11,001

لقد قتلناهم جميعًا: داعش، والرجال والنساء والأطفال، قتلنا الجميع. (جندي عراقي)

تناول تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» الأيام الأخيرة من معركة تحرير الموصل التي قادتها القوات العراقية ضد تنظيم «داعش». ويستعرض التقرير الأوامر الوحشية التي تلقاها جنود القوات العراقية بـ«قتل كل الأهداف المتحركة على الأرض دون تفرقة»، وفيما يلي الترجمة الكاملة للتقرير:

ينظر الجندي العراقي من غرفته الصغيرة ذات الجدران الثلاثة نحو أرض من الأنقاض التي تنحدر بشدة إلى ضفاف نهر دجلة، ويتأمل الأيام الأخيرة من الحرب الوحشية ضد «تنظيم الدولة الإسلامية». يقول بهدوء «لقد قتلناهم جميعًا: داعش، والرجال والنساء والأطفال، قتلنا الجميع».

يخفي ما تبقى من هذا الجزء من المدينة القديمة في الموصل – حيث قاوم مقاتلو داعش إلى آخر رمق – وما يقبع تحتها الأيام الأخيرة المروعة للمعركة. تبرز مئات الجثث من تحت أنقاض وركام الأبنية التي كانت في وقت سابق الجانب التاريخي من المدينة المفعم بالحياة. تهب رائحة الجثث المتحللة، التي تأتي بسرعة – في حرارة الصيف القائظ – لتطغى على حواس الإنسان.

وتعتبر الأقدام هي البقايا الأكثر تميزًا. فالعديد منها يبرز من تحت الأنقاض. تركت فورة القتل النهائي بصماتها، ويشعر المرء برغبة حقيقية في نقل وقائعها. خلال الأسبوع الماضي، مرت الجرافات المدرعة ذهابًا وإيابًا على المنازل المدمرة، فسوت العديد من الجثث بالأنقاض.

لكن القتلى يرفضون الذهاب طي النسيان؛ إذ تتوهج أجزاء الجسم المتعفنة باللون الأحمر وسط الغبار والمباني المكسورة.

تحدث مسؤول في الجيش العراقي لـ«ميدل إيست آي» بالقول «هناك العديد من المدنيين بين الجثث. بعد الإعلان عن التحرير، أعطينا أمرًا بقتل أي شيء أو أي شخص يتحرك». وقال المسؤول، الذي اشترط عدم ذكر اسمه، إن الأوامر كانت خاطئة، ولكن كان على الجيش أن يتبعها. وأضاف «لم يكن هذا هو الشيء الذي يجب القيام به؛ إذ استسلم معظم مقاتلي داعش، وسلموا أنفسهم، لكننا قتلناهم».

اقرأ أيضًا: «ما خفي كان أعظم».. ما لا يخبرك به الإعلام عادةً عن معركة الموصل

لم نعتقل سوى القليل جدًا

فند المسؤول مزاعم بعض الجنود العراقيين بأن السجون في بغداد كانت ممتلئة عن آخرها ولا يمكنها استقبال المزيد من سجناء داعش. فقد قال «ليس صحيحًا، فلدينا الكثير من السجون، لكننا الآن لا نعامل السجناء كما فعلنا من قبل. قبل هذه المعركة، كنا نعتقل الكثير من عناصر داعش، ونجلبهم إلى أجهزة الاستخبارات، لكننا الآن نلقي القبض على عدد قليل جدًا».

وكان عدد من الصحافيين قد رأوا أسرى داعش وهم يمرون عبر شوارع المدينة القديمة المدمرة برفقة القوات الخاصة. ظهر أحد الأسرى مقيدًا وجرى لف حبل حول عنقه. وقد صادر الجنود بطاقات الذاكرة التي كان يحملها الصحافيون وأمروهم بالمغادرة.

لا يوجد قانون هنا الآن. كل يوم أرى أننا نفعل نفس ما فعله تنظيم داعش، فقد نزل الناس إلى النهر للحصول على المياه؛ لأنهم يموتون من العطش، لكننا قتلناهم. (مسؤول بالجيش العراقي)

تتراص الجثث على الضفاف الغربية لنهر دجلة. قتل بعضهم في الغارات الجوية، أو أثناء القتال، أو جرى إعدامه، أو توفي بسبب الجوع أو العطش، وبعض الجثث جرفها الشاطئ، بينما البعض الآخر طفا فوق في المياه الزرقاء. وكانت بعض الجثث صغيرة تعود إلى أطفال.

تظهر لقطات نشرت على وسائل الإعلام الاجتماعي في 17 يوليو (تموز) مروحيات عراقية تنفذ ما يعتقد أنه كان من بين الغارات الجوية الأخيرة على معركة الموصل التي استمرت تسعة أشهر. فعلى وقع الموسيقى التصويرية المبهجة والمنتصرة، تستهدف المروحيات الناس اليائسين الذين يحاولون الهروب من المدينة القديمة عن طريق السباحة عبر النهر.

وفي مكان قريب، يلتقط الجنود صور النصر أمام العلم العراقي، وقد وُضع العلم فوق كومة من الأنقاض وأجزاء الجسم. لقد أصبحوا لا يتأثرون بمناظر الموت التي ينتقلون عبرها. إن وحشية هذا الصراع الطويل وبربرية عدوهم قد أثرت على القوات المسلحة العراقية. لم يبق سوى القليل من الإنسانية هنا.

يتفقد الجنود – ومعظمهم يرتدي الأوشحة حول وجهه لتجنب رائحة الموت المفرطة – الأنقاض والجثث، بحثًا عن غنائم متواضعة من الحرب. ثمة القليل من قطع البنادق المكسورة، وخزائن السلاح الفارغة، وعدد قليل من علب الذخيرة.
في أواخر الأسبوع الماضى، كانت ما تزال القوات العراقية تتعرض لهجوم من قبل مسلحين من تنظيم الدولة الإسلامية الذين يبرزون من بين الأنقاض أو المباني المنهارة لإطلاق النار على الجنود أو لإلقاء القنابل اليدوية.

اقرأ أيضًا: «ساسة بوست» من قلب الموصل: كل ما تريد معرفته عن معركة الميل الأخير

وفي يوم الخميس، اقترب جندي مما كان يعتقد أنه جثة داعشي. تظاهر المسلح بأنه ميت، وأطلق النار على الجندي من مسافة قريبة. كان لا يزال هناك أشخاص على قيد الحياة تحت الأنقاض يوم الاثنين عندما تم العثور على أربعة عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية – مقاتلين أجنبيين وآخرين عراقيين – مختبئين. وقال جندي عراقي متمركز هناك: إن الأربعة قد قتلوا.

من المحتمل أن يكون هؤلاء من بين من يعتقد الجنود أنهم عدد قليل من الناجين، الذين لا يزال بعضهم يستهدف القوات العراقية من مخابئ تحت الأرض. وكان جندي عراقي قد صرح الخميس الماضي أن ثمانية أنفاق بداخلها أفراد من داعش تم تحديد أماكنها من قبل الجيش، عبر مقابلات مع النساء والأطفال الذين فروا.

قال الجندي «هناك ثلاثة أنفاق في قطاعنا. الأول بداخله ستة مقاتلين عراقيين من داعش، وآخر بداخله 30، بينهم تسع نساء، والثالث لا نعرف العدد الدقيق بداخله، ولكن الناس القادمين يقولون لنا الكثير».

لا يعرف مصير أي من هؤلاء الناس – لكن عددًا قليلًا جدًا من المدنيين ظهر على قيد الحياة من تحت الأنقاض منذ يوم الخميس. أما إمدادات الغذاء ومياه الشرب، فإما نادرة أو غير موجودة تحت الأرض. وكان آخر خروج للمدنيين من تحت الأنقاض شبيهًا بضحايا معسكرات الاعتقال النازية؛ إذ صرح الكثيرون منهم أنهم لم يأكلوا منذ أسبوعين. وكان بعضهم على شفا الموت.

وفي يوم الأربعاء الماضي، نقل طفل يزيدى جائع يبلغ من العمر 11 عامًا إلى مستشفى ميداني، حيث عولج من الجفاف الشديد وسوء التغذية، ووصف مشاهدته لأربعة أطفال آخرين يموتون من العطش. كان تنظيم الدولة الإسلامية قد أسر الصبي وشقيقته البالغة من العمر 13 عامًا، التي لم يشاهدها خلال الثلاثين يومًا السابقة، من مسقط رأسهم في جبال سنجار العراقية في عام 2014.

قتل تنظيم داعش الآلاف من اليزيديين – الذين يكفرهم – وأخذ الآلاف من النساء والأطفال في الأسر.

وقال أحد الجنود «لن نعطيهم شيئًا. فيوم أمس، أراد أحد الجنود إدخال زجاجة ماء إلى حفرة؛ حيث اعتقد أن هناك مدنيين محاصرين، فإذا بمقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية قد سيطر على سلاحه، وهي بندقية من طراز إم 4».

وعلى مقربة من النهر، قال سائق الجرافات: إن مهمته هي المناورة فوق الأنقاض، وملء أية فتحات مريبة؛ لمنع نشاط تنظيم الدولة الإسلامية المحتمل. قال «أقوم بملء الفتحات بالأنقاض؛ حتى لا يتمكن عناصر داعش من الخروج مرة أخرى». مضيفًا أنه لم يكن متأكدًا مما إذا كان يدفن الناس أحياء أم لا. ويضيف «بعض الأنفاق تمتد على مسافة طويلة، وربما يمكنهم الخروج من مكان آخر، ولكن مهمتي هي التأكد من أنهم لا يستطيعون الخروج من هذه الفتحات مرة أخرى».

الموت في كل مكان

حتى في مناطق البلدة القديمة التي تم تحريرها منذ أسابيع، لا يزال الموت مستمرًا. فبالقرب من بقايا مسجد النوري المدمر، يستقر رأس امرأة من تنظيم الدولة الإسلامية فجرت نفسها بين النساء والأطفال الفارين إلى جانب حفرة. وعند الغبار تستقر فرشاة شعر، وحقيبة يد حديثة، وملابس ملونة – وهي الأشياء الصغيرة التي كان الناس يأملون الهرب بها – وساق المرأة.

يظهر قط عبر شارع مدمر مع قطعة من اللحم معلقة بين فكيه. إنه حتمًا لحم بشري – فاللحم الوحيد الذي بقي في البلدة القديمة يخص القتلى. ولا تزال جثث جديدة تظهر في مواقع مختلفة في جميع أنحاء المدينة القديمة. ومن الواضح أن بعضهم قد أعدم، حيث أطلقت النار على الرأس من مسافة قريبة.

ولا تزال العديد من الجثث مقيدة اليدين والقدمين، مما يدل على أنه أعدموا، إما حين كانوا ميتين، أو وهم أحياء، وقد تم جرهم عبر الشوارع المهجورة، بينما أحرقت جثث الكثيرين للحد من رائحة التحلل.

تدعي القوات العراقية بفخر أنها قتلت ما لا يقل عن ألفين من مقاتلي داعش في المراحل الأخيرة من معركة البلدة القديمة. وكان العديد منهم مقاتلين أجانب.

لم يقدم أحد الرقم الحقيقي للمواطنين القتلى من النساء والأطفال الذين لم يتمكنوا من الفرار، لكن الطريقة التي مرت بها الجرافات فوق الأنقاض والجثث ذهابًا وإيابًا تعني أن الخسائر البشرية الحقيقية خلال مذبحة الموصل الأخيرة لن تعرف أبدًا. باتت مدينة الموصل القديمة الأنيقة مقبرة كبيرة الآن، ونصبًا تذكاريًا لواحد من أبشع الصراعات في القرن الـ21.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك