نشرت صحيفة «الإندبندنت» تقريرًا أعدَّه ماثيو أبوت، الصحافي المصوِّر في الصحيفة البريطانية، تناول فيه ظاهرة تفشِّي الفئران في مدن أسترالية في هذه الآونة؛ ما أسفر عن فقدان كميات كبيرة من التبن والحبوب. وخلُص الكاتب إلى أن أحد العوامل التي أسهمت في ذلك تتمثَّل في تغيير الممارسات الزراعية، وأن بعض المزارعين استعان بخبراء حكوميين يجوبون البلاد من أجل تقديم المشورة بشأن كيفية التعامل مع هذه الأزمة.

جائحة لم تشهدها البلاد مُطلقًا

يستهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن كولين تينك، الذي يبلغ من العمر 63 عامًا، يعمل في الزراعة طوال حياته ولم يَشْهد قط ظاهرة تفشِّي جائحة الفئران على غرار الجائحة التي تجتاح حزام الحبوب في شرق أستراليا. كما أنه لم يشهد موسم جفاف كالجفاف الذي سبق هذه الجائحة، التي حوَّلت مناطق تنمو فيها محاصيل خصبة إلى مناطق جافة عاصفة.

صحة

منذ 3 شهور
مترجم: الفئران المفترسة.. تعرف إلى الكابوس الجديد الذي يؤرق الأستراليين

وفي نهاية المطاف عندما هطلت الأمطار العام الماضي اعتقد السيد تينك أن حظَّه ربما يتغيَّر. وأسفر هطول الأمطار عن غزارة المحاصيل خلال أشهر فصلي الربيع والصيف – من سبتمبر (أيلول) إلى مارس (أذار) في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية – إذ باتت الصوامع تفيض بالحبوب، وتكدَّس التبن في الحظائر. وزرع السيد تينك ما يكفي من الكلأ لإطعام ماشيته لمدة عامين.

ثم غزَت الآلاف من الفئران المنطقة، حيث تحفر هذه الحشرات الطفيلية حفرًا عميقًا في التبن، ليتلَف ما لا تأكله على أية حال نظرًا لتسرب بولها إلى بالات التبن. وتصبح الرائحة نفَّاذة، وتدخل أنفك وتظل عالقة على ملابسك.

ويُعلِّق السيد تينك على هذا الأمر قائلًا: «إنها تحطم قلبك نوعًا ما»، مُضيفًا: «لقد عدنا إلى نقطة الصفر».

الإصرار على مكافحة الجائحة

ويؤكد الكاتب أن السيد تينك لم يستسلم لهذا الواقع المرير؛ إذ صنع مؤخرًا مصيدة فئران عملاقة، وهي عبارة عن حاوية شحن يستخدمها في تخزين الحبوب لماشيته. ويجذب تينك الفئران إلى الحاوية عن طريق نثر الحبوب على الأرض.

ثم يجمع السيد تينك – أو حفيده جوك الذي يبلغ من العمر خمس سنوات – الفئران بمكنسة نحو بركة ماء عند الجانب المفتوح من الحاوية. وتندفع الفئران في الماء. وسرعان ما تغرق بعد حبسها عن طريق طبقة رقيقة من سائل غسيل الأطباق.

Embed from Getty Images

وفي الليلة الأولى اصطاد تينك وحفيده 7 آلاف فأر. ثم اصطادا في الليلة التالية 3 آلاف فأر. ويبلغ متوسط عدد الفئران التي تقع في مصيدتهِما الآن نحو ألف فأر في الليلة. وقال السيد تينك: «لن نتغلب عليها، ولكننا قد نُبطئ حركتها قليلًا».

ويشير التقرير إلى أن أستراليا تعاني من تفشِّي جائحة الفئران كل عقد أو نحو ذلك. ويشير بعض المزارعين الطاعنين في السِنِّ إلى تفشِّي الفئران الذي حدث في سبعينات القرن الماضي، عندما بدت الأرض كأنها تتحرك، وكانت تعج بالفئران.

تغيير الممارسات الزراعية

يرجح التقرير أن أحد العوامل التي أسهمت في ذلك ربما تتمثَّل في تغير الممارسات الزراعية، إذ يبذر المزارعون من أجل الحفاظ على الرطوبة في التربة القاحلة في أستراليا محاصيل جديدة مباشرة على سيقان المحاصيل القديمة التي تُركت في الأرض. وهذا يعني أن الفئران لديها كثير من الأماكن التي تلجأ إليها بحثًا عن مأوى، ولديها أيضًا مزيد من الطعام.

وبحسب التقرير وفَّرت حكومة ولاية نيو ساوث ويلز 5 آلاف لتر (1320 جالونًا) من طُعْم مميت يُطلَق عليه بروماديولون. ويشعر العلماء بالقلق من أن هذا السُم ربما يتسبب في مقتل أنواع أخرى – مثل النسور ذات الذيل الوتدي، والبُوَم، والثعابين، وسحالي الجوانا (سحالي كبيرة)، والتي تتغذى على الفئران الوفيرة – دون قصد.

وتحمل الفئران أيضًا فيروسات قد تكون قاتلة للإنسان. وتقول السلطات الصحية في ولاية كوينزلاند: إن عدد حالات الإصابة بداء البريميات، وهو مرض يشبه الإنفلونزا ويمكن أن يؤدي إلى الالتهاب السحائي، والفشل الكُلوي، والنزيف، ومضاعفات الجهاز التنفُّسي، تضاعف تقريبًا في عام 2021 موازنةً بهذا الوقت من العام الماضي.

وفي ظل نقص المصائد، اضطر المزارعون إلى ابتكار أنظمة خاصة بهم لصيد الفئران؛ إذ يصنعون مصائد بدائية الصُنع من البراميل والدِّلاء. كما يضعون طعامًا لإغراء الفئران حتى تذهب لتلقى حتفها.

لعنة الفئران.. ما دور الخبراء؟

ووفقًا للتقرير، استعان بعض المزارعين بخبراء مثل السيد هنري، وهو عالم حكومي يجوب البلاد من أجل تقديم المشورة للمواطنين بشأن كيفية التعامل مع القوارض. وفي الشهر الماضي فحص هنري 3 آلاف بالة قش، تبلغ قيمتها نحو 93 ألف دولار (ما يُعادل 67 ألف جنيه إسترليني) بالأسعار الحالية، في مدينة كونامبل التي تقع غرب سيدني، ودمَّرتها الفئران. وذكر أن قيمة التبن ستصل إلى ضعف ذلك في موسم الجفاف.

Embed from Getty Images

وقال: «عندما أستيقظ في الصباح أتحدث عن الفئران، وعندما أخلد إلى الفراش أكون ما زلت أتحدث عن الفئران».

وذكر مارك إليس، وهو صاحب حانة في فندق «رويال هوتيل» في مدينة يوفال، التي تقع على بُعد نحو 200 ميل غرب سيدني، أنه كان يصطاد الفئران بيديه منذ أسابيع قليلة، بينما كانت تركض في حانتِه.

وأبرز التقرير ما قاله جريج يونجهازبند، وهو مزارع يبلغ من العمر 40 عامًا، ويعيش بالقرب من مدينة جيلجاندرا التي تقع على بُعد نحو 270 ميلًا غرب سيدني؛ إذ أوضح أنه اضطر إلى أن يحرق محاصيله وينصب عشرات المصائد أثناء تعامله مع تفشِّي الفئران.

وفي أحد أيام السبت، منذ نحو شهر، ساءت الأمور لدرجة أن السيد يونجهازبند اضطر إلى إرسال زوجته وبناته إلى بلدة مجاورة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. وكان غزو الفئران يصْعُب احتماله.

وكانت الفئران في حظيرته وفي منزله، حيث دمَّرت غسالته، وآلة التجفيف خاصته، وثلاجتين. كما قرضت أريكته، وآلة القهوة الخاصة به، وأغطية سرير ابنته. وكانت الفئران أيضًا تعيش تحت الفرن. وكان يونجهازبند يسمعها داخل الجُدران، وشمَّ رائحتها التي تُشبه رائحة الموت في كل مكان.

«لا يمكنك التخلص من الرائحة؛ لأن الفئران تموت داخل الجدران، وتموت تحت المدفأة» هكذا قال السيد يونجهازبند. وأضاف: «إنها أسوأ رائحة تستنشقها على الإطلاق. وهذا أمر لا يُصدَّق».

40 مصيدة

ويلمح التقرير إلى أن يونجهازبند سلَّح نفسه بـ40 مصيدة، واصطاد في الوقت الذي يمتد من الساعة 2 ظهرًا حتى الساعة 2 صباحًا 450 فأرًا، قبل أن يستسلم ويخلُد إلى النوم. ويضيف: «كنت أُفرِغ مصيدة من الفئران، وأضع الطعم فيها مرةً أخرى، وما أن أنصرف حتى تمتلئ المصيدة مرةً أخرى».

وفي إحدى الأمسيات مؤخرًا أشعل السيد يانجهازبند النار تحت نحو 130 بالة من التبن الذي دمَّرته الفئران ووقف ليشاهد – مُمسِكًا زجاجة خمر في يده – النار تشتعل في السماء ليلًا. ويُقدِّر السيد يانجهازبند أنه فقد نحو 1500 بالة تبن حتى الآن.

Embed from Getty Images

ووفقًا لهنري عادةً ما تنتهي جائحة الفئران نهاية مأساوية؛ إذ يزداد عددها بصورة أكبر، حتى تتمكَّن الفئران من دعم نفسها. ونظرًا لأنها تعجُّ بالأمراض، وفي ظل نفاد الطعام، تنقلب هذه الحشرات الطفيلية على بعضها البعض، وتبدأ في التهام الحشرات الأكثر مرضًا والأشد ضعفًا.

ويختم الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن السيد يانجهازبند يساوره قلق من أنه إذا لم تنخفض درجات الحرارة انخفاضًا شديدًا بما يكفي خلال فصل الشتاء، فسيظل الكثير من هذه الحشرات الطفيلية على قيد الحياة في الأشهر الأكثر برودة، استعدادًا لحالة تفشٍّ أكبر في فصل الربيع المقبل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد