إنهم يلفتون نظرنا إلى أن حمل فكرة ما إلى أقصى حدود المنطق يمكن أن ينتج عنه في بعض الأحيان نتائج غريبة

يبدو أن غرابة الأطوار هي العلامة المميزة للفلاسفة العظام، أو هكذا يقترح تقرير نشر على موقع «بيج ثينك» كتبه سكوتي هيندريكس. يصل الكاتب إلى نتيجة بعد البحث في حياة أشهر الفلاسفة أن حتى ألمع الناس تفكيرًا يمكن أن يكونوا غريبين بعض الشيء من وقت لآخر.

يقول الكاتب: إن الفلاسفة ما هم إلا مجموعة من غريبي الأطوار، يستمتعون بدراسة أمور أكاديمية بحتة كلما سنحت لهم الفرصة لذلك، وغالبًا ما يسألون أسئلة تبدو لا عقلانية، أو درب الجنون للآخرين، وأنهم يتحلون بالصبر الذي يمكنهم من التفاهم مع غيرهم من الفلاسفة. ورغم كل ذلك تبقى مجموعة منهم لا يضاهيهم أحد من أقرانهم في غرابة الأطوار، إليكم فيما يلي أكثر سبعة مفكرين غير تقليديين على مر العصور، مع التنبيه على أن تلك القائمة ليست مستفيضة، ولا تتضمن كافة جوانب سيرتهم.

جيرمي بنثام (1748 – 1832)

يتناول الكاتب بداية «جيرمي بنثام»، وهو فيلسوف إنجليزي مُؤسس مذهب النفعية؛ النظرية الأخلاقية التي تفترض أن أفضل سلوك أو تصرف؛ ذلك الذي يعظم السعادة الكلية، إلا أنه كان شخصًا غريب الأطوار إلى حد كبير.

كان شخصًا انطوائيًا إلى حد ما، فعندما أطلق على عصاه التي يتوكأ عليها اسمًا، استخدم لغةً معقدةً بشكل مفرط لا لشيء سوى للمتعة، وكان مقتنعًا أن معارضة فكرة «البانوبتيكون» – مراقبة الجميع – كانت مؤامرة ضخمة مُنظمة ضد الصالح العام، وقد عزز جنون العظمة هذا اهتمامه بعملية الإصلاح خلال الفصل الأخير من حياته.

وعلى الرغم من كل ذلك، كان موته أقصى درجات غرابة أطواره؛ كتب في وصيته أن تُشرح جثته على الملأ على يد أحد أصدقائه، وبالفعل أُرسلت الدعوات لمشاهدة عملية تشريح الفيلسوف العظيم، ثم حُنط جثمانه ووُضع في صندوق زجاجي «كمعلم حي»، وما زال معروضًا في جامعة كلية لندن حتى يومنا هذا، كان رأسه مروعًا جدًا بشكل لا يمكن عرضه للناس، لذا، وُضعت نسخة من الشمع بدلًا عنها مع شعره لإكمال الصورة.

ترك «بنثام» أيضًا 26 «خاتم تذكار» لأصدقائه الموقرين، مثل «جون ستيوارت ميل». وقد احتوت هذه الخواتم على صورة ظلية نصفية، وخصلة من شعره. وتجدر الإشارة إلى أنه قد عُثر على ستة من هذه الخواتم، بينما لا يزال البحث مستمرًا عن العشرين الباقية.

بودهیدهارما

ثم ينتقل الكاتب إلى «بودهیدهارما» ويقول إن كل معلم عظيم في مذهب زن البوذي هو غريب الأطوار إلى حد ما؛ إذ يحدث ذلك عمليًا مع حمله للقب، وبطبيعة الحال، لم يُستثنى مُؤسس مذهب زن من ذلك، وصل إلى الصين من جنوب أو وسط آسيا، وعاش حياةً مثيرة للاهتمام سُجلت في سلسلة من الأساطير.

عندما وصل إلى الصين، طُلب منه أن يُلقي محاضرة في البوذية، ومن ثم جلس وبدأ في التأمل أمام المستمعين لساعات، وعندما انتهى، ثم نهض وانصرف. لفت هذا الموقف نظر الإمبراطور، راعي البوذية الذي أراد لقاء الراهب الهندي. وسأل الإمبراطور ضيفه، ما مقدار الوجاهة التي اكتسبها مقابل دعمه للأديرة، أجابه الراهب «لا شيء على الإطلاق، ليس هناك ما هو مقدس في هذا المكان فارغ». ذُهل الإمبراطور من تصريح الراهب المُبجل، ثم سأله متعجبا حول من كان يتحدث معه إذًا، طالما لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال ما هو مقدسٌ هناك، فأجابه بودهيدهارما «لا أعلم».

