يشكل الرقص جزءًا أساسيًا من هويات الناس وثقافاتهم على اختلاف بلادهم وخلفياتهم، لكننا لم ننتبه يومًا إلى أثره في تكوين أجسادنا نفسها

يستخدم البشر أجسادهم من قديم الأزل للتعبير عن حالاتهم النفسية والعاطفية، ويشكل الرقص جزءًا أساسيًا من هويات الناس وثقافاتهم على اختلاف بلادهم وخلفياتهم، لكننا لم ننتبه يومًا إلى أثره في تكوين أجسادنا نفسها. وتناقش الكاتبة والفيلسوفة والراقصة والباحثة في الأديان كيمرر لاموث، في مقال بمجلة «أيون» الإلكترونية رأيها في ارتباط الرقص بتطور أجساد البشر.

تبدأ الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أن الرقص من القواسم المشتركة لدى البشر، موضحة أنه حاضر في الثقافات البشرية القديمة والجديدة، وأساسي في مسيرة البلدان ذات أطول تاريخ مستمر إلى الآن، فضلًا عن أن الرقص جلي في أبكر الفنون البصرية على الجدران الصخرية بدءًا من فرنسا، مرورًا بجنوب أفريقيا، وحتى الأمريكتين، وموجود كذلك في الحمض النووي داخل كل رضيع يخترع حركات جديدة باعتبارها رد فعل مرح لإيقاع أو أغنية قبل حتى أن يسير أو يتحدث أو يفكر في نفسه باعتباره شخصًا.

لماذا يرقص البشر؟

وتقول الكاتبة إنه إلى وقتنا هذا، لا يزال الرقص ممارسة حيوية خَلاَّقة في طقوس الاستشفاء أو في الثورات السياسية في كل أرجاء العالم سواء في الأحياء الحضرية أو على منصات المسارح، لافتة إلى أنه رغم جهود المستعمرين المسيحيين الأوروبيين والأمريكيين عبر 6 قارات وعلى مدار 500 عام لإبادة تقاليد الرقص عند السكان الأصليين في الدول التي استعمروها، وتهميش الرقص داخل مجتمعاتهم، بقى الرقص أينما وجِد البشر.

وترى الكاتبة أن أي إجابة لسؤال «لماذا يرقص البشر؟» يجب أن تفسر انتشار الرقص وصموده، وستتحدى تلك الإجابة المفاهيم الغربية التي تميز العقل عن الجسد بصفته موطن الفعل والهوية.

تميل التفسيرات الحالية لسؤال «لماذا يرقص البشر؟» إلى الامتثال لنهجين، بحسب الكاتبة. يُمكن ملاحظة النهج الأول في بعض الدوائر النفسية والفلسفية، وينطلق من كون الإنسان فردًا مستقلًا يختار أن يرقص أو لا يرقص لأجل المتعة، أو التمارين، أو التعبير الفني، أو لأسباب شخصية أخرى. وتفترض هذه المناهج أن الرقص أحد الأنشطة التي تعود على الفرد بفائدة قد يرغب فيها، لكنها لا تحقق بالضرورة سعادته.

Embed from Getty Images

من جهة أخرى، تركز التفسيرات الاجتماعية والأنثروبولوجية، وفقًا للكاتبة، على المجتمع، مؤكدةً أن الرقص واحدًا من الطرق الأولى التي استخدمها البشر الأوائل الذين رسخوا الروابط الاجتماعية القوية بصرف النظر عن صلة الدم. وتشير إلى أنه وفقًا لهذين النهجين، اُستبدل الرقص في النهاية بطرق أكثر فاعلية وعقلانية لتوثيق الترابط الاجتماعي، مثل اللغة، والقيم، والدين، وقد جعل الرقص هذه الطرق ممكنة.

وأثناء عملية الاستبدال تلك، تقول الكاتبة إن النهجين ما زالا في خضم مرحلة بحث لم تنته، فبينما يناضل الأول ليفسر لم يختار البشر الرقص؟ يكافح النهج الثاني ليعرف لم يواصل البشر الرقص؟ لكن هناك، في رأي الكاتبة، شيء مفقود في وجهات النظر هذه.

وتطرح الكاتبة منظورًا آخر للرقص عبر سؤالها: ماذا لو كان البشر هم الرئيسيات التي كانت قدرتها على الرقص هي استراتيجيتها المُميزَّة التي أتاحت تطور عقلهم المميز والمترابط بدرجة كبيرة، وقلبهم المتعاطف، وتكيفهم البيئي؟ وماذا لو كان الرقص يؤدي هذا الدور في حياة البشر، ليس فقط في عصور ما قبل التاريخ، بل إلى حاضرنا الآن؟ ماذا لو كان البشر مخلوقات تطورت لترقص لأن الرقص شرط يساعد في تكوين أجسادهم؟

الحركات الجسدية تبني العقل

وتشير إلى أن الأدلة الحديثة على هذه النظرية تُجمَّع عبر التخصصات العلمية والبحثية، مضيفة أن الباحثين يكتشفون مرة تلو الأخرى الدور الحيوي الذي تؤديه الحركات الجسدية، لا فقط في تطور الجنس البشري، بل في حياة الأفراد الأصحاء الاجتماعية وتطور صحتهم النفسية.

والأكثر من ذلك، وفق الكاتبة، لا تُسجَّل الحركة الجسدية وحدها باعتبارها مؤثرًا حيويًا في هذه الحالات، بل القدرات الثلاثية المرتبطة بها أيضًا، والمتمثلة في الملاحظة وإعادة ابتكار أنماط حركات، والتذكر ومشاركة أنماط الحركات، واستخدام أنماط الحركات باعتبارها وسائل لفهم أيا ما قد يستحدث والتعامل معه. وهذه القدرات الثلاثية هي كل ما تمارسه تقنيات الرقص والتمارين الرياضية التقليدية وتعلمه.

تستدل الكاتبة بما سرده عالم الأعصاب رودولفو ليناس الذي يعمل في جامعة نيويورك في كتابه «I of the Vortex» الصادر عام 2001، إذ قال إن الحركات الجسدية تبني العقل. يتشكل العقل بتسجيله أنماط التنسيق العصبي العضلي، ثم يتذكر النتائج من ناحية الألم أو السعادة، والتي تكون بدورها تصنيفات انفعالية تساعد العقل على تحديد إمكانية استعادة الحركة مجددًا من عدمها، وكيفية استعادتها إذا كان ذلك ممكنًا.

Embed from Getty Images

ومن هذا المنطلق، تقول الكاتبة إن كل حركة يؤديها البشر مهمة ما دامت الحركات تبني العقل، وإن كل تكرار لحركة ما يعمق ويقوي نمط التنسيق المطلوب بين العقل والجسد لأداء الحركة، ويحدد السبل التي تتدفق فيها الطاقة والانتباه المستقبلي. وتضيف أن كل حركة تؤدى ويجري تذكر تشكل طريقة نمو الكائن الحي، وما يشعر به واستجاباته له. وانطلاقًا من هذه الرؤية، كل أجزاء الجسد البشري، بدءًا من الزوج الكروموسومي ومرورًا بعضو الإحساس، وحتى الأطراف، لها قدرة على الحركة تتطور خلال عملية التحرك نفسها.

وأوضحت الكاتبة الأمر قائلة، الذراع على سبيل المثال يتطور إلى ذراع بفضل الحركة التي يؤديها والتي تبدأ في الرحم، مضيفة أن هذه الحركات تمنح عظام الذراع وعضلاته الشكل المطلوب بينما تبني الخلايا الانقباضية الأشكال الفسيولوجية المطلوبة لتلبية متطلبات الحركة.

والكائن البشري، في رأي الكاتبة، هو إيقاع مكون للجسد. يخلق البشر دائمًا أنماطًا للحركة الجسدية، إذ تشكل كل حركة جديدة مسارًا مفتوحًا يمسي ممكنًا بفضل الحركة السابقة التي جرى تأديتها بالفعل. وتقول إنه يمكن النظر إلى الرقص باعتباره وسيلة للمشاركة في هذا الإيقاع المكون للجسد.

الرقص والقدرة على الاستجابة وإعادة الابتكار

يدعم هذه النظرية علماء الأنثروبولوجيا وعلم النفس التنموي الذين وثقوا أهمية حركة الجسد لبقاء الرضع على قيد الحياة، بحسب مقال الكاتبة، التي استشهدت بما أكدته سارة بلافر هاردي، عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية في كتابها «Mothers and Others» الصادر عام 2009. إذ كتبت هاردي أن الرضع يولدون مبتسرين، نسبة إلى أسلافهم من الرئيسيات، إذ يحتاج الجنين البشري المقبل على الخروج من الرحم إلى المكوث فيه لمدة 21 شهرًا للوصول لمستوى نمو عصبي عضلي مماثل لجنين الشمبانزي.

لكن بدلًا من ذلك، وفقًا لسارة، ينبغي أن يتمتع الرضع البشريون، الذين يحتاجون الإعالة لدرجة يائسة، بالقدرة على ضمان ولاء مقدمي الرعاية في الوقت الذي تكون فيه وسيلتهم الوحيدة للنمو هي ملاحظة أنماط الحركة الناجحة في توصيلهم بمصادر التغذية وإعادة ابتكارها وتذكرها. تشكل هذه القدرة على الاستجابة وإعادة الابتكار في رأي سارة وآخرين، جذور توافق الذوات. بمعنى آخر، مثلما يكون من يستطيعون الحركة أجسادهم بالرقص، يبني الرضع عقولهم خارج الرحم باستخدام القدرة -وإن كانت محدودة- على الرقص.

Embed from Getty Images

تدعم الأبحاث التي تجري على الخلايا العصبية المرآتية، وفقًا للكاتبة، فكرة أن البشر لديهم قدرة فريدة على ملاحظة أنماط الحركة وإعادة إنتاجها وتذكرها. تنشط الخلايا العصبية المرآتية في العقل البشري بوفرة أكثر من أي عقل آخر في الثدييات حين يلاحظ الشخص حركة، ويكرر نمط التنسيق العصبي العضلي المطلوب لتأدية الحركة. ويعني هذا أن البشر يمكنهم تعلم إعادة إنتاج حركة أي شيء، لا أقرانهم البشر فقط بل أيضًا الشجر والزرافات، والمفترس والفريسة، والنار، والأنهار، والشمس.

وتقتبس الكاتبة ما رواه عالم الأعصاب إس راماشاندران في كتابه «The Tell-Tale Brain» إذ يقول إن الخلايا العصبية المرآتية «تبدو المفتاح التطوري وراء الإنجاز الذي حققنا بثقافتنا الشاملة» إذ سمحت للبشر «بتبني وجهات نظر بعضهم البعض والتعاطف مع بعضهم البعض».

الرقص.. الفن الحيوي

لكن رغم ذلك، ترى الكاتبة أن مصطلح «مرآتي» مصطلح مضلل، إذ يخفي مسؤولية الحركة الجسدية. والعقل لا يقدم رد فعل سلبي. ما يراه الشخص حين تسجل العين حركة، هو ما يبلغه به وعيه الحسي الذي ساعدته حركاته السابقة على تطويره. ويستجيب وفقًا لمسارات الانتباه التي خلقتها هذه الحركات السابقة. وعليه فإن الرقص، من هذا المنطلق، قدرة بشرية، وليس فقط أحد الأنشطة المحتملة من بين الأنشطة.

وتقول الكاتبة إنه ينبغي على الشخص أن يختبرها ليبني عقلًا وجسدًا قادرين على تكوين علاقة مع مصادر التغذية المتاحة في ثقافة أو سياق بيئي معين، مضيفة أن الرقص فعل بشري.

في ضوء هذا كله، تعتقد الكاتبة أن كل تقليد أو تقنية رقص هي تيار معرفة، إذ تبدو بالنسبة لها مجموعة من أنماط الحركات دائمة التطور، يجري اكتشافها وتذكرها لقدرتها على صقل إمكانية البشر في ابتداع الحركات. وأهم نقطة في رأيها هي أن الرقص يمنح البشر فرصة تعلم أهمية حركتهم. إذ يدركون كيف تدربهم أو لا تدربهم الحركات التي يؤدونها على الوعي الحسي المطلوب للتعاطف بين الأنواع ومع الأرض نفسها. وعليه يبقى الرقص في هذا الصدد فنًا حيويًا. ولا يستطيع البشر، من منطلق تكوين الجسد، ألا يرقصوا.

سر اللون الأزرق.. كيف تطور وعي الإنسان به وكيف أثر على الفن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات