسها لم تتبع ذلك الطريق حقًا – على الأقل ليس كما يتم وصفه دائمًا -. إن التنوير لم يكن فقط نتيجة للإصلاح الديني ولكنه كان أيضًا نتيجة لقرون من الصراع الديني العنيف، والتي أدرك بعدها العقلاء من الناس أنهم لم يكونوا يحسِنون حياتهم بقتل بعضهم بعضًا باسم الرب. هذا هو الدرس القاسي الذي يجب أن يتعلمه المسلمون من التاريخ الأوروبي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!