بعد هذا اللقاء، توجه الراهب إلى الشمال على أمل الانضمام إلى دير شاولين. لكنهم منعوه من الدخول، فبدأ التأمل داخل كهف في الجوار لمدة تسع سنوات، وعندما سمحوا له بالإنضمام إلى الدير، صُدم من الهيئة الهزيلة الرثة للرهبان، ما دفعه إلى إضافة الفنون القتالية إلى منهجه الدراسي. ويُزعم أن ذلك منشأ ما يُعرف بشاولين كونغ فو.

لودفيغ فيتغنشتاين (1889-1951)

كان «فيتغنشتاين» فيلسوفًا بارع الذكاء، غير طريقة تفكيرنا وتدبرنا في اللغة، وفعل ذلك على الرغم من نشره كتابين فحسب. اشتهر «فيتغنشتاين» بتوقفه عن العمل في الفلسفة بعد نشره كتابه الأول؛ إذ شعر منذ ذلك الحين أنه قلص حجم المشاكل الفلسفية كلها وربطها باللغة، بينما لم يُنشر كتابه الثاني إلا بعد وفاته. أما عن الفترة بين منشوريه الفلسفيين، تنازل «فيتغنشتاين» فيها عن ميراثه الضخم لأشقائه، وأصبح مدرس مُعتد جسديًا في إحدى المدارس، وصمم منزلًا مع شقيقه.

أثناء عملية البناء، اكتشف أنه غير راضٍ عن إحدى الغرف، ومن ثم عرف سبب المشكلة، فقد كان سقف الغرفة منخفض بمقدار ثلاثة سنتيمترات. وطلب بإصلاح هذه المشكلة، وقد كان، وفي حادثة طريفة أخرى، كان يتناقش ذات مرة مع الضيف المحاضر «كارل بوبر»، عندما كانا يحضران فعالية نادي العلوم الأخلاقية. خلال النقاش، كان «فيتغنشتاين» يلوح بالعصا الحديدية الخاصة بالمدفأة أثناء التأكيد على وجهة نظره، بينما كان يستخدمها أيضًا في تقليب جمرات المدفأة. ومع اشتداد سخونة النقاش، أصبحت إيماءاته عصبيةً بشكل متزايد. وفي مرحلة ما من النقاش، طلب فيتغنشتاين من بوبر أن يعطي مثالًا على القواعد الأخلاقية، رد بوبر قائلًا: «لا ينبغي أن تهدد المحاضرين الزائرين بعصي المدفأة». بعد سماعه تلك الإجابة، خرج «فيتغنشتاين»  غاضبًا على الفور.

سلافوي جيجك (1949)

يُعد «جيجك» من بين أشهر الفلاسفة على قيد الحياة، ومن خلال عمله في التحليل النفسي الماركسي، والتقاليد الألمانية المثالية، أمضى حياته المهنية بشكل غير تقليدي، ولديه العديد من المقابلات الرائعة في موقع «بيج ثينك».

اشتهر جيجك بإيماءاته اللا إرادية، فمن خلال الفيديو المرفق أدناه، يمكنك أن ترى كيف يحك أنفه بشكل متكرر، وينهي كلامه بعبارته الشهيرة «وهكذا دواليك». يُزعم أنه يستخدم هذه الطريقة للتغطية على تلعثمه الواضح جدًا في الكلام. وكما يوضح في هذه المقابلة الغريبة، يستخدم تلك الحركات اللا إرادية كي يثبت أنه مجنون لطلابه الذين يسألونه النصيحة. وقد تطورت هذه الحركات اللا إرادية، ويمكنك أن تشاهد من خلال هذا الرابط كيف يمكنه التحدث بشكل جيد بدونها.

قام «جيجك» أيضًا ببعض الأعمال المُستهجنة قليلة الشأن لإثبات وجهة نظر ما بشأن الأوساط الأكاديمية المعاصرة، ففي عام 2003، اشتهر بكتابة نصوص سلسلة صور لمجلة «ابيركرومبي أند فيتش» المعنية بالملابس غير الرسمية، وعندما سُئل لماذا فعل ذلك، قال: «إذا خيرت بين أداء أعمال مثل هذه من أجل المال، وأن أُوظف أكاديمي أمريكي بدوام كامل، وأتملق الآخرين من أجل منصب ثابت، لاخترت ببالغ السرور الكتابة لمثل هذه المجلات». يمكنكم من خلال هذا الرابط مشاهدته وهو يشرح أسباب فشل اليسار السياسي المعاصر أثناء إعداده وجبة معكرونة.

فيثاغورس (570 ق م– 495 ق م )

كان «فيثاغورس» مفكرًا يونانيًا، وهو من وضع النظرية الرياضية الشهيرة التي تحمل اسمه، على الرغم من أنه ربما لم يكن مكتشفها من الأساس، عُرف فيثاغورس بغموضه، وقد اُعتنقت فلسفته في الحياة كعقيدة واشتهرت لبعض الوقت، وأكثر ما عُرف عنه في حياته، مدرسته في الحياة التي سُميت بالفيثاغورية.

تضمنت العقيدة الفيثاغورية مجموعة من العادات الغريبة، كأن لا يسلك أفراد هذه الطائفة الطرق العامة، ولا يتناولون الفاصوليا، ولا يصنعون الخبز، ولا يخطون بقدمهم الأيسر أولًا. وفقًا لبعض الآراء، قُتل فيثاغورس على يد حشد كان يطارده على جانب أحد حقول الفاصوليا، إذ لم يرد أن يلمس الفاصوليا، فاضطر للوقوف على أحد جوانب الحقل إلى أن أدركه الحشد الغاضب، وأوسعوه ضربًا حتى الموت.

إيمانويل كانت (1724 –1804)

كان «كانت»أحد ألمع العقول البشرية على مر الزمان، وكانت لأفكاره تأثيرًا على كافة الفلسفات اللاحقة تقريبًا، بل وامتد تأثيره إلى العلوم أيضًا.

كانت غرابة أطواره تختلف عما سواه من المفكرين في هذه القائمة؛ إذ كان شخصًا عاديًا، عاديًا جدًا. كان نمط حياته اليومي منتظمًا لدرجة أن جيرانه كانوا يقولون إنهم يضبطون ساعاتهم على موعد خروجه للمشي، إذ كان يخرج في نفس الوقت بالضبط كل يوم، وكان يسلك نفس الطريق كل يوم، عدا مرتين فقط.

كان إفطاره يتكون دائمًا من كوبين من الشاي، إلى جانب تدخين الغليون، وكانت الوجبة الوحيدة التي يتناولها هي وجبة الغداء. غادر مسقط رأسه مرة واحدة من أجل حفلة تعليمية، بل إن حفلاته التي كان يقيمها كانت متشابهة التفاصيل، بما في ذلك أسلوب النقاش الحازم.

ما من شك أن أسلوب الحياة المنتظم انتظام الساعة يؤتي ثماره، إذ حقق إنجازات أكثر في النصف الثاني من حياته أكثر مما حقق معظم الناس في حياتهم كاملةً، وفعل ذلك مع بلوغه من العمر 79 عامًا، على الرغم من بنيته الجسمانية الضعيفة.

ديوجانس الكلبي (421 – 323 ق م)

ربما يكون آخر من في هذه القائمة أكثر الفلاسفة غرابة على على مر العصور، وهو كما سترون من خلال الأسطر القليلة التالية يعد تحفة متفردة في الغرابة، كان أعظم الفلاسفة الساخرين على الإطلاق، وكان يطبق ما يدعو له. أخذ «ديوجانس» فلسفة السخرية إلى أقصى مرحلة منطقية، وتعمد السخرية من الثقافة السائدة حوله فيما كان يعيش حياةً بسيطة قدر الإمكان. وكان له منهج في فكرته المجنونة: إذ أراد أن يساعد الناس على رؤية ما وراء المعايير والبديهيات التي شكلت حياتهم.

عاش «ديوجانس» في برميل بمدينة أثينا، ولم يكن يملك سوى عباءة وعصا، وكان يملك وعاءًا حتى رأى طفلًا يشرب الماء بيده، ما ألهمه بتدمير الوعاء باسم الحياة البسيطة. وعندما سُئل عن رغبة ما كي يحققها ملك اليونان له، طلب من الإسكندر الأكبر «توقف عن حجب ضوء الشمس». كان عادةً ما يمارس تسوله بطلب المال من التماثيل، كي يلقن نفسه درسًا، ولا يُصاب بخيبة الأمل إذا ما رُفض طلبه، وقد اشتهر بالتبول في الأماكن العامة، والسير إلى الوراء في الطرقات لإرباك المارة الآخرين.

في إحدى المناسبات، سمع مصادفةً أفلاطون أثناء القاءه محاضرة في أكاديميته، حيث كان يُعرف الإنسان على أنه «كائن منزوع الريش يسير على قدمين». وعلى الفور، ركض «ديوجانس» وأحضر دجاجة بعد أن نتف ريشها. وعاد إلى أفلاطون، وصاح قائلًا «انظر، لقد أحضرت لك رجلًا» أمام جمهور المستمعين، ما اضطر أفلاطون أن يضيف إلى تعريفه ذلك الوصف الإضافي «يملك أظافر عريضة مسطحة»، وبإمكانك الآن فهم سبب وصف أفلاطون لديوجانس بـ«سقراط المجنون».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!