رصد تيم أرانجو في مقال له في صحيفة «نيويورك تايمز» آثار الدمار الذي حل بمدينة الموصل العراقية بسبب المعارك العنيفة التي يخوضها الجيش العراقي بمساعدة قوات التحالف الدولي بقياة الولايات المتحدة، من أجل استعادتها من يد «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، الذي سيطر عليها في عام 2014.

وقال تيم «إن العشرات من المدنيين العراقيين يطلقون نداءات استغاثة من تحت أنقاض منازلهم الواقعة غربي مدينة الموصل والمدفونين أسفلها منذ أيام، بعد أن دكت مقاتلات التحالف الدولي – الذي تقوده الولايات المتحدة – الحي الذي يسكنون فيه وسوته بالأرض».

وقال مراسلو صحيفة نيويورك تايمز، الذين زاروا المنطقة المنكوبة: إنهم قد رأوا بعض الناجين الذين يبحثون عن الجثث بين الأنقاض. وكان مسؤولون عراقيون قد أكدوا مقتل أكثر من 200 شخص، فيما اعتُبر أكبر عدد من الضحايا سقط بسبب الأمريكيين في العراق.

تشير الصحيفة إلى أنه قد جرى تسريع وتيرة المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية في المدينة؛ مما دفع طائرات التحالف الدولي إلى التعجل في استهداف المناطق السكنية، دون التفكير مليًا في المخاطر المحيطة بالمدنيين. ويقول ضباط عراقيون «إن هذا النهج يعكس الاستراتيجية العسكرية الجديدة التي تنتهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التعامل مع معركة الموصل لإنهائها في أسرع وقت ممكن».

تعرف شخص على جثة ابن أخيه، بينما دوّن آخر اسمه. وُضعت جثة الفتى في كيس
بلاستيكي أزرق، ونُقلت إلى موقف سيارات يضم جثثًا أخرى. وقد جرى دفن العديد
من القتلى في أفنية المنازل المدمرة.

وردّ المسؤولون العسكريون الأمريكيون بالقول «إن نهج الولايات المتحدة حيال منح الأولوية لحماية المدنيين لم يتغير». وأصروا على أن التقارير التي تتحدث عن حجم الوفيات بين المدنيين تضر بسير المعارك المشتعلة للقضاء على داعش. وأكدوا أنه منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حصل المستشارون العسكريون الأمريكيون على حرية أكبر في اتخاذ القرارات العسكرية، دون الرجوع إلى القيادة.

باتت معركة الموصل تشكل خطرًا شديدًا على المدنيين الآن – يؤكد تيم – مع وصول المعارك إلى الأزقة الضيقة والمناطق المكتظة بالسكان في البلدة القديمة. إذ يتخذ مقاتلو الدولة الإسلامية مئات الآلاف من المدنيين دروعًا بشرية ولا يكترثون لمصيرهم.

في غضون ذلك، تتوافد المزيد من القوات الخاصة الأمريكية على خط الجبهة وهي تتنكر في زي الجيش العراقي. وهكذا – من الناحية النظرية – ستغدو العمليات ضد التنظيم أكثر دقة. وخلال الأيام القادمة، يعتزم الأمريكيون إرسال 200 جندي آخر لدعم العمليات الجارية هناك.

ويؤكد التقرير أن النهج الأمريكي العسكري الأعنف كان موضع ترحيب من العديد من القيادات العسكرية العراقية، حيث قالوا «إن المعارك في المناطق المكتظة بالسكان تتطلب المزيد من الضربات الجوية، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة عدد الضحايا في صفوف المدنيين».

ولكن بعد وقوع الكارثة – يضيف التقرير – جرى مقارنة ما حل بمنطقة الجديدة في الموصل من دمار هائل بالكارثة التي لحقت بهيروشيما اليابانية إثر قصفها بالقنبلة النووية في الحرب العالمية الثانية. برز ذراع أحد الضحايا من تحت الأنقاض، وتجول عمال الإنقاذ – الذين ارتدوا الأقنعة بسبب الرائحة الكريهة وحمل بعضهم أسلحة – بحثًا عن الجثث بين الأنقاض.

وقف أحد الناجين أمام منزله المدمر وهو يحمل ورقة مدون فيها أسماء 27 فردًا من عائلته إما لقوا حتفهم أو مفقودين. وبجواره قال أحدهم «لقد فقدت كل عائلتي باستثثناء أخي».

لم يقتصر سقوط الضحايا من المدنيين على معركة الموصل – يقول التقرير – فقد انخرطت المزيد من القوات البرية في سوريا، ورافق ذلك زيادة في عمليات القصف الجوي. وفي سوريا، اشتعلت المنطقة المحيطة بمحافظة الرقة – معقل تنظيم الدولة وعاصمة خلافته – والهدف من العمليات في كلا البلدين هو طرد عناصر التنظيم من المدن الكبرى وزيادة الضغط عليه.

وقد أوضحت منظمة Airwars – منظمة معنية بمراقبة القصف الجوي وتأثيره على المدنيين ومقرها لندن – أن عدد الضحايا من جراء عمليات القصف الجوي التي شنها التحالف الدولي في الأشهر الأخيرة، قد تخطى للمرة الأولى عدد الضحايا الذين سقطوا بسبب القصف الجوي الروسي في سوريا.

وأضافت المنظمة: أن زيادة أعداد القتلى في صفوف المدنيين بدأ في عهد إدارة أوباما وتسارع في عهد ترامب. وقال مسؤولون أمريكيون «إن التحالف الدولي يجري تحقيقًا لمعرفة ما إذا كان عشرات الضحايا الذين قُتلوا قد سقطوا بفعل قصف التحالف أم لا»، لكنهم أصروا على أنهم لا يدخرون جهدًا لحماية المدنيين أثناء العمليات العسكرية الجارية.

فيما صرح وزير الدفاع الأمريكي للصحافيين يوم الاثنين الماضي 27 مارس (آذار) بأن القادة العسكريين يدركون أنه قد يسقط ضحايا من المدنيين عندما يتخذهم العدو دروعًا بشرية. وأنهم يبذلون قصارى جهدهم لحماية المدنيين الأبرياء.

كان شرق مدينة الموصل – ثاني أكبر المدن العراقية – قد جرى تخليصه من بين أيدي تنظيم الدولة، وعادت الحياة الطبيعية إليه، لكن الجزء الغربي من المدينة يشهد سيلًا من الدماء، بسبب اكتظاظه بالسكان.

أسوشيتيد برس

اللواء معان السعدي – قائد في القوات الخاصة العراقية – قال «إن رجاله هم من طلبوا تدخل التحالف الدولي بالقصف الذي أدى لمقتل المدنيين»، وعبر عن أسفه لذلك.

لكنه عاد وأكد أن الأمر مجرد سوء حظ في حرب قذرة. وقال «إن الجيش العراقي فقد الآلاف من جنوده في معاركه مع تنظيم الدولة، وأن سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين في هجوم واحد في مقابل تحرير مدينة الموصل بأكملها، ليس بالأمر السيئ».

وأضاف: «هذه حرب والأخطاء واردة فيها. إننا نقاتل أعتى منظمة إرهابية في العالم، مع دعم دولي غير مسبوق». بينما قال اللواء علي جمال – ضابط استخبارات في صفوف القوات الخاصة العراقية – إنه يقاتل تنظيم الدولة منذ أكثر من عامين بمساعدة من طائرات التحالف الدولي.

أسوشيتيد برس

صرح جمال للصحيفة قائلًا «لم نعهد مثل هذا التجاوب السريع من جانب التحالف الدولي. في السابق كان رد فعل التحالف بطيئًا، والحجة هي التأكد من عدم وجود مدنيين في المنطقة».

يقول التقرير «إن المسؤولين استخدموا (بلدوزر) لإزاحة الأنقاض، حتى يتمكن عمال الإنقاذ من استخراج الجثث. وتعرف شخص على جثة ابن أخيه، بينما دوّن آخر اسمه. وُضعت جثة الفتى في كيس بلاستيكي أزرق، ونُقلت إلى موقف سيارات يضم جثثًا أخرى. وقد جرى دفن العديد من القتلى في أفنية المنازل المدمرة».

كما أكد مدنيون، تواجدوا في المنطقة وسط القتال، أن المنطقة كانت تعج بالمدنيين أثناء القصف، لا سيما أن الطائرات الأمريكية ألقت منشورات على المدنيين تحثهم على البقاء في منازلهم وعدم الخروج أثناء المعركة، لكن القتال انتقل إليهم بحسب التقرير.

ويؤكد الكاتب أن مقاتلي داعش اختبأوا بين المنازل وانتشروا في الأفنية، وتنقلوا عبر فتحات في الجدران؛ مما سمح لهم بتغيير مواقعهم دون أن تراهم القوات العراقية.

أسوشيتيد برس

ينقل التقرير عن أحد المصابين في الهجوم – الذي يخضع للعلاج في مستشفى في أربيل الكردية – قوله «لقد كان بمقدوري سماع صوتهم بسبب قربهم الشديد. كانوا يدركون تمامًا أننا في الداخل». بينما قال آخر إنه تواصل مع قناص عراقي كان يتمركز في البناية المقابلة له. «كان يلوح لي بيده. كان يراني وكنت أراه».

وذكر بعض السكان والضباط العراقيين أن مقاتلي التنظيم – الذين كان بعضهم يتحدث اللغة الروسية وفق شهود عيان – قد نشروا قناصة فوق أسطح المنازل، وقتلوا بعض أفراد القوة المتقدمة. وقد اضطُر مئات المدنيين إلى النزول إلى أقبية منازلهم لحماية أنفسهم. وهناك لقوا حتفهم، بسبب قصف الطائرات التي كانت تستهدف القناصة.

لكن أحد سكان المنطقة نفى ذلك قائلاً إن هناك بيوتًا لم يتواجد فيها عناصر من داعش، وتعجب من فكرة قتل كافة سكان الحي للقضاء على حفنة من المقاتلين.

اقرأ أيضًا: الصورة شبه الكاملة لحصيلة 5 أشهر من معركة استعادة الموصل

وقال مسؤولون أمريكيون «إن تحقيقهم خلص إلى أن بناية واحدة فقط انهارت بعد عدة أيام من القصف، فأثار ذلك احتمالية قيام عناصر التنظيم بتفجيرها بعد القصف، مما أوقع العديد من الضحايا في صفوف المدنيين».

ينقل التقرير عن ناجين من الحادث نفيهم ذلك، إذ قالوا «إن القصف الجوي هو من أسقط البنايات». بينما قال ضباط عراقيون «إن اشتعال المعارك في المنطقة لعدة أيام أخر وصول المسعفين، حيث لم ينجُ سوى القليل من الأشخاص جرى نقلهم إلى مستشفيات في مدينة أربيل الواقعة على بعد 50 ميلًا شرقي الموصل».

الطائرات الأمريكية ألقت منشورات على المدنيين تحثهم على البقاء في منازلهم وعدم الخروج أثناء المعركة، لكن القتال انتقل إليهم.

أحد الناجين – والذي ظل عالقًا تحت الأنقاض عدة أيام – جرى انتشاله بكسر في إحدى ذراعيه وجروح عديدة. قال إنه لم يكن يتصور أنه سيموت هناك، وظل يتحدث إلى شخص آخر تحت الأنقاض، لكن الأخير لم ينجُ. ، ووصف ذلك قائلًا «كانت محادثة بين ميّتين».

وأضاف أنه قد اختبأ في قبو منزله بسبب فزعه من عمليات القصف العشوائي، وليس لأن مقاتلي تنظيم الدولة أجبروه على ذلك. «ظننتُ أنا وعائلتي أن هذا أأمن مكان». وعند سؤاله عما حل بعائلته، تحول شقيقه عن الحديث في هذا الأمر.

ويختتم التقرير بلقطة من خارج غرفة المستشفى حيث أخبر شقيقُ الناجي المراسلَ أنه لم يُطلع شقيقه بعد على حقيقة أن زوجتيه وبناته الأربع وابناه وحفيداه قد لقوا حتفهم جميعًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد