ما الذي دفعه إلى خيانة بلده؟ وكيف كان على اتصال بالإسرائيليين؟ وهل كان عميلًا مزدوجًا؟ طرح الكاتب والصحافي الإسرائيلي يوسي ميلمان هذه التساؤلات في مقابلة حصرية مطولة نشرتها صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية مع ضابط الموساد الذي شغَّل العميل المصري أشرف مروان. فيما يلي تلخيصًا لأهم ما جاء في التقرير.

وفي مستهل تقريره ذكر الكاتب أنه: «بعد ظهر يوم عاصف في العاصمة لندن، في ديسمبر (كانون الأول) 1970، دخل رجلان طويلا القامة نحيلا القوام إلى ردهة فندق رويال لانكستر الواقع بجوار حديقة هايد بارك. وكان أحدهما ذا بشرة داكنة ونظارة سميكة. وكان الآخر أشقر البشرة أزرق العينين. وكان هناك رجل آخر أكبر سنًا بقليل من الرجلين يراقب اللقاء.

كان الرجل ذو البشرة الداكنة أشرف مروان، وهو ضابط بالجيش المصري ورجل أعمال، وكان عمره آنذاك 26 عامًا. وكان من المقرر أن يصبح أشرف مروان واحدًا من أهم وأخطر عملاء إسرائيل. وكان الرجل ذو البشرة الشقراء «دوبي»، ضابط الموساد البالغ من العمر 36 عامًا، وكان لقبه الرسمي ضابط القضية (وهو الذي يدير شبكة الجاسوسية، وتطلق عليه بعض الأجهزة ضابط عملياتي Operative)».

ويتابع الكاتب: «يقول دوبي وهو يتذكر أول لقاء بينهما: «وقفنا هناك يبحث كل منا عن الآخر، ثم وجدته وصافحته. وقلت له باللغة العربية: هيا بنا نجلس». وكانت هناك نظرة تعبر عن الدهشة على وجهه. وتابعت الحديث معه باللغة العربية. فسألني: أين تعلمت اللغة العربية؟ لكن حتى قبل أن أتمكن من الإجابة، همس لي قائلًا: لا تتحدث معي بالعربية. وتحولنا إلى الحديث بالإنجليزية». وبعد التحدث لمدة قصيرة، صعد الاثنان إلى غرفة (مقر دوبي) كانت الموساد استأجرتها في اليوم السابق بالعاصمة لندن. وارتفع سقف التوقعات.

يقول دوبي: «دلفنا إلى الغرفة، وأخرج مروان وثائق مكتوبة باللغة العربية من حقيبته وقال لي: سأقرأ عليك، وعليك أن تدون الملاحظات. وقرأ عليّ أعداد جميع الوحدات في الجيش المصري؛ الأركان والألوية والكتائب. وبجانب أرقام الوحدات قرأ علي أسماء القادة. وكان يقرأ وأنا أكتب. لقد فوجئت بالمعلومات التي كانت بمثابة حلم لأي ضابط مخابرات؛ إذ إنه قرأ عليّ تشكيل المعركة (التنظيم الهرمي، وهيكل القيادة، والقوة، وتوزيع الأفراد، ومعدات الوحدات، وتشكيلات القوات المسلحة) كاملًا في الجيش المصري».

سياسة

منذ 3 سنوات
أشرف مروان: كيف تجاهلت إسرائيل تهديدات عميلها السري «الملاك»؟

كتاب أمني جديد سيصدر قريبًا، ويتناول حياة «أشرف مروان»، الذي عمل مستشارًا للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، وهو زوج ابنة الزعيم «عبد الناصر».

ويشير الكاتب إلى أن: «الرجل الأكبر سنًا الذي كان يراقب الرجلين قبل صعودهما إلى الطابق العلوي كان شموئيل جورين، الذي كان يبلغ من العمر 41 عامًا، وهو ضابط مخابرات وقاد وحدات الموساد في أوروبا من قاعدة تابعة للموساد في بروكسل. ومن بين القضايا التي كانت توليها شعبة الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي اهتمامًا خاصًا هي قدرات الحرب الكيميائية لدى الجيش المصري.

يقول دوبي: «سألته عن صناعة غازات الحرب وفوجئ بالسؤال، لم يكن مستعدًا للرد. ولم يقدم أي إجابة. وأعطيته استبيانًا منهجيًّا كان معي، ووعد بمِلْئه في الاجتماع القادم. وتحدث في اجتماعنا بعد ذلك عن كل ما جمعه من معلومات».

وعُقِد الاجتماع الأول بين الرجلين في لندن واستمر ساعتين، وكان ذلك بعد حوالي ثلاثة أشهر من وفاة الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر وتعيين أنور السادات خلفًا له. وسرعان ما حصل مروان على ثقة السادات وعمل لسنوات طويلة مستشاره الخاص المقرب، وضابط الاتصال مع قادة المخابرات السعوديين والليبيين، وأجرى معهم أيضًا أعمالًا خاصة بعد ذلك، ومن بينها بيع وشراء الأسلحة. ويقول دوبي: كان مروان بمثابة الأخ بالنسبة للحاكم الليبي معمر القذافي، على الرغم من أنه أخبرني عدة مرات أنه مجنون».

بعد ذلك كان الاتصال بين دوبي ومروان يجري على نحو دوري. وكان يجري عبر السيدة (إس)، وهي امرأة يهودية بريطانية وافقت على السماح باستخدام هاتف منزلها لنقل الرسائل. وكان مروان يتصل على الهاتف ويترك رسالة لطيفة تحتوي على كلمة مشفرة؛ إشارة لها كي تتصل بدوبي وتطلب منه الحضور إلى شقتها، ومن ثم ينتظر دوبي حتى يرن الهاتف مرة أخرى.

المال والإعجاب والانتقام

وأردف الكاتب: «على مرور السنين، نشر موظفو الموساد والمخابرات العسكرية والصحافيون والأكاديميون مقالات وكتبًا وأجريت مقابلات معهم في وسائل الإعلام حول مروان والموساد وأخطاء حرب «يوم الغفران».

والآن وبعد تفكير عميق وافق دوبي على التحدث على الملأ لأول مرة في مقابلة حصرية مع صحيفة «هآرتس» وتقديم معلومات عن لقاءاته مع مروان والعلاقات السرية التي طورها معه. ولكن من أجل سلامته الشخصية، لا يريد دوبي، الذي يبلغ من العمر 86 هذا العام، نشر اسمه بالكامل. وعلى مدار أكثر من ربع قرن عقد مروان حوالي 100 اجتماع مع دوبي في غرف الفنادق، وفي بيوت آمنة. وكانت لندن المكان الرئيس للقاء بينهما، لكنهما التقيا أحيانًا في روما وباريس وبالما دي مايوركا.

وبمرور السنين أصبح بين الرجلين لغة مشتركة واحترام متبادل، لكن دوبي لم ينسَ مطلقًا أن العلاقة بينهما لم تكن صداقة، ولكنها علاقة قائمة على المصالح الخاصة. وكانت مهمته تقديم معلومات عن نوايا مصر وقدراتها؛ ألد أعداء إسرائيل في ذلك الوقت. وكانت دوافع مراون للمشاركة في ذلك: الحاجة إلى المال، والإعجاب، واحترام الموساد، فضلًا عن أنه كان يشعر بإحباط شخصي ورغبة في الانتقام».

ويتابع الكاتب: «ربما يظل الدافع الأساسي لغزًا محيرًا. وفي 27 يونيو (حزيران) 2007 عُثر على جثة مروان ملقاةً في حديقة ورود صفراء أسفل شقته بالطابق الخامس في لندن. ووجدت شرطة لندن أنه من الصعب تحديد ما إذا كان قد انتحر، أو سقط من شرفته، أو دفعه شخص ليبدو الأمر وكأنه انتحار.

ولا شك أن كبار الموظفين السابقين في الموساد والمدير المالي الأمريكي ليس لديهم أدنى شك في أن ذلك «الشخص» كان من عملاء المخابرات المصرية، الذين قرروا الانتقام منه مؤخرًا بسبب خيانته للوطن. وفي وقت لاحق اتهم رئيس الموساد السابق تسفي زامير الميجور جنرال إيلي زيرا، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية، بالمسؤولية المباشرة عن وفاة مروان، زاعمًا أن زيرا تصرف بلا كلل لنشر اسم مروان، حتى حدث ذلك أخيرًا في عام 2002.

وتنبأ زيرا في وقت متأخر من صباح 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 بوجود «احتمال ضعيف» للحرب. وفي أعقاب الحرب توصَّلت لجنة التحقيق الخاصة التي يرأسها رئيس المحكمة العليا شمعون أغرانات أن زيرا مسؤول عن فشل الاستخبارات العسكرية الذي أدى إلى الحرب واضطر زيرا إلى الاستقالة.

ومنذ 25 عامًا يحاول زيرا إصلاح سمعته من خلال محاولة إلقاء المسؤولية عن فشل المخابرات على عاتق الموساد. وتحقيقًا لهذه الغاية كان زيرا المصدر الرئيس للنظرية القائلة إن أشرف مروان كان عميلًا مزدوجًا. ووفقًا لمنطقه، إذا قرر الموساد ورئيسه العمل مع لاعب مزدوج مثل مروان، يمكن إلقاء اللوم عليهما بشأن فشل إسرائيل في توقع الهجوم العربي في ذلك اليوم من شهر أكتوبر».

Embed from Getty Images

تحذير «كيميائي»

ويفيد الكاتب بأن: «اجتماعات دوبي مع مروان وصلت إلى ذروتها قبل حوالي ثلاثة عقود – قبل حرب يوم الغفران على وجه التحديد، والتي اندلعت يوم السبت، 6 أكتوبر 1973. وقبل ذلك بيومين، رن جرس الهاتف في شقة (إس)، وكان مراون يتصل من العاصمة باريس. وقال لدوبي الذي كان في انتظار اتصاله: «مواد كيميائية»، وهي كلمة مشفرة متفق عليها مسبقًا، وتعني أن الحرب باتت وشيكة. وسأل دوبي بسرعة: أي مواد كيميائية؟ فأجاب مروان قائلًا: «هناك الكثير من المواد الكيميائية، والكثير جدًا»، للتأكيد على خطورة الموقف.

كانت الشفرة التي اتفقوا عليها مكونة من أسماء المواد الكيميائية. وكان ذلك من بنات أفكار مروان، الذي حصل على شهادة في الكيمياء.

وتحمل أسماء المواد الكيميائية معاني خفية، في إشارة إلى إمكانية طرح أسئلة فرعية مثل ما إذا كانت الحرب ستندلع خلال يوم أو يومين، وما إذا كانت ستبدأ بقصف مدفعي أم هجوم جوي، وما إلى ذلك. وكان استخدام المصطلح الشامل «مواد كيميائية» هو الأكثر أهمية على الإطلاق. واتصل مروان من باريس بعد عودته من زيارة إلى ليبيا، حيث كان ينسق بين السادات والقذافي في عملية لنقل أي طائرة تابعة لشركة الطيران الوطنية، مصر للطيران – من أي مكان في العالم – إلى ليبيا، وتحويل مسار سفن البحرية المصرية إلى ميناء طبرق الآمن. وكان تخزين الطائرات والمراكب البحرية، لحمايتها من الاستهداف من قِبل إسرائيل، أحد الشروط الأساسية المسبقة للذهاب إلى الحرب التي حددتها مصر لنفسها. وعلمت المخابرات الاسرائيلية بكل ذلك».

ويلمح الكاتب إلى أنه: «خلال مكالمة هاتفية في 4 أكتوبر، اتفق مروان مع دوبي على الاجتماع في اليوم التالي في لندن، بحضور «الجنرال»: زامير، رئيس الموساد. وفور وصوله إلى لندن، التقى مروان، مع آخرين، بالمدير المحلي لشركة مصر للطيران، الذي أكد له أن القاهرة أصدرت أوامرها إلى الشركة بنقل الطائرات إلى ليبيا. وكان من المقرر عقد الاجتماع مع دوبي وزامير في تمام الساعة التاسعة مساءً، لكن مروان تأخر عن الموعد، لأنه أراد الحصول على آخر التحديثات عبر مكالمات أجراها إلى القاهرة.

ووصل إلى المنزل الآمن، الواقع على مسافة ليست ببعيدة عن ملعب لوردز للكريكيت في شمال غرب لندن، في تمام الساعة 11 مساءً. وفي يوم 5 أكتوبر (في تمام الساعة الواحدة صباحًا بتوقيت إسرائيل)، كان دوبي وزامير ينتظران في الشقة، وكان حراس تابعون للموساد ينتظرون بالخارج. واستمر الاجتماع لمدة ثلاث ساعات. وأعدَّ دوبي تقريرًا مفصلًا عن الاجتماع، لكنه لا يزال يرفض الكشف عن نص التقرير (الذي أُودع أرشيف الموساد).

ومما يثير الدهشة، كما يقول دوبي، أن زامير لم يسأل على الفور عن الحرب، على الرغم من تحذير مروان منها وكثرة التقارير التي وردت في الأيام السابقة من مصادر استخباراتية إضافية عنها. ويبدو أنه وجد صعوبة في تصديق أن الحرب كانت وشيكة الحدوث. وبدلًا عن ذلك سأل عن الاتحاد الثلاثي بين مصر، وليبيا، وسوريا، ثم عن خطة إسقاط طائرة تابعة لشركة «العال بوينج» في مطار فيوميتشينو في روما، وهل ساعد مروان في ذلك. ولكن العميل المصري قال لزامير بعدما فرغ صبره: «دعنا نتحدث عن الحرب».

ويستطرد الكاتب قائلًا: «قال مروان إن هناك احتمالًا بنسبة 99٪ باندلاع الحرب في اليوم التالي. وسأل زامير لماذا يوم السبت. فأجاب مروان «لأن هذا هو ما اتفقوا عليه. ولأن يوم السبت عطلة في بلدك، في إشارة إلى يوم الغفران، أقدس يوم في التقويم اليهودي والإسرائيلي.

وضغط عليه زامير متسائلًا: كيف ستبدأ الحرب إذًا؟ فأجاب مروان بأنها ستنطلق من مصر وسوريا في آنٍ واحد. ويقول دوبي إن جميع المشاركين في الاجتماع الدرامي في لندن أكدوا أن الحرب ستندلع في تمام الساعة السادسة مساءً. وردًا على سؤال زامير بشأن موعد اندلاع الحرب، أجاب مروان: «عند الغروب».

وأفاد العميل المصري أن الحرب كانت قيد التخطيط لمدة نصف عام، وأن السادات اتخذ القرار بشأن الموعد النهائي للحرب في يوم 25 سبتمبر (أيلول)، دون أن يخبر أحدًا. ووفقًا لمروانكان الجيش المصري بأكمله في المقدمة بحلول ذلك الوقت.

وأخبر مروان زامير بأن المصريين كانوا يعتزمون عبور قناة السويس للوصول إلى سيناء. وقال إن الخطة المصرية كانت تتمثل في انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في نهاية حرب الاستنزاف في أغسطس (آب) 1970 عن طريق نيران المدفعية والهجمات الجوية، ثم عبور القناة عبر خمسة أو ستة جسور. وكان السوريون من جانبهم يعتزمون احتلال أكبر قدر ممكن من مرتفعات الجولان».

ويتابع الكاتب: «بعد مغادرة مروان للاجتماع، سار دوبي وزامير إلى شقة رئيس المحطة البريطانية «رافي» الواقعة على بعد دقائق قليلة. وفي الطريق تساءل زامير بصوت عالٍ – ربما كان يتحدث إلى نفسه، وربما إلى دوبي – عن الرسالة التي يجب إرسالها إلى إسرائيل.

وكان يشعر بالقلق من أنه إذا أعلن أن الحرب وشيكة، ثم لم تندلع أي حرب، كما حدث مرتين، في مايو (آيار) 1972 وفي وقت ما بين أبريل (نيسان) ويونيو 1973، فسوف يتعرض للسخرية ويُتهم بأنه من دعاة الذعر. ومن ناحية أخرى، إذا لم يقل إن الحرب متوقعة ومن ثم اندلعت الحرب فسيكون الوضع شديد الصعوبة.

وعند الوصول إلى الشقة توصَّل زامير إلى قرار واضح. واتصل برئيس مكتبه في إسرائيل، فريدي عيني، وأخبره بأن الحرب ستندلع (اليوم السبت) «عند غروب الشمس». ونقلت الرسالة إلى رئيسة الوزراء جولدا مائير.

ولم يهتم بعض القادة الإسرائيليين، ولا سيما وزير الدفاع موشيه ديان والعديد من جنرالات جيش الدفاع الإسرائيلي، بكلمات مروان المحددة. وفي اليوم الثالث للحرب، شعروا بالذعر وتحدثوا بشأن «تدمير الهيكل الثالث»، الذي كانوا يقصدون به دولة إسرائيل نفسها. ووفقًا للمعلومات التي نشرها المؤرخ النووي الإسرائيلي أفنير كوهين في التسعينات من القرن الماضي، فكرت إسرائيل في نشر قوتها النووية عند الحاجة إلى استخدامها».

Embed from Getty Images

من «مكتب» إلى آخر

ويوضح الكاتب أن: «دوبي ولد عام 1934 في تل أبيب. وكان والده كاتبًا في بنك بني بنيامين، وكانت والدته ربة منزل. وعندما كان عمره ست سنوات، انتقلت العائلة إلى حيفا؛ حيث التحق بمدرسة هريئيلي المرموقة في المدينة، ثم انتقل إلى مدرسة مهنية. وانضم إلى جيش الدفاع الإسرائيلي في عام 1952. وفي عام 1968 عمل دوبي في منصب ضابط قضية.

وحدثت نقطة التحول في حياة دوبي بالصدفة في ديسمبر 1970. وخلال محادثة مع جورين، أخبره الملحق العسكري، اللواء شموئيل إيال، أنه خلال الأيام القليلة الماضية كان يتلقى مكالمات هاتفية في مكتبه في السفارة وفي المنزل من شخص يدعى أشرف مروان. فسأله جورين بغضب: «لماذا لم تنقل المحادثة إلى الموساد»؟ فأجاب أيال: «أنا لا أعرفه، وأتلقى مكالمات من أشخاص كثيرين طوال الوقت»

ومن هنا، قرر جورين إجراء مزيد من التحقيق في الأمر. واكتشف أن مروان، الذي عرف اسمه من الملفات، اتصل بمكتب الملحق الإسرائيلي عدة مرات، واتصل كذلك على منزله في لندن، وترك رسائل لم تتلقَ أي إجابة. وأشارت الرسائل إلى أنه سيغادر لندن في اليوم التالي. وقرر جورين أنه لن يضيع الوقت وسيجتمع بمروان، مع أن ذلك يتعارض مع أصول العمل، إذ يجب تنظيم الاجتماع جيدًا بعد دراسة خلفية الشخص والتأكد من أنه غير مراقب واتخاذ احتياطات أمنية أخرى.

وأخبر جورين صحيفة «هآرتس» مؤخرًا: «لقد خاطرت كثيرًا، لكني لم أرد إضاعة الفرصة». واختار جورين دوبي لإجراء اتصالات مع مروان. ولم يكن جورين سعيدًا تمامًا باختياره، لأن دوبي كان ضابطًا شابًا وعديم الخبرة، ولكن كانت المهمة في نظره «فرصة العمر التي لا ينبغي تفويتها».

ونظم جورين وباردان، رئيس المحطة، الأمور بسرعة. وكان رقم الهاتف الذي أعطاه لهم مروان يخص الملحق العسكري المصري في لندن. وكان ذلك شهادة على وقاحته، وجرأته، وثقته بنفسه، وإهماله قبل كل شيء – سمات كانت تميزه طوال كل السنوات التي عمل بها مع دوبي. وبمساعدة أحد المتعاونين مع المحطة جرى التواصل مع مروان والترتيب للاجتماع في فندق رويال لانكستر.

النوادي الليلية والقمار

كما أشار الكاتب إلى أن «أشرف مروان ولد في 2 فبراير (شباط) 1944 في القاهرة. وكان والده لواء في الجيش المصري، ولكنه لم يكن من الضباط الأحرار الذين أطاحوا بالملك فاروق في عام 1952، لكن العائلة كانت قريبة من كبار الضباط الذين شغلوا مناصب رئيسة في الحكومة المصرية.

تخرج مروان من مدرسة كوبري القبة الثانوية ودرس الكيمياء في الجامعة. وفي عام 1965، بدأ العمل كضابط في الجيش ومهندس كيميائي في منشأة للصناعة العسكرية في مصر.

وخلال دراسته، كان مروان شغوفًا بالرياضة وقضاء أوقات طيبة؛ لعب التنس بشغف في النادي الرياضي المرموق في حي مصر الجديدة بالقاهرة. وفي ذلك النادي في عام 1965، قابل منى (ابنة جمال عبد الناصر)، التي أصبحت زوجته وتذكرة السفر إلى المؤسسة السياسية والعسكرية والتجارية في مصر.

كانت منى أصغر من مروان بثلاثة أعوام، وهي الابنة الصغرى لناصر، رئيس مصر القوي والكاريزمي. ووقعت منى في حب مروان من النظرة الأولى. وعندما أخبرت والدها بمشاعرها، أمر رئيس مكتبه، سامي شرف، بتتبع الرجل الذي أحبته. وصوَّر تقرير شرف مروان باعتباره شابًا طموحًا وتافهًا ينجذب إلى حياة البهجة والمال والأوقات الطيبة. وعارض ناصر الفكرة، لكن دون جدوى: تزوج مروان ومنى في يوليو (تموز) 1966.

وسرعان ما أدرك ناصر أن وجهة نظره كانت صحيحة بشأن مروان الذي زار لندن عدة مرات بعد أن تزوج، وكان يهتم بالنوادي الليلية والكازينوهات، وتراكمت عليه الديون واقترض المال من الأصدقاء. وفعل ناصر كل ما بوسعه لمراقبته، وفكر في إجبار ابنته على الطلاق منه، ولكن دون جدوى.

وجاءت حرب الأيام الستة في يونيو 1967، ومُنيت مصر بهزيمة مخزية وتركت ناصر مهينًا. وتوفي الزعيم المصري بنوبة قلبية في سبتمبر 1970. وكان عمره 52 عامًا. وتولى أنور السادات القيادة خلفًا له».

Embed from Getty Images

الحذر: المتطوع يمضي قدمًا

وينوه الكاتب إلى أن: «كل ذلك حدث قبل الاجتماع في الفندق بالعاصمة لندن. واتضح فيما بعد أن مروان حاول الاتصال بإسرائيل في حياة ناصر. وفي ربيع عام 1970، أي قبل وفاة والد زوجته ببضعة أشهر، اتصل بالعميد أهارون أفنون، الملحق العسكري في سفارة إسرائيل في لندن، لكنه لم يتلق أي رد. وبعد نصف عام، حاول مرة أخرى، ونجح في هذه المرة، بفضل جورين غور. وأصبح مروان عميلًا للمخابرات الإسرائيلية.

برأيك، ما دوافع مروان في الاتصال بإسرائيل؟

دوبي: لم أسأله أبدًا عن دوافعه. وهذا السؤال لا يطرحه المُشغِّل. وبطبيعة الحال، أزعجت الدوافع المقر الرئيسي في تل أبيب والمحطة في بروكسل كثيرًا. وأرادوا أن يعرفوا لماذا أتى إلينا، لأن أفراد المخابرات لا يحبون المتطوعين.

لكن، من خلال معرفتك الطويلة به، ما دوافعه؟

«أنا أتفق مع جورين، الذي قال في عدة مناسبات إنه يريد المال والكثير من المال. وكانت هناك أشياء أخرى أيضًا منها إعجابه بالموساد. وفي رأيي، كان ناصر، الذي أثار الخوف في مروان، ضعيفًا للغاية بعد حرب الأيام الستة بسبب مرضه. ويبدو أن مروان تحرر من خوفه من ناصر وأراد الانتقام منه، ولذلك اتصل بإسرائيل.

وعلى العكس، أُعجب مروان بالسادات، كما يقول دوبي. وأضاف: «وجعله صديقه المقرب». وزاد تقدير السادات له في شتاء عام 1971 بعدما حاول سامي شرف وغيره من كبار الناصريين خلع السادات».

ويتحول الكاتب إلى ملمح آخر قائلًا: «بالنسبة إلى علاقته بالموساد. لم يقدم مروان معلوماته القيمة مجانًا، وكان يقول إنه يحتاج إلى مبالغ مالية طائلة. وفي البداية تقرر دفع بضعة آلاف فقط من الدولارات لمروان في كل مرة يقدم فيها معلومات، لكن ذلك أثار غضبه. وطالب بالحصول على 20 ألف دولار». اعترض جورين وشخصيات أخرى في الموساد بشدة: هذا المبلغ لم يسبق له مثيل؛ ولم يحصل أي عميل على هذا القدر من المال. وكان المبلغ الذي حصل عليه مروان يعادل أكثر من 100 ألف دولار بحسابات اليوم.

ويوضح دوبي: «أوصيتُ بالموافقة على طلبه، على أساس أن هذه العلاقة ستكون طويلة الأجل وستكون استثمارًا مفيدًا من شأنه أن يؤتي ثماره، ويجب ألا نتفاوض معه. وقبل زامير توصياته. ويقدر جورين ودوبي أنه على مر السنين، تلقى مروان ما يقرب من مليون دولار، بحسابات اليوم.

وبعد حرب يوم الغفران، وبعد أن أصبح ثريًّا من صفقات الأسلحة التي أبرمها في جميع أنحاء العالم العربي، أعلن مروان أنه لم يعد بحاجة إلى المال الذي ندفعه له. وقال لدوبي «أنا ممتن لما فعلته من أجلي، لكني الآن لا أريد أن أكون موظفًا عندك مقابل أجر، ومن الآن فصاعدًا سأفعل ذلك تطوعًا، من باب الصداقة».

من هنا، لم يعد مروان عميلًا، وأصبح يقدم التقارير دون أن يحصل على شيء في المقابل. ويشير دوبي: «منذ منتصف سبعينات القرن الماضي أصبح رجلًا ثريًّا. واستغل المناصب في الحكومة والعلاقات الشخصية من أجل تحقيق الثراء».

المسدس الشخصي

ويقول الكاتب: إن «المقابلة مع دوبي أجريت في مقهى في تل أبيب على مدار عدة أيام. وتبين أن مروان كان على اتصال ليس فقط مع الموساد، ولكن أيضًا مع أجهزة مخابراتية أخرى، ومن ذلك المملكة المتحدة وإيطاليا. «صحيح»، يؤكد دوبي ذلك.

على مر السنين أعطى دوبي ومديروه، كما هو معتاد في عالم التجسس، مروان عددًا من أسماء الرموز، من بينها «آتموس، باسيتي، الملاك وغيرها». وسألت دوبي عما إذا كان يمكنه تذكر حكاية أخرى مثيرة للاهتمام من لقاءاته مع مروان. فأجاب مبتسمًا «نعم»، وأخرج مسدسًا صغيرًا من جيب معطفه ووضعه على الطاولة. وكان هذا المسدس من طراز سميث أند ويسون خاصًا بمروان، وحاولتُ إقناعه بأنه من الخطورة السير في لندن حاملًا سلاحًا ناريًّا وذلك أيضًا ضد القانون. فأجاب مروان: «هذا المسدس دائمًا معي. وأنا لا أخضع للتفتيش».

وأكد الكاتب أن «دوبي لم يتغيب عن لقاء واحد مع مروان طوال 28 عامًا. وفي بعض الاجتماعات انضم إليه (واي)، وهو فني إذاعي وذو خبرة في التكنولوجيا. وكانت مهمته تدريب مروان على تشغيل الراديو اللاسلكي وغيرها من وسائل الاتصال. وقدم الموساد جهازًا إلى مروان في القاهرة، لكنه لم يستخدمه. وعندما سئل عنه، أجاب: ألقيته في النيل؛ لأنه خطير للغاية بالنسبة لي إن أمتلكه أو استخدمه.

Embed from Getty Images

وكان زامير هو الشخص الذي قضى معظم الوقت مع مروان، الذي قابله ست أو سبع مرات، على الرغم من أنه اعترف بأنه كان من النادر جدًّا أن يحضر رئيس الموساد اجتماعات مع عملائه. وذهب زامير إلى حد القول إنه اعتبر نفسه «صديق مروان». ويرى جورين أن زامير كان مخطئًا في ذلك؛ لأن «العملاء ليسوا أصدقاء، ولا ينبغي أن يكونوا أصدقاء لرئيس الموساد».

تقاعد زامير من عمله في الموساد عام 1974. وخلفه يتسحاق هوفي، والذي قرر أيضًا مقابلة مروان مرة واحدة بحضور دوبي الذي قال: إن بعض العاملين في الموساد يحسدونه على عمله كضابط قضية.

ولم يرغب مروان في العمل مع أي شخص آخر، وأبلغه دوبي أن علاقته به قد انتهت. ويتذكر دوبي أنه قال لمروان: «تقابلنا كأصدقاء وافترقنا كأصدقاء»، ومع ذلك وافق على طلب الموساد للحفاظ على اتصال مع مروان لفترة معينة. ولكن في تلك السنوات لم تعد هناك علاقة قوية بين مروان والموساد. وتكمن أهمية مروان الكبيرة في ذلك العقد ليس فقط فيما يخص حرب يوم الغفران، ولكن أيضًا بعدها، خلال اتفاقيات الفصل ما بين القوات في سيناء وحتى معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية في عام 1979.

بعد ذلك تراجع موقفه مع السادات وكرس مروان نفسه وقتًا كبيرًا لأعماله التجارية، وكانت المعلومات التي واصل تقديمها عن مصر في عصر السلام والعلاقات في العالم العربي مهمة حقًا، ولكنها لا تتناسب مع مستوى وجودة معلومات عصر الحرب. وانخرط دوبي أيضًا في أمور أخرى على مر السنين وأرسل كضابط قضية لتعزيز أعمال الموساد في دولة مجاورة (لبنان).

معركة من أجل سمعته

وأشار الكاتب إلى أن «دوبي غضب بسبب الخدع والتسريبات التي يقوم بها مدير الاستخبارات العسكرية السابق إيلي زيرا وحفنة من أتباعه؛ مما أدى إلى الكشف عن اسم مروان في النهاية. وحتى وفاة مروان المأساوية في عام 2007 حاول دوبي عدة مرات في محادثات مع زامير وشخصيات أخرى في الموساد التحذير من تصرفات زيرا. ومرت عقود ظل دوبي خلالها صامتًا.

والسبب وراء قراره بإجراء المقابلة الآن ليس فقط الخمسون عامًا التي انقضت وحقيقة أن «العديد من رجال الموساد يقومون بإجراء مقابلات طوال الوقت»، ولكن هناك سببًا إضافيًا رئيسًا وهو رغبته في دحض الأطروحة التي انتشرت بأن مروان كان «عميلًا مزدوجًا». وغالبية الخبراء في إسرائيل أكدوا مرارًا وتكرارًا أن هذا اتهام لا أساس له من الصحة، وأن الشخصية المركزية التي تقف وراء هذا الزعم هو زيرا، الذي فُصِل من منصبه بسبب أخطائه في حرب يوم الغفران وقُدِّم للمحاكمة فيما بعد.

ويأمل دوبي أن تدحض هذه المقابلة «أكاذيب زيرا». يقول دوبي: «كان مروان أهم جاسوس لدينا، وكانت المعلومات التي قدمها تهدف إلى المساهمة في أمن إسرائيل. ولسوء الحظ وفي أهم لحظة في حرب يوم الغفران خسرت إسرائيل الحرب لأنها لم تستجب للتحذيرات التي قدمها».

ويؤكد الكاتب قائلًا: «إن النقطة الأساسية في نظرية العميل المزدوج تتعلق بأوضاع مروان في التحرك؛ إذ كان يحمل جواز سفر دبلوماسيًّا مصريًّا. وادعى تسفي مالهين، الذي كان مسؤولًا عن تأمين أحد اللقاءات مع مروان، أن هذا يشهد على أنه عميل مزدوج. ويرى دوبي وزامير و جورين وآخرون أن سلوك مروان يثبت أنه لم يكن عميلًا مزدوجًا. «لو كان عميلًا مزدوجًا لكان ولاؤه لمصر…».

ومن الأمثلة الأخرى التي ترتكز عليها هذه الأطروحة وفاة مروان، وبالتحديد الجنازة الرائعة التي أقيمت له بمشاركة الرئيس حسني مبارك ورجال الحكم في مصر. يقول دوبي: «كانت جنازته مثل مشهد من الأفلام، رئيس المافيا يتخلص من نائبه، ويذهب إلى الجنازة ويخبر أرملته وأصدقاءه إلى أي مدى كان شخصًا رائعًا، ومهمًا، وقدم إسهامات إلى المجتمع. كانت حرب يوم الغفران نصرًا مجيدًا. فلماذا تشوهون الحدث العظيم بقصة جاسوس وخائن»؟

تاريخ

منذ شهرين
«هآرتس»: رحلات نقل اليهود لإسرائيل.. ماذا تعرف عن عملية الموساد الفاشلة في جيبوتي؟

ويضيف دوبي: «هناك أكثر من دليل كافٍ لإثبات أن مروان كان حقيقيًا؛ كان عميلًا من طراز فريد ساعد إسرائيل». ما الدليل على ذلك؟ يقول دوبي: إن مروان حاول الاتصال بإسرائيل في وقت كان فيه ناصر لا يزال رئيسًا. ونظرًا لأن كراهية ناصر لصهره كانت قوية جدًا، حاول إبعاده عن مراكز الحكومة، ولذلك من الصعب تخيل أن ناصر اقترح عليه أن يتجسس لصالح مصر».

والأهم من ذلك كما يقول دوبي: «التقارير التي قدمها مروان بحاجة إلى الحكم على جودتها ومساهمتها في الاستخبارات الإسرائيلية، وليس هناك من ينكر ذلك. وحتى قبل حرب يوم الغفران، «قدم مروان عددًا من التحذيرات والمعلومات التي ثبتت صحتها، على سبيل المثال، قدم معلومات عن قرار السادات بتكثيف الاستعدادات للحرب، ولتحقيق هذه الغاية أقيل وزير الدفاع صادق، وقدم معلومات تفيد بأن الرئيس السوري حافظ الأسد قد التقى في القاهرة مع السادات للتنسيق للحرب.

ويختتم الكاتب تقريره قائلًا: «ثم جاءت الحرب، وقدم مروان تحذيرًا بشأن اليوم المحدد الذي ستندلع فيه الحرب؟ وفي أغسطس 1973، التقى السادات والعاهل السعودي الملك فيصل في الرياض، وكان مروان حاضرًا في الاجتماع. ويؤكد زيرا باستمرار أن مروان لم يخطر الموساد بذلك الاجتماع، وهذا كذب، وزيرا يكذب لإعفاء نفسه من المسؤولية وإلقائها على الموساد، ويؤكد دوبي: «قابلت مروان بعد اجتماع الرياض، ورأيت بعيني المواد التي نقلها إلينا عن هذا الاجتماع».

وسألت «هآرتس» زيرا عن ذلك، لكنه رفض التعليق».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد