نشر موقع Road To Vr (ويعني: الطريق إلى العالم الافتراضي) تغطية أعدها الكاتب سكوت هايدن حول تجربة فريدة من نوعها لأم حرمت من طفلتها التي توفيت في عمر السابعة، فما كان منها إلا أن لجأت إلى صنع فيديو يصور عالمًا افتراضيًّا أتاح لها قضاء بضع لحظات مع ابنتها. لكن الكاتب يشكك فيما قد تثيره هذه التجربة من بواعث قلق أخلاقية، وإن كان يعترف رغم ذلك بأن هذا هو ما سيحدث في المستقبل، قائلًا: إن البشر الافتراضيين قادمون لا محالة.

تكنولوجيا

منذ سنة واحدة
عاش في «الواقع الافتراضي» أسبوعًا كاملًا.. شاهد ماذا حدث له

بثت قناة أم بي سي التليفزيونية الكورية الجنوبية مؤخرًا فيلمًا وثائقيًّا باللغة الكورية يدور حول فقدان عائلة لابنتهم الصغيرة نايون البالغة من العمر سبع سنوات. وباستخدام قوة التصوير المساحي والتقاط الحركة والواقع الافتراضي، أعاد الفريق تصميم شخصية الطفلة نايون لكي تودع الأم جي سونج وداعًا أخيرًا. 

مثل أي طفلة عادية تبلغ من العمر سبع سنوات، كانت نايون طفلة مفعمة بالحيوية ومرحة.  لكنها أصيبت فجأة بداء البلعمة، وهو ارتفاع نسبة الخلايا اللمفاوية في الدم، وهو مرض يهدد الحياة بسبب الالتهاب الشديد المفرط الناجم عن النمو غير المنضبط لخلايا الدم البيضاء في الجسم. بالنسبة إلى جي سونج، بدا الأمر في البداية كما لو كانت نايون مصابة بنزلة برد بسبب التورم والحمى لديها. لكن ابنتها توفيت بعد شهر واحد في المستشفى.

يمضي الفيلم الوثائقي الذي يطلق عليه «اللقاء معك» في إعادة ابتكار سلسلة من الذكريات الدافئة من حياة نايون. وبفضل جهاز HTC Vive Pro وحزام تتبع Vive ومحول لاسلكي، استطاعت الأم زيارة نسخة افتراضية من حديقة كانت الأسرة تتردد عليها. وهناك تضحك نايون، وتسأل والدتها بحذر عما إذا كانت خائفة. وتتساءل لماذا الجو بارد في الخارج. بل وتلمسان أيادي بعضهما البعض، ثم ترتفعان إلى مملكة السماء.

وهكذا تعيش الأم والطفلة الافتراضية المزيد من الذكريات السعيدة معًا. إنه عيد ميلاد نايون، وهناك حلويات أرز العسل، وكعكة عيد الميلاد، وحساء الأعشاب البحرية المفضل لديها. تضع جي سونج نيو الافتراضية في السرير لتغفو، وتلعب في شعرها بينما تتمايل.

بالنسبة للناطقين بغير اللغة الكورية، فإن استخدام الترجمة المولدة تلقائيًّا في يوتيوب تعد غير ذات جدوى في الفيديو الذي يستغرق تسع دقائق. لحسن الحظ، كانت الفقرات الكورية المتضمنة في الفيديو سهلة الترجمة من خلال تطبيق جوجل الذي يعتمد على الكاميرا وكانت واضحة جدًّا أيضًا. وسواء كانت هناك ترجمة أم لا، فإن مشاعر جي سونج كانت تتحدث بلهجة إنسانية يمكن لجميع البشر فهمها على اختلاف ألسنتهم إلى حد بعيد.

بواعث قلق أخلاقية

يلفت الكاتب إلى أن هناك عامل استغلال واضح لمشاهدي التلفزيون، يتمثل في جمع شمل الأم مع طفلتها المتوفية؛ إذ كانت نايون تحرك القلوب عندما تطلب من والدها التوقف عن التدخين، ومطالبة إخوتها بعدم الشجار كثيرًا، وهو الأسلوب الذي يقصد به إرسال رسالة مفادها أن هذه التقنية بإمكانها إعادة أحد الأحباء المتوفين، بمثل هذا الإخلاص الرفيع، إلى الحياة.

ويحذر من أن هذا الأسلوب يثير بعض بواعث القلق الأخلاقية، وهي بواعث ليست لدينا إجابات واضحة عنها حتى الآن. وسواءً كان استحضار أشباح افتراضيين للأحباء المفقودين قد ينظر إليه يومًا ما على أنه استعادة لمشاعر الصدمة دون داعٍ، أو آلية تعامل مع الوضع تصلح للمساعدة في التغلب على الشعور بالمأساة، فهو أمر لا يمكننا أن نقرره الآن، بحسب الكاتب. 

تجارب افتراضية وذكريات

يتابع الكاتب: شخصيًّا، كل هذا لم يكن مثيرًا للقلق بالنسبة لي للوهلة الأولى، وربما خارج ما أعتقد أنه صحي. ومع ذلك، يبدو أنه ساعد جي سونج إلى حد ما، بوشم عيد ميلاد ابنتها بوصفه ذكرى لا تمحى. 

وفي منزل العائلة هناك صور لنايون في كل مكان. وكل شهر تزور العائلة مكان دفن نايون لتترك هناك ألعابها المفضلة على سبيل الذكرى. ومن الواضح أن العائلة لا تهرب من الواقع، أو تحاول أن تنسى ما يعد من المرجح جدًّا أحد أسوأ الأشياء التي تحدث لها، ولكن في الوقت ذاته هم لا يفرطون في التعلق بالماضي. 

قبل أن تتجه جي سونج لتجربة الواقع الافتراضي، أحرقت رسائل طفلتها وهداياها، بما في ذلك قميصًا كان من الصعب على ابنتها أن ترتديه في المستشفى. ويُعد دمج تجاربها الافتراضية الأخيرة الحية عن نايون في ذاكرتها بمثابة وداع فردي ممتع ومؤلم في آن، وتجربة لم يكن بإمكانها أن تحظى بها أبدًا في غرفة المستشفى. فالموت في كثير من الأحيان يثبت أنه غير سينمائي على نحو مخيف مثل هذه الصورة الافتراضية.

يكمل الكاتب: بعد ترجمة كل فقرة على الشاشة، غالبًا ما اختفت غرائزي الساخرة الأولية بأن أصنف ذلك على أنه نوع من لعب الدمى التي لا تراعي حساسية وضع الطفل الميت على نحوٍ صارخ. إنه ليس مثاليًّا، لكنه منطقي بالنسبة لي عند مستوى ما.

صناعة طفل افتراضي

جرى تطوير برنامج نايون الافتراضي على مدار ثمانية أشهر من قبل شركة كورية جنوبية ناشئة تحمل اسم Vive Studios (لا علاقة لها بالشركة التي تحمل الاسم ذاته والتابعة لشركة HTC) باستخدام مجموعة متنوعة من التقنيات. 

وتقنية الحركة المستخدمة في الفيديو لا تسجل فحسب حركات الشخص البالغ، ولكن أيضا تعبيرات وجهه، التي جرى تصوير بعضها استنادًا إلى مقاطع فيديو وصور لعالم نايون الحقيقية. التقطت صور عالية الدقة باستخدام تقنية التقاط ثلاثية الأبعاد تسمى التصوير المساحي. واستخدمت أخت نايون الصغيرة، وهي صورة طبق الأصل لشقيقتها الأكبر، أساسًا لنموذج الشخصية.

على الرغم من عدم ظهورها في الفيديو أعلاه، أضاف الاستوديو أيضًا درجة من الحيوية للشخصية من خلال الجمع بين التعرف إلى الصوت والذكاء الاصطناعي الأساسي، مما يتيح للاثنتين إجراء محادثة أساسية. ووضعت الردود بناءً على المقابلات مع العائلة ومقاطع الفيديو.

ليس جديدًا ولكنه مختلف

في النهاية، ليست إعادة تنشيط صورة الشخص المتوفى بالجديدة تمامًا، فهناك مجموعة من الأمثلة تتبادر إلى الذهن: فريد أستير يرقص مع مكنسة «ديرت ديفل» في إعلان للشركة المنتجة لها، وهولوجرام توباك (ينسب إلى توباك شاكور أول من استخدم معه بعد وفاته، كما استخدمته السعودية والإمارات في حفلات لأم كلثوم في العام الماضي)، ومؤخرًا الكثير من أشكال التزييف العميق deepfake (وهي تقنية تقومُ على صنعِ فيديوهات مزيّفة عبر برامج الحاسوب بدمجِ عددٍ من الصور ومقاطع الفيديو لشخصيّةٍ قد يبدو للوهلة الأولى أنه حقيقي لكنّه في واقع الأمر مُزيّف) التي تجعلك تتساءل عما إذا كانت هذه  الشخصيات المشهورة ما تزال على قيد الحياة أم لا. 

مثل هؤلاء الأشخاص الذين أعيد تجسيد صورتهم مسبقًا عبر تقنية الصور المنشأة بالحاسوب CG، والتزييف العميق لصورة البشر والأقنعة، لا شك أن تجربة الواقع الافتراضي المُصممة خصيصًا من قبل شركة Vive Studios مثيرة للإعجاب لفترة قصيرة أيضًا، ولكنها في هذه الحالة لا تمثل حقًٌا سوى طقوس جنائزية مدبرة بعناية. إنها تلك المرحلة في المستقبل، عندما يكون الذكاء الاصطناعي فيها قادرًا على استحضار شخص تلقائيًّا بالاستناد إلى مجموعة من أفلام الفيديو والصور، هذا ما ننتظر رؤيته. وسواء كان ذلك يروقك من عدمه، فإن البشر الافتراضيين قادمون، وأعتقد أننا اقتربنا من ذلك خطوة أخرى.

علوم

منذ 5 شهور
أخيرًا رأينا الثقب الأسود.. أهم الاكتشافات والإنجازات العلمية في العقد الماضي

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد