«اعتقالٌ، واستجوابٌ، واغتصابٌ، وتعذيبٌ، ومعاناة»؛ بهذه الكلمات لخَّص الكاتب روني سينجر، في تقريرٍ مطوَّل نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، ما حدث في عام 1986، حين شرع الموساد في تنفيذ مهمة سريّة لنقل يهود إثيوبيا إلى إسرائيل، لكن الرياح جاءت بما لا يشتهيه الجهاز المخابراتي. وبالرغم من مرور عقودٍ على ذلك الحادث، لا تزال إسرائيل حتى الآن ترفض تحمُّل المسؤولية عما حدث حينذاك، أو تعويض الضحايا عما تعرضوا له. 

يصطحب «سينجر» القراء في رحلةٍ عبر الزمن إلى منطقة جوندر (أو غندار) الإثيوبية (عاصمة الحبشة قديمًا) في صيف عام 1986. كان هناك رجل مُسِنّ يجوب قرى المنطقة بحثًا عن شباب، من الذكور والإناث، حتى لو لم يبلغوا 13 عامًا – وهو سن التكليف عند اليهود – للمشاركة في عمليةٍ سرية. 

عبر جيبوتي.. لا يوجد طريق آخر

كان الرجل يخبر الآباء بأن الهدف واضح، وهو: الوصول إلى إسرائيل. أما الطريق الذي سيسلكونه فهو: الانتقال إلى جيبوتي المجاورة سيرًا على الأقدام، وبمجرد ترتيب أوراقهم سيطيرون إلى باريس، ومن هناك سيتوجهون إلى إسرائيل. 

يقول روني سينجر: أدرك الإثيوبيون والموساد أنه لا يوجد طريق آخر؛ فقبلها بوقت قصير، اكتشف طريق يمر عبر السودان كان يستخدم لتهريب يهود إثيوبيا في «العملية موسى» (1984).

خلال تلك العملية السرية، نُقِلَ حوالي 8 آلاف يهودي إلى إسرائيل (بالإضافة إلى 15 ألف شخصٍ، أو قريبًا من ذلك، نُقِلوا لاحقًا خلال «العملية سليمان»، في عام 1991). لكن في منتصف العام 1986 كان الموساد بحاجة إلى إيجاد طريق سريّ جديد، وكانت المجموعة الأولى من هؤلاء الشباب هي القوة الطليعية التي ستطلق شرارة البدء.

«ي. أحرونوت»: تسامح عيال زايد.. ماذا تعرف عن جالية اليهود في الإمارات؟

رحلة ستغير حياتك.. إلى الأبد

ذلك الرجل (ي) الذي يعمل لصالح الموساد، كان مسلحًا بخبرةٍ واسعة في نقل يهود إثيوبيا إلى إسرائيل، خاصة عبر السودان. وبفضل الخطة التي قدمها للعائلات، استطاع حشد مجموعة مكونة من 27 شخصًا، انخرطوا لاحقًا في دورةٍ من شأنها أن تغير حياتهم، لكن ليس بالضرورة للأفضل، كما سيتبين لاحقًا. 

في النهاية وصل 23 شخصًا منهم فقط إلى إسرائيل. لكن المحن التي عانوها طوال الطريق – من عنفٍ وحشيّ، واعتداءٍ جنسيّ، وفي بعض الحالات التخلي عنهم في السجن – حفرت ندباتها على أرواحهم، ولا تزال آثارها موجودة حتى يومنا هذا.

وهكذا انزلقت العملية بسرعة من النجاح المأمول إلى الفشل المحقق، بالرغم من أنها كانت محاطة بغلافٍ من السرية، ولم يشارك فيها سوى عدد قليل من المسؤولين في مؤسسة الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية (حتى وزارة الخارجية لم تحط بها خُبرًا).

وتُظهر التفاصيل، الذي يكشف عنها سينجر في هذا التقرير لأول مرة، كيف تزايد تعقيد الأمور، حتى تقرر في النهاية عدم محاولة نقل أي يهود من إثيوبيا إلى إسرائيل عبر جيبوتي مرة أخرى.

في انتظار الدليل

كانت «مجموعة جيبوتي» في الواقع مكونة من ثلاث مجموعات صغيرة، انطلقت من جوندر على فترات في غضون عدة أسابيع. المجموعة الأولى كانت تتكون من سبعة أشخاص، من بينهم امرأتان، إحداهما تدعى يشيورك داويت، التي كانت في الثالثة عشرة من عمرها حينذاك، وواحدة من ثمانية أشقاء، حثتها والدتها على الشروع في تلك الرحلة الملحميّة، بالرغم من صغر سنها.

تقول يشيورك داويت لصحيفة هآرتس: «قيل لي: من المفترض أن يكون الطريق سهلًا، وتستمر الرحلة أربعة أيام. أولًا إلى مدينة ولو، ومنها إلى مدينة كومبولشا، ومن هناك سنعبر إلى جيبوتي على متن حافلة، وبعد ذلك سنذهب بالطائرة إلى باريس، ومنها إلى إسرائيل».

وصلوا إلى مقاطعة ولو، في شمال شرق إثيوبيا، بسرعة نسبية سيرًا على الأقدام، وانتظروا هناك كما لو كانوا مجموعة من السياح. لكن الدليل الذي جنده الموساد، وكان يفترض أن يقابلهم، لم يظهر. طال الانتظار حتى مرت ثلاثة أشهر، بدأوا خلالها يثيرون شكوك السكان المحليين. غادر أربعة منهم فيما بعد وعادوا إلى قراهم. وبقي ثلاثة، من بينهم يشيورك.

في النهاية وصل الدليل، الذي كان ينتمي لقبيلةٍ كبيرةٍ معروفة من البدو الذين يعيشون في المنطقة الحدودية بين إثيوبيا وجيبوتي، وكان على دراية كبيرة بالمنطقة. 

Embed from Getty Images

بدايتها خطر ووسطها اغتصاب.. كيف ستكون النهاية؟

تستعيد يشيورك ما حدث حينذاك: «قيل لنا إنه سوف يصحبنا حتى نلتقي رجلًا آخر سيرافقنا إلى جيبوتي». ظلوا ينهبون الطريق لمدة أسبوعٍ تقريبًا، عبروا خلاله مساحاتٍ صحراويةٍ شاسعةٍ، بينما تلفحهم شمس أغسطس (آب) الملتهبة، يرافقهم في رحلتهم رفيقان ثقيلان هما: العطش، والمرض، ناهيك عن مواجهة الحيوانات الخطيرة واللصوص الذين لم يكونوا أقل خطرًا.

في نهاية الطريق الطويل وجدوا البحر، حيث تقع ميناء جيبوتي. و«بجانب السفن، كان هناك شخص ينتظر المجموعة»، كما تحكي يشيورك لصحيفة «هآرتس»، وأضافت: «اصطحبنا إلى كوخٍ فيه مراتب، وكانت تلك أول ليلة نستطيع أن ننال فيها قسطًا من الراحة». لكنها كانت أيضًا أول ليلة تتعرض فيها الفتاة الصغيرة للاغتصاب.

تروي يشيورك ما حدث ليلتها باقتضابٍ قائلة: «حتى ذلك الحين، كان الدليل المرافق يكبح نفسه. لكن عندما جنّ الليل، وذهبنا في النوم سويًا داخل الكوخ، فعلها (اغتصبها). صرختُ وبكيتُ، وفي الصباح أخبرت الرجل الذي قابلنا في الميناء بأنه إذا لم يفصلني عن هذا الدليل فسأنتحر».

إياكم أن تذكروا اسم «إسرائيل»

نُقلت يشيورك والشابان الآخران من المجموعة الأصلية إلى منزل واسع على مشارف العاصمة جيبوتي. وقابلت في الفيلا رجلًا أكبر سنًا، من إثيوبيا، قال إنه جاء من إسرائيل لترتيب جوازات سفرهم. ثم استدرك موجهًا لهم أمرًا وتحذيرًا في الوقت ذاته: «لكن إذا ألقي القبض عليكم – لا قدر الله – فأنا لا أعرفكم ولا أنتم تعرفونني. وإياكم أن تذكروا كلمة إسرائيل تحت أي ظرفٍ. ومن سيقبض عليه سيلقى حتفه بمفرده». 

كان هذا هو التحذير الذي تكرر على مسامع الفتاة عدة مراتٍ بعدها. ثم بدأت فترة أخرى من الانتظار، وهذه المرة لمجموعات أخرى من إثيوبيا.

من التجنيد القسري إلى اقتحام المجهول

يكمل سينجر سرد تفاصيل الرحلة الشاقة قائلًا: كان مامو بيرو في سن المراهقة عندما انضم إلى إحدى المجموعتين المتبقيتين. وحتى اليوم لا يعرف عمره بالضبط، ولا أحد يعرف. يقدر أنه يبلغ من العمر 50 عامًا. وُلد في قرية صغيرة في منطقة جوندر الإثيوبية، إلى جانب أشقاء يبلغ عددهم 12 فردًا. 

يقول بيرو إنه كان يساعد والديه في رعي الأغنام، حتى منتصف سن مراهقته، ثم جرى تجنيده قسرًا، إن لم يُسمَّ هذا اختطافًا، في صفوف الجيش إبان حكم منغستو هيلا مريام (الذي حكم البلاد بطريقة أو بأخرى بين عامي 1977 و1991). أخفى الفتى حقيقة كونه يهوديًا حتى عن أصدقائه في الجيش.

في أحد الأيام تلقى بيرو رسالة من والديه يخبرانه فيها عن الجيران الذين شرعوا في رحلةٍ إلى القدس. أطلقت الرسالة رغبة قوية في داخله للانضمام إليهم. فهرب من الجيش وعاد إلى المنزل. وبعد ذلك بوقت قصير وصل السيد «ي» (التابع للموساد) إلى القرية، وكانت العائلة تعرف بالفعل مَن هو.

يقول بيرو لصحيفة هآرتس: «نظَّم مجموعات وأرسلهم من جوندر. كان يحصل على المال، ويدفع ثمن تذاكر الحافلة والطعام. وكان من المعروف أن بعض الناس نجحوا بالفعل في الوصول إلى القدس».

هكذا انضم بيرو إلى «العملية جيبوتي» في أغسطس عام 1986. وكانت مجموعته تضم ثمانية شباب، جميعهم من الذكور، تراوحت أعمارهم بين 13 و20 عامًا. اصطحبهم ثلاثة مرشدين.

يتابع بيرو سرد حكايته: «رُتِّبَت الرحلة بأكملها بمعرفة أشخاصٍ علمت فيما بعد أنهم يعملون لصالح الموساد… ذهبوا إلى أديس أبابا، وفي كل مرة كانوا يعودون بالمال ويجهزون المرشدين». مثلما حدث مع مجموعة يشيورك، سارت هذه الرحلة تحت ظروف قاتمة، ولم تكن الحرارة والعطش سوى الجزء السهل.

Embed from Getty Images

مأساة عائلة غير يهودية

في الطريق إلى جيبوتي، انضمت إليهم عائلة غير يهودية، مكونة من أم وأب وابنة تبلغ من العمر 12 عامًا. يتذكر بيرو ما حدث لهم وهو يبكي؛ إذ ضرب المرشدون الثلاثة الأب على رأسه، واغتصبوا الأم أمام ابنتها، ثم اغتصبوا الفتاة أيضًا. 

ويضيف: «ذهبت إلى أشخاص ربما يساعدوني في محو تلك الذكريات»، في إشارة إلى المعالجين الذين ذهب إليهم لاحقًا في إسرائيل، لكنه يستدرك: «لا يمكنني إخراجها (المشاهد) من رأسي».

بعدما انتهى المرشدون من جريمتهم، طلبت الفتاة المساعدة، لكن بيرو تردد في مد يد العون إليها خوفًا من انتقام المرشدين. وهو يتذكر كيف تظاهر بأنه نائم حين زحفت تحت ملابسه الطويلة لتحتمي به، على أمل ألا يجدها الثلاثة. 

لكن كانت محاولاتها اليائسة دون جدوى؛ إذ عادوا وانتزعوها مرة أخرى واستمروا في معاملتها بوحشية طوال الليل. لم يرَ بيرو الأسرة مرة أخرى. ويقول: «لا أعرف ماذا حدث لهم. ربما قتلوهم في النهاية».

يوم داهمت الشرطة منزل الموساد

بعد ذلك بوقت قصير، وصلوا إلى المنزل الكائن في جيبوتي، وهناك قابلوا يشيورك وأصدقاءها، وأيضًا أعضاء المجموعة الثالثة والأخيرة. «في النهاية، تجمع 23 شخصًا في المنزل»، حسبما يذكر بيرو. 

ويتابع الحكاية: «بعد ذلك ظهر رجلان، أستطيع اليوم القول إنهم من رجال الموساد، أحدهما شخص محلي والآخر من إسرائيل. حين عرف أحدهم أنني كنت في الجيش؛ عينني قائدًا للمجموعة، وهكذا أصبحتُ الشخص الذي سيتلقى منه المال. أوضح لي مكان شراء الطعام، وشرح كيفية السفر على متن الحافلة، وإخفاء آثاري، حتى لا يُكشَف موقع الفيلا. علمني كيف أتصرف بما لا يثير الشكوك». 

كانت التغطية التي سيتحركون تحت ستارها أنهم جاءوا من إثيوبيا للبحث عن عمل. وبقوا هناك لعدة أسابيع، على ما يبدو في انتظار انضمام المزيد من الأشخاص إليهم، وكان أحد عملاء الموساد يأتي كل بضعة أيام لتزويدهم بالمال. 

في أحد الأيام ذهبوا جميعًا لالتقاط صورة من أجل جوازات سفر، لكنهم لم يستخدموها أبدًا. ذلك أن وجودهم لفترة طويلة في المنزل جعل الجيران يرتابون في أمرهم، وفي صباح أحد الأيام استيقظوا على طرقات صاخبة. حاولوا الاختباء، لكن الشرطة المحلية قبضت عليهم وجمعوهم في سيارة، توجهت بهم إلى سجن المدينة.

لماذا وقع الاختيار على جيبوتي؟

لأنهم «جربوا كل الطرق الأخرى»، وكانت الظروف هي التي تملي الخيارات، كما يوضح جاد شمرون، وهو كاتب وضابط موساد سابق، لصحيفة «هآرتس».

ويقول الدكتور إريت بيك، الأستاذ في قسم تاريخ الشرق الأوسط والتاريخ الأفريقي في جامعة تل أبيب: «كانت الفترة بين العملية موسى والعملية سليمان صعبة للغاية في إثيوبيا وبالنسبة ليهود إثيوبيا». ويضيف موضحًا: «تلك الفترة التي أعقبت سنوات طويلة من «الإرهاب الأحمر» الذي أوقع العديد من الضحايا، والحروب مع إريتريا، وسلسلة من الحروب الداخلية، وتراجع الدعم السوفيتي من ناحية، وضعف الدعم الغربي من ناحية أخرى، وفوق كل ذلك، المجاعة القاسية».

يقول أهارون شيرف، وهو ضابط عمل في الموساد لفترة طويلة وكان يترأس فرقتي تيفيل (عبر التواصل مع حكومات أجنبية) وبيتزور (لنقل اليهود من دول أخرى إلى إسرائيل) في المنظمة: كانت جيبوتي جزءًا من «الجهود المتنوعة لجلب اليهود إلى إسرائيل عبر أي طريق ممكن». 

رغم مرور هذه السنوات، لا يُسمَح لشيرف بمناقشة تفاصيل ما حدث. فيما كشفت شيمرون عن عدد قليل من الخيارات الأخرى، التي تشير إلى أن «كينيا كانت أيضًا أحد الخيارات»”، التي جُرِّبَت في وقت لاحق. 

لكن في ذلك الوقت، تقرر الذهاب عبر جيبوتي، وهي دولة صغيرة على الحدود مع إثيوبيا والصومال وإريتريا، وغالبية سكانها من المسلمين.

يقول شبتاي شافيت، الذي أصبح مديرًا عامًا للموساد في عام 1989 بعد ثلاث سنوات من العملية، ولم يكن يعلم بالتفاصيل حينئذ، لصحيفة «هآرتس»: «كانت جيبوتي خاضعة لفرنسا، وخلصت التقديرات إلى أن العمل في منطقة مثل هذه، كانت (سابقًا) تحت الحكم الأوروبي الليبرالي الديمقراطي، ستكون فرص نجاحه أكبر».

وردًا على سؤالٍ حول ما إذا كان ترتيب رحلة التهريب من إثيوبيا عبر جيبوتي جرى بالتنسيق مع الحكومة الفرنسية، أجاب: «كان هناك عدد قليل من الفرنسيين على دراية بالعملية السرية. واتضح في وقت لاحق، كما علم شيرف، أن الاعتماد على الفرنسيين للمساعدة في حالة حدوث تعقيدات كان خطوة حكيمة.

Embed from Getty Images

«وددتُ لو انتزعتُ روحي وألقيتها في سلة المهملات»

في الواقع، سرعان ما تعقدت الأمور، بداية من اجتياح الجنود الفيلا، قبل أن تسوء أكثر. لسبب أو لآخر، كانت السلطات مقتنعة بأن المجموعة كانت تخطط للقيام بانقلاب، ولم تدخر أي وسيلة لانتزاع اعترافات من المعتقلين تحت التعذيب، حسبما يروي التقرير. 

يروي بيرو أنه منذ اللحظة الأولى وخلال الأسبوعين التاليين خضع للاستجواب على مدار الساعة، بينما كان مقيدًا ويتعرض للضرب. وانهالت الأسئلة على رأسه: من أرسلك؟ من دفع ثمن إقامتك؟ طعامك؟ إيجار المنزل؟ ما هو هدفك الحقيقي؟ لكن على الرغم من صرامة المحققين ومثابرتهم، ظلت الإجابة ثابتة: «نحن هنا للبحث عن عمل»، هذا ما أخبرهم به بيرو مرارًا وتكرارًا.

في مرحلةٍ ما بعد الاستجواب، قيل لهم إنهم سيغادرون السجن، لكن ليس إلى الحرية. بدلًا عن ذلك أُعيدوا إلى إثيوبيا، ليقبعوا داخل سجن في منطقة هراري. وهناك أُمطِروا بوابلٍ إضافيّ من الأسئلة، وتعرضوا لسوء المعاملة بطريقة قاسية.

يقول بيرو: «إذا كان بإمكاني انتزاع روحي وإلقائها في سلة المهملات؛ لكنتُ فعلتُ ذلك. إذ لم يكن بمقدوري تحمُّل ما أعانيه». وأوضح أنهم تعرضوا لمختلف ألوان العنف، بما في ذلك الاعتداء الجنسي الذي لم يفرِّق بين رجل وامرأة. إضافة إلى الجلد حتى أن أثر السوط الذي ضرب بيرو في عينه لا يزال يؤثر على بصره منذ ذلك الحين، إصابة ساقه اليمنى لا يزال أيضًا أثرها واضحًا. 

معاودة الكرّة.. عبر السودان

بعد فترة، نُقلوا مرة أخرى، هذه المرة إلى سجن في أديس أبابا يعرف باسم «نهاية العالم». كانوا يخشون أن تنتهي حياتهم هناك، حيث عانوا طيلة ستة أشهر هناك من العنف الوحشي والكرب النفسيّ. 

يصف بيرو ما عانوه قائلًا: «كانت المشانق تتدلى في وسط السجن. كنا ننام تحتها، وأحيانًا كانت الجثث تتدلى منها. وحتى يومنا هذا، عندما أرى حبلًا متدليًا، أتذكر ذلك المشهد». 

انتهت فترة الحبس في إثيوبيا كما بدأت، على حين غرة. يقول بيرو: «في أحد الأيام أخبروني وبقية المجموعة بإطلاق سراحنا. الشخص الذي أخرجنا كان هو رجل الموساد نفسه الذي كان يتعامل معنا في جيبوتي. في تلك المرحلة، أخبر الرجل بيرو بأنهم سيستأنفون الرحلة مرة أخرى، وقال: «سنجمع مجموعة جديدة، ونحاول الهرب مرة أخرى، هذه المرة عبر السودان».

ولكن في ذلك الوقت، كان الطريق عبر السودان أُغلِق، على الأقل رسميًا، بعدما سلطت عليه أضواء وسائل الإعلام. لكن في الواقع، كما يقول بيرو، كانت الشبكة التي ساعدت في نقل يهود إثيوبيا إلى إسرائيل خلال العملية موسى لا تزال تعمل، وإن على نطاق أصغر بكثير، لكن كان هذا كافيًا له ولأصدقائه؛ إذ انتقلوا في حاوية شحن إلى قلب الصحراء، حيث كانت طائرة نقل من طراز هرقل تنتظرهم. 

ارتحل جميع أعضاء المجموعة إلى إسرائيل عبر السودان، باستثناء واحدة، هي: يشيورك، التي ظن بيرو حين لم يجدها أنها لقيت حتفها في مرحلةٍ ما على طول الطريق. لكنه كان مخطئًا. 

«لماذا لم يسأل عني أحد طيلة هذه الفترة؟»

في اليوم الذي اقتحم فيه الجنود منزل جيبوتي، لم تكن الفتاة هناك، بل في المستشفى التي دخلتها قبلها بعدة أيام بسبب إصابتها بالتهاب رئوي حاد. وعندما مرت بضعة أيام دون أن يسأل أحد عنها، شعرت بالخوف. وبالرغم من سوء حالتها، غادرت المستشفى وتوجهت إلى الفيلا، وعندما اقتربت من المنزل سمعت المرأة التي أجرت لهم المنزل تصرخ فيها: «الجميع غادروا. اذهبي أنتِ أيضًا، ولا تسببي لي مشكلة».

لم تبتعد الفتاة البالغة من العمر 13 عامًا، بل اعتقلتها الشرطة وسجنتها لمدة 15 شهرًا، تعرضت خلالها للضرب والاغتصاب. ثم انتهى الأمر فجأة حين فتحت الأبواب في يوم من الأيام، وأطلقوا سراح مجموعة من النساء، وكانت الفتاة إحداهن.

يتابع التقرير رصد فصل جديد من معاناة يشيورك في شوارع جيبوتي؛ حيث نامت في العراء وتعرضت للاغتصاب. وحين وجدت وظيفة كخادمة منزل تعرضت فيها أيضًا للإيذاء البدني والجنسي، فهربت عائدة إلى الشارع مرة أخرى. 

قررت بعدها العودة إلى المستشفى التي عولجت فيها من الالتهاب الرئوي، وهناك وجدت وظيفة كعاملة نظافة وسريرًا للنوم، وقابلت أيضًا شخصًا أخبرها بأنه مسافر إلى أديس أبابا، فحمَّلته رسالة إلى عائلتها التي فوجئت بأن ابنتهم لا تزال على قيد الحياة، وكانوا يعتقدون أنها ماتت. 

الاستعانة بالنفوذ الفرنسي في جيبوتي

بعد أيام قليلة، رن جرس هاتف المستشفى، في صيف عام 1987، وكان المتصل رجل من باريس يتحدث الأمهرية، ألمح أنه على اتصال مع عائلتها، وقال لها: «يشيورك، نحن نعلم أنك على قيد الحياة، ونعمل على إخراجك من هناك بسرعة، لكن يجب عليك أن تفعلي بالضبط ما أقوله لك». 

في غضون بضعة أسابيع، حصلت الفتاة بمساعدة الرجل على جواز سفر من السفارة الإثيوبية، وتأشيرة سفر إلى باريس على الخطوط الجوية الفرنسية. وحين استقلت الطائرة، وجدت في انتظارها امرأة بيضاء تتحدث بالفرنسية والرجل الذي تحدث معها عبر الهاتف. 

في تلك الليلة، وضعوها على متن رحلة متجهةٍ إلى إسرائيل، وحين وصلت استجوبها هي وآخرين مثلها أشخاص قالوا إنهم من الموساد بشأن تفاصيل احتجازهم والتحقيق معهم وما تعرضوا له في جيبوتي عمومًا.

يؤكد شيرف، عميل الموساد السابق أن «الفرنسيين كانوا ذوي نفوذ (في جيبوتي) بطبيعة الحالة، وساعدوا في إخراجهم من هناك»، وفي المقابل يرى أن العملية كانت فاشلة. أما التساؤلات التي أثيرت حول سلوك إسرائيل في ذلك الحين، وكيف تسببت ليهود إثيوبيا في تلك المعاناة، فلا تزال قائمة حتى اليوم، كما يلفت سينجر. 

Embed from Getty Images

«لا أعرف».. الموقف الإسرائيلي المعلن

يتردد صدى عبارة «لا أعرف» كلما اتصلت «هآرتس» بعدد من المسؤولين السابقين في الموساد ووزارة الخارجية والحكومة الإسرائيلية على أمل الحصول على إجابات حول هذا الموضوع، لكن كثيرين أكدوا أنهم لم يكونوا على دراية بالعملية، حتى يوسي بيلين، المدير العام لوزارة الخارجية في ذلك الوقت، لم يعلم بها إلا لاحقًا. 

بيدَ أن عملية على هذا المستوى تتطلب إذنا من رئيس الوزراء، كما يؤكد الجنرال (احتياط) شيمون هيفيتس، الذي شغل منصب المساعد العسكري لإسحاق رابين، وزير الدفاع آنذاك. 

ويضيف: «ربما كانت الموافقة الصادرة عن مجلس الوزراء الأمني ​​عمومية بطبيعتها – لإحضار يهود إثيوبيا إلى إسرائيل، دون أي تفاصيل أخرى – لكن لا يُعقَل أن إسحاق شامير، أو شمعون بيريز، أو رابين لم يكونوا على دراية بالعملية».

وحين سئل الجنرال (احتياط) عزريل نيفو، السكرتير العسكري لرئيس الوزراء شامير في تلك الفترة: هل كان شامير يعلم؟ أجاب: «لا أظن أنه يخفى عليه مثل هذه الأمور إذا كانت حدثت. لكن هذا لا يبدو مألوفًا بالنسبة لي، ولا يمكنني تذكره». 

وقائمة المسؤولين الإسرائيليين الذين يصرون على أنهم لا يتذكرون شيئًا عن العملية طويلة ورفيعة المستوى، حتى أنها تشمل ناحوم أدموني، الذي كان مديرًا عامًا للموساد من عام 1982 إلى 1989، ورفض إجراء مقابلة حول هذه العملية. 

حتى الأشخاص الذين لا تزال ذاكرتهم حادة، مثل الرجل الذي أطلقت عليه «هآرتس» اسم «ي»، وهو مسؤول في الموساد مولود في إثيوبيا، لا يضيف جديدًا في القضية، ويقول: «كانت عملية سرية لم يعلن عنها بعد. إنها مسألة حساسة للغاية، ولا أريد أن أفسد أي شيء. وأنا بالتأكيد لست الشخص الذي سينشر تفاصيلها».

تقدمت صحيفة «هآرتس» بطلب رسمي إلى الموساد للتعليق، لكنها لم تحصل على ما يروي الظمأ. وجاء الرد الرسمي من مكتب رئيس الوزراء، نيابة عن الموساد، برفض التعليق بحجة أن المحاكم تنظر حاليًا دعاوى قضائية رفعها بعض أعضاء مجموعة جيبوتي. 

علاوة على ذلك، تجاهلت السلطات جميع الأسئلة المتعلقة بالتساهل الإسرائيلي في إنقاذ أعضاء المجموعة، وحقيقة أن وزارة الخارجية لم تكن في الصورة، والتغطية السافرة على فشل العملية.

«لستُ جيمس بوند.. لكني أستحق تعويضًا»

ربما لدى السياسيين والمسؤولين الأمنين ما يخفونه لذلك يريدون إبقاء تفاصيل العملية سرًا، لكن أعضاء المجموعة يريدون أن يعرف الجميع ما تعرضوا له، وقبل كل شيء، أن تعترف إسرائيل بمعاناتهم ليس فقط أثناء الرحلة المعجونة بالمخاطر، ولكن أيضًا بعدها نتيجة اضطراب ما بعد الصدمة، حسب التشخيص الذي أجري لهم لاحقًا. 

في الدعاوى القضائية الخمس التي تنظر فيها المحاكم الآن، يطلبون من إسرائيل – أو بتعبير أدق، من الموساد – الاعتراف بأنهم كانوا يعملون في خدمتها وبتمويلها، وأن يتلقوا التعويض المناسب.

في التسعينيات، اعترفت إسرائيل بأعضاء المجموعة على أنهم «سجناء صهيون». وحول ذلك، يقول بيرو، الذي يعيش الآن في نيس تسيونا (قرية وادي حنين) مع أطفاله الثلاثة: «اعترفت إسرائيل بأنني سجنت، وبأنني ناشط رئيس يعمل على تشجيع الهجرة اليهودية إلى أرض الميعاد (عليا aliyah)، لكنهم لا يريدون الاعتراف بالصدمة التي لا زلت أعاني منها جرّاء ذلك». 

ويضيف: «جمعونا سويًا ثم ألقوا بنا إلى التهلكة. طلبوا منا أن نكون في الطليعة روادًا، وقدموا لنا المال والتوجيه، لكنهم ارتكبوا خطأ بحقنا، تعرضنا بسببه للأذى، ولا أحد يساعدنا في التغلب على ذلك». 

كلما يتذكر بيرو ما حدث يعتريه الغضب، لكنه يؤكد أنه لم يكن مثل جيمس بوند، ويتقبل بصدرٍ رحب أن يخبروه بأنه ليس شخصًا مهما، وأنه آخر حلقة في سلسلة طويلة، لكنه في المقابل يطالب السلطات الإسرائيلية بالاعتراف بأنه عمل في خدمة الموساد. 

ويتابع: «(كقائد على الأرض)، لم أنقذ نفسي فقط، بل عرضت لنفسي للخطر من أجل الجميع، وكان لي دور رياديّ على الأرض مع رجال الموساد نيابة عن يهود آخرين. وأنا لا أخوض منافسة لإثبات أينا عانى أكثر، لكن معاناتنا كانمت فظيعة، والجزء الأكثر فظاعة منها هو أن أحدًا لا يدرك ما كان علينا أن نتحمله في سبيل ذلك». 

ما يشعر به بيرو لا يختلف عن مشاعر يشيورك، التي تزوجت في نهاية المطاف وأنجبت ثلاثة أطفال، تعيش معهم الآن  في مستوطنة كريات ملاخي، وتعمل كمساعدة في حضانة. 

تقول: «هم الذين وضعوا فتاة صغيرة في خطر محدق. كدَّسوا مجموعة تضم أكثر من 20 شخصًا في منزلٍ واحد، وافترضوا أن أحدًا لن يكشفنا. وهكذا ارتكبوا أخطاء، دفعنا نحن ثمنها».

Embed from Getty Images

الاعتراف بفشل الموساد يعني: انهيار خزانة إسرائيل

على مر السنين، حاول أعضاء المجموعة الاتصال بممثلي مكتب رئيس الوزراء، لكنهم لم يلقوا سوى بعض التعاطف، وربما التفهم، الذي لا يغني أو يسمن من جوع. لكن في قاعة المحكمة تخوض السلطات الإسرائيلية ضدهم معركة شرسة.

الحجة الرئيسة التي تستند إليها المجموعة هي أنهم حصلوا على دفعة لمرة واحدة بقيمة 30 ألف شيكل في أوائل التسعينات، مقابل تعهد بعدم المطالبة بمدفوعات في المستقبل، لكنهم لا يزالون يطلبون تعويضًا عن الأمراض النفسية التي طرأت عليهم لاحقًا، ولا يزالون يعانون من آثارها حتى الآن.

أما رئيس الموساد السابق شابتاي شافيت له رأي مختلف في المعركة القانونية التي تدور رحاها حتى اليوم، ويقول لصحيفة «هاآرتس»: «إذا اضطر الموساد إلى دفع تعويضات مقابل العمليات الفاشلة التي أدارها على مدار سنوات؛ فإن خزانة الدولة ستنهار. لم يعدهم أي شخص بالنجاح في ذلك الوقت، أو يبرم معهم أي اتفاقات».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد