كتب روبرت فيسك مقالًا أشبه بالمرثية في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية حزنًا على تدمير مئذنة جامع النوري التاريخية في مدينة الموصل، التي جرى تدميرها الأسبوع الماضي في خضم المعركة المشتعلة لتخليص مدينة الموصل من قبضة عناصر تنظيم الدولة (داعش).

استهل فيسك مقاله بالحديث عن رحلته إلى مدينة الموصل قبل 14 سنة قائلًا «على مر السنوات، رأيت ما لا يحصى من الكنوز الأثرية النفيسة والتحف، التي باتت الآن أثرًا بعد عين». وذكر فيسك أنّه سافر إلى الموصل على عجل لرؤية المكان الذي قتل فيه الأمريكيون نجلي صدام حسين، فإذا به يلمح المئذنة «الحدباء لجامع النوري الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر، وشيده البطل العربي المسلم نور الدين زنكي، الذي صال وجال ضد الصليبيين. بيد أنّ مئذنة المسجد باتت حطامًا خلال ثوانٍ معدودة، وسط تبادل الاتهامات بين أطراف الصراع حول المسئول عن تفجيرها».

اقرأ أيضًا: أبرز عشر مدن تراثية عربية دمرها الصراع الحالي

تحدث فيسك عن تجربة مماثلة خاضها في سوريا فقال «في عام 2012، مررت على جامع بني أمية العريق في حلب، ثم سرت في الطرق المؤدية إلى القلعة القديمة وسط أزيز الرصاص. وبعدها بعام، دُمرت مئذنة الجامع، وتبادلت الحكومة السورية والجماعات التابعة للقاعدة الاتهامات حول المسئول عن تدميرها».

وقال فيسك إنّه قد زار آثار مدينة تدمر في ثمانينات القرن الماضي. وعندما عاد إليها مجددًا بعد طرد تنظيم الدولة من البلدة القديمة، وجد قوس النصر قد دُمر، وبات معبد بِل ركامًا. أما المسرح الروماني – حيث أعدم تنظيم الدولة العشرات – فقد سلِم من الأذى. ولكن عندما عاود التنظيم السيطرة على المدينة، قام بتدمير المسرح.

بعد اشتعال الحرب البوسنية – يواصل فيسك حديثه – كان قد مرّ فوق جسر سنان التاريخي في موستار، الذي انهار بفعل القصف الكرواتي بعد أن ظلّ شامخًا لمدة 427 – حيث بُني في العهد العثماني. يقول فيسك إنه يحتفظ بتسجيل مصور للجسر، وقد اعتاد على الاطلاع عليه بين حين وآخر للاستمتاع بشكله قبل تدميره. شعر المسلمون في البوسنة بحزن بالغ على تدميره. وبالمثل، يشعر العراقيون بحزن عميق على خسارة الحدباء.

كان الروائي اليوغسلافي إيفو أندريتش قد وصف في إحدى أروع الروايات على الإطلاق «جسر على نهر درينا» كيف أن البشر تعلموا من ملائكة الرب بناء الجسور، وهكذا، يعتبر تشييد الجسور – بعد الينابيع – أعظم النعم، ويعتبر تدميرها أعظم الخطايا، لكننا بتنا معتادين على الخطايا العظيمة والجرائم الثقافية – يؤكد فيسك – فقد بات تدمير المعالم الثقافية والأثرية سمة رئيسية لحرب البوسنة. وقد تلطخت يد الأطراف كافة بتلك الجريمة. فالمسيحيون الصرب دمروا المساجد، والمسلمون الكوسوفيون دمروا الكنائس.
يعج التاريخ بآلاف من تلك الجرائم المريعة. من ينسى ما فعلته حركة طالبان في تمثال بوذا العريق عام 2001؟ ومن يهتم لقيام السعوديين – الذين ابتدعوا الوهابية التي تتبناها التنظيمات المتشددة مثل داعش – بتدمير العديد من المواقع الأثرية الخاصة بالنبي محمد وعائلته؟

اقرأ أيضًا: «تاريخ الخراب».. القصة شبه الكاملة لعلاقة الدولة والآثار في مصر

وفي الحرب العالمية الثانية، جرى تدمير مركز مدينة روتردام العريق، وكاتدرائية كوفنتري، وكنائس رين في لندن، وتدمير آثار عصر النهضة في إيطاليا، وعشرات المواقع غيرها في القارة العجوز. سبق ذلك حرق الألمان لجامعة ومكتبة لوفان في الحرب العالمية الأولى، وأيضًا قاعة القماش التاريخية في بلجيكا.

النبأ السار هو أنّ بعضًا من تلك الآثار قد أعيدت إلى سيرتها الأولى. فقد جرى بناء قاعة القماش مجددًا، والمدينة القديمة في وارسو. وأعادت الأمم المتحدة تشييد الجسر في البوسنة. ومول السعوديون إعادة بناء مساجد البوسنة، وصمم المعماري بازل سبينس كاتدرائية كوفنتري الجديدة. يقول فيسك إنّ وارسو عادت مثلما كانت من قبل، لكن جسر موستار في البوسنة أمامه وقت طويل حتى يعود مثلما وصفه أحد زائريه في القرن السادس عشر «مثل قوس قزح يصل عنان السماء». وعادت قاعة القماش ساحرة كما عهدناها.

«ولكن إذا كانت النفس البشرية أغلى ما في العالم، فلماذا ننتحب على حطام بوذا والمدن الرومانية والمساجد والكنائس والمكتبات؟» يتساءل فيسك؟ من المفترض أن تكون الأولوية هي إنقاذ البشر وليس الحجر. ولكن يبدو أنّ العالم يهتم بالحجر أكثر، فلطالما تأسفت الأمم المتحدة على تراث الأطفال الضائع. يقول فيسك إنّه لم يشهد تعبيرًا أوضح من كلمات امرأة كرواتية بعد تدمير الجيش الكرواتي جسر ستاري موست، إذ قالت إنّها شاهدت صورة لشابة بوسنية جرى ذبحها، وتساءلت لماذا تشعر بالحزن على الجسر أكثر من حزنها على السيدة.

ينقل فيسك عن الكرواتية سلافنكا دراكوليتش تفسيرها لذلك بالقول «نحن نتوقع موت البشر، وننتظر نهاية الحياة، لكن تدمير رمز حضاري شيء آخر. لقد شُيد الجسر حتى يعيش إلى الأبد. ولأنه نتاج الإبداع الفردي والخبرة الجماعية، فقد تجاوز قدرنا كأفراد. قد تعتقد أنّ العالم لن يشهد أسوأ من معسكرات الاعتقال وعمليات الاغتصاب الجماعي والتطهير العرقي، فما عاد هناك شيء لا يمكن تخيله».

وبالنسبة إلى المسلمين – يختتم فيسك حديثه – فإنّ القدر والخلود قد ذُكرا في القرآن الكريم، فقد أسرّ الله إلى نبيه محمد بأنّ يوم 27 رمضان هو ليلة القدر، وهي أقدس ليلة في التقويم الإسلامي، وقد تصادف أنها الليلة التي دُمرت فيها «حدباء» الموصل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك