يذهبُ مراسل «نيويورك تايمز» باتريك كينجسلي في رحلةٍ إلى ما وراء أسوار معسكر مجاهدي خلق الإيراني في ألبانيا، وقد كانت هذه الحركة خط المعارضة الأبرز للحكومة الإيرانية على مدى عقود فيما تُحاط مقراتها حاليًا بالغموض ونادرًا ما يُعرف ما يدور في داخلها. هل تسمح المجموعة التي تدعي السعي وراء إيران ديمقراطية علمانية بوجودِ مراسل داخل معسكرها؟

تقييد وحراسة مشددة

يبدأ التقرير من وادي في الريف الألباني، حيث بنت مجموعة من المنشقين الإيرانيين العازبين ثكناتٍ واسعة محاطة بحراسة مشددة، ولم يدخلها من قبل إلا عدد قليل للغاية من غير المنشقين. تختلف الآراء حول «جماعة مجاهدي خلق» (أو منظمة مجاهدي الشعب)، وقد يخبرك من تسأله بأنها بديلة حكومة إيران المُنتظرة، أو أنهم طائفة إرهابية فحسب. نادرًا ما يُترك للصحافيين الداخلين للمخيم فرصةً للحكم على ذلك بأنفسهم، ويُقابل بعضهم بالرفض مصحوبًا باستخدام القوة.

ولكن بعد قرار الرئيس الأمريكي ترامب باغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني – بما كان يمثله من مكانةٍ ورمز – اعتقد كينجسلي بضرورة المحاولة مع الجماعة مرة أخرى، متسائلًا: هل تسمح المجموعة التي تدعي السعي وراء إيران ديمقراطية علمانية بوجودِ مراسل داخل معسكرها؟

يذكر المراسل أن المحامي الشخصي للرئيس ترامب رودولف جولياني ومستشار الأمن القومي السابق جون بولتون هما أبرز حلفاء مجموعة «مجاهدي خلق»، وقد تلقّى كلاهما عشرات الآلاف من الدولارات للتحدث في مؤتمرات الجماعة وفيها كرر هذان الشخصان المؤثران في الوسط الأمريكي بنفوذِهما المعروف وصف «مجاهدي خلق» بكونهم المعارضة الإيرانية الأكثر شرعية.

في بداية محاولات المراسل، تجاهلت الجماعة طلبات التواصل المتعددة. ولذا سافر كينجسلي إلى قاعدتهم مباشرةً على أملٍ ضئيلٍ من السماح له بالدخول أو التواصل معهم، وهناك قدم أوراق الاعتماد المطلوبة إلى أحد الحراس. وبعد ثلاث ساعات – قرابة وقت الغروب – تلقى مكالمةً تؤذن بالسماح له بالدخول، وهو ما أثار دهشته. بدأ كينجسلي سلسلةً المقابلات وجلسات البروباجندا – على حدّ وصفه – والجولات التي استمرّت حتى الساعة 1:30 صباحًا، صحِب ذلك قبول دخول مصوّر تابع لصحيفة «نيويورك تايمز» بعد عدة أيام.

يقول المراسل: «إن الجماعة ربما فعلت ذلك من منطلق الأملِ في تصحيح الانطباع الذي خلفته اللقاءات الصحافية السابقة»، إذ إن زيارة مراسلة صحيفة «التايمز» للقاعدة السابقة للجماعة في العراق عام 2003 انتهت على نحوٍ سيئ مع تحدث الأشخاص الذين التقتهم من نصوص معدة مسبقًا ومنع المراسلة من التحدث على انفراد إلى أيّ أشخاص من الجماعة. لم يختلف الأمر هذه المرة كثيرا وفقًا لكينجسلي؛ إذ لم يُعط صلاحية للتواصل مع أغلب السكان، بيد أن المسؤولين سمحوا له على الأقل بإجراء بعض المقابلات الخاصة مع أعضاء عديدين من الجماعة.

العضو في جماعة مجاهدي خلق سمية محمدي، والتي قالت عائلتها إنها محتجزة ضد إرادتها لكنها أنكرت ذلك. المصدر 

زعيم مختف وتاريخ غامض

تضمنت المقابلة لقاءً طلبه المراسل بصورة خاصة، وقد جرى مع السيدة سمية محمدي (39 عامًا) والتي طالبت عائلتها بها لعقدين إذ إن الجماعة تحتجزها ضد إرادتها وفقًا لقولهم. أثناء المقابلة، قالت السيدة محمدي بعد مغادرة قادتها الغرفة: «هذا خياري. إذا أردت المغادرة يمكنني ذلك». ولكن وإن كانت الجماعة لا تحاول إخفاء سمية محمدي بالفعل، إلا أن المراسل قد رصد لحظات متعددة غريبة يظهر فيها وجود أسرارٍ مخفية بإحكام.

على سبيل المثال: يذكر المراسل لحظةً محددة بدا فيها ارتباك كبار المسؤولين الذين قابلهم إبّان سؤالهم عن مكان وجود الزعيم الأسمى للحركة مسعود رجوي الذي اختفى عام 2003. وجّه المراسل هذا السؤال للممثل الرئيس للجماعة في واشنطن علي صفوي، ليجيب قائلًا: «حسنًا، لا يمكننا التحدث عن ذلك، فهذا…». خفت صوت علي صفوي، وبدأ يحدق في قدميه.

ولدى سؤال كينجسلي: هل ما يزال على قيد الحياة؟ هل هو في ألبانيا؟ يجيب صفوي بعد ثوانٍ من الصمت متوالية: «لا يمكننا التحدث عن الأمر».

يعود التقرير إلى تاريخ «جماعة مجاهدي خلق»، فقد تأسست عام 1965 لمعارضة شاه إيران وقد رفضت الجماعة لاحقًا الثيوقراطية التي حلّت محل الشاه بعد الإطاحة به. اجتذبت الجماعة إبّان الثورة دعمًا شعبيًا كبيرًا وبرزت باعتبارها مصدرًا رئيسًا لمعارضة النظام الثيوقراطي الجديد، وذلك وفقًا لمؤرخ الجماعة البروفسور إرفاند أبراهاميان.

تدعي الجماعة أنها ما تزال تحظى بدعم كبير لكن المؤرخ إيرفاند أبراهاميان يقول إن شعبيتها تراجعت مع ازدياد طابع العنف لديها ببداية فترة الثمانينات من القرن الماضي، موضحًا أنه «حين تتحدث إلى أشخاصٍ عايشوا الثورة وتذكر اسم المجاهدين، فإنهم يرتعدون».

بدأت تتمركز إيدلوجيا المجموعة حول رجوي وزوجته مريم بحلول الثمانينات من القرن الماضي، وقد طُلب من أعضاء المجموعة إثبات إخلاصهم لعائلة رجوي عبر تطليق زوجاتهم والتخلي عن الرومانسية. كان مقرّ الجماعة في العراق في ذلك الوقت، تحت حماية صدام حسين.

Embed from Getty Images

متحفُ غرف التعذيب وشهادات الفارّين

تغير مصير جماعة مجاهدي خلق بعد الغزو الأمريكي للعراق، فبعد مواجهتها الأولية للأمر، تخلت الجماعة – المعروفة بحركةