في مقاله بصحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، عرض الكاتب بول بيستون – المدير التحريري لمجلة City Journal ومؤلف كتاب جديد يصدر في سبتمبر (أيلول) عن أساطير الملاكمة للوزن الثقيل في الولايات المتحدة- رواية مختلفة عن رفض الملاكم الراحل محمد علي كلاي الانضمام للجيش، والتي يرى فيها أن الدافع الرئيسي وراء ذلك لم يكن موقفًا ثوريًّا من محمد علي، بل الخوف من إليجا محمد، والذي يتناول قصته في المقال.

اقرأ أيضًا: محمد علي الإنسان.. والأسطورة

قصة رفض محمد علي الانضمام للجيش

بحسب المقال، ففي 28 أبريل (نيسان) من عام 1967، كان محمد علي، والمعروف في ذلك الوقت بالاسم الذي وُلِد به كاسيوس كلاي، يحمل الرقم 61 في القائمة المرشحة للانضمام للبرنامج التدريبي للجيش الأمريكي في هيوستن. قضى ابن الـ25 وبطل العالم في الملاكمة للوزن الثقيل ذلك الصباح في ملء بعض الاستمارات، وإجراء فحص جسدي.

في المساء، عندما نودي اسمه، لم يتقدم، فيما كتب أن السبب الذي دفعه لفعل ذلك «أرفض أن أنضم للبرنامج التدريبي للجيش الأمريكي لأنني أطالب بإعفائي كوني وزيرًا للدين الإسلامي». ما قصده كلاي في ذلك الوقت كان حركة أمة الإسلام، تلك المنظمة الانفصالية للسود التي كان يقودها إليجا محمد، والمعروف باسم الرسول، وفق ما ذكره بيستون.

أُدين علي بتهمة التهرب من الجيش، وهي جريمة يعاقب عليها القانون، إلا أنه بقي طليقًا بينما حاول محاموه تقديم الطعون، قبل أن يتحول إلى نقطة مضيئة تربط أجيالًا متعددة في الولايات المتحدة، بما حمله من آراء سياسية قوية وموثوقة فيما يخص الحرب الأمريكية على فيتنام.

إن الحقيقة، والتي ربما من الصعب تصديقها وسط الأساطير المنتشرة حاليًا، هي
أن محمد علي رفض الانضمام للجيش ليس لمبدأ ما، ولكن خوفًا من عصيان إليجا
محمد، والذي قرر أن البطل محمد علي لن يخدم في «حرب الرجل الأبيض».

ربما يفكر الكثير من الرياضيين في اتخاذ موقف ما، والكثير منهم يفعلون ذلك حاليًا، إلا أنه لا يوجد نموذج أكبر من محمد علي يمكن أن نتذكره، فقد دفع ثمنًا غاليًا لموقفه، من عراقل قانونية، ومن تجريده من لقبه، ومنعه من ممارسة الرياضة لثلاث سنوات ونصف، وهو ما يعني بالنسبة له خسارة ملايين الدولارات في قمة مسيرته.

في 1971، ألغت المحكمة العليا الحكم بإدانته، ومنذ ذلك الحين أصبح علي شخصية بارزة على نطاق واسع بفضل عظمته في القتال على الحلبة، وشخصيته الجذابة، وفكرته القوية حول رفض الحرب في فيتنام، وفكره الذي كان يهدف لتحرير الثقافة الأمريكية. وجاءت وفاة محمد علي في يونيو (حزيران) من العام الماضي بجنازة تليق بمحمد علي، إذ كانت مراسم الجنازة توازي مستوى رئيس الدولة. وهنا يقول الكاتب إن ما سمعناه جميعًا هو أن محمد علي كان على حق فيما يتعلق بمبادئه الرافضة للحرب.

في المقابل، يقول الكاتب إن الحقيقة، والتي ربما من الصعب تصديقها وسط الأساطير المنتشرة حاليًا، هي أن محمد علي رفض الانضمام للجيش ليس لمبدأ ما، ولكن خوفًا من عصيان إليجا محمد، والذي قرر أن البطل محمد علي لن يخدم في «حرب الرجل الأبيض»، إليجا محمد ذاته قضى فترة عقوبة في السجن لرفضه المشاركة في الحرب العالمية الثانية.

اقرأ أيضًا: مذابح السكان الأصليين: لعنةٌ تطارد دول «الرجل الأبيض»

الخوف من إليجا محمد

ما قاله علي في ذلك الحين «لا يمكن أن ترفض ما يقوله إليجا محمد، ثم تفلت بالأمر»، وقد رأى بالفعل ما حدث لمن حاولوا فعل ذلك. مالكوم إكس، والذي كان مقربًا من محمد علي، تم اغتياله في فبراير (شباط) عام 1965، وبعدما أدلى السكرتير الصحافي السابق لمحمد علي بشهادته حول الأمر لمكتب التحقيقات الفيدرالي حول قتلة مالكوم إكس، وُجِد مقتولًا أيضًا فيما بعد، بينما كان مصير المنشقين الآخرين الاختفاء التام، بحسب المقال.

يقول بيستون إن محمد علي قد فهم الرسالة. في مارس (آذار) 1967، قبل شهر واحد من أن يكون علي مطلوبًا في الجيش، أخبر مثله الأعلى في الملاكمة، شوجار راي روبينسون، أنه لن يكون بمقدوره الانضمام للجيش، إذ قال له: «إليجا محمد أخبرني أنه ليس بوسعي فعل ذلك»، فرد روبينسون قائلًا: «عليك الذهاب»، إلا أن علي أخبره والدموع في عينه: «أنا خائف يا راي، أنا حقًّا خائف». علق روبينسون فيما بعد قائلًا إن ما رآه هو أن علي لم يكن خائفًا من السجن، بل من أن يُقتل على يد جماعة إليجا محمد.

بعد 10 سنوات من ذلك الوقت، صرح علي للصحافي ديف كيندريد قائلًا: «كان بوسعي الخروج من حركة أمة الإسلام منذ وقت طويل، ولكنك رأيت ما فعلوه بمالكوم إكس. لا يمكنني المغادرة، من الممكن أن يقوموا بقتلي أيضًا».

بحسب المقال، بدا واضحًا أن علي كان على استعداد لمواجهة السجن في مقابل عدم مواجهة غضب إليجا محمد، خاصة وباعترافه هو شخصيًّا، أن الحكومة قد عرضت عليه كل العروض الممكنة. لم يكن القادة يرغبون في أن يخدم محمد علي في أرض معركة أو ما شابه، وكان على الأغلب انضمامه سيصبح رمزيًّا، تمامًا كـ «جو لويس» في الحرب العالمية الثانية، إذ كان دوره زيارة وتشجيع القوات، وقد لاحظ المدعي العام أن محمد علي مستعد للخدمة ولكن في دول غير قتالي، إلا أن بعض مستشارية أرادوا وضعه في «دور الضحية».

اقرأ أيضًا: مالكوم إكس.. من قومية السود إلى قومية الأحرار

رأي مختلف

يقول الكاتب إن ربما من سخرية القدر في حياة محمد علي أن طاعته لإليجا محمد حولته إلى بطل للتفكير الحر والضمير الأخلاقي، إلا أنه يرى أن الإنسان العاقل بطبيعة الحال سيتعاطف مع قضية ومأزق محمد علي، وأنه وجد الإجابات الخاطئة، واكتشف أخطاءه في وقت متأخر.

يعتقد الكاتب أنه ما إذا اختار علي القرار الأكثر حكمة بالانضمام للجيش، كان ليصبح موحِدًا للأمريكيين، تمامًا مثل جو لويس، ولكنه يرى أن رفض محمد علي الالتحاق بالجيش، على النقيض، ساهم في تعميق حالة الانقسام السياسي والعرقي في الولايات المتحدة، وأن ذلك القرار لم يحقق مصلحة اجتماعية.

ويختتم الكاتب قائلًا: إننا إذا نظرنا لقصة محمد علي في هذا السياق فربما نشعر بمزيد من الحزن أكثر من شعورنا بالاحتفاء، إذ إنه من الشائع أن نرى الجانب المأساوي من قصة محمد علي في النصف الثاني من حياته، تحديدًا مع إصابته بمرض باركينسون، إلا أننا مع هذا السياق نجد أن الدراما قد بدأت مبكرًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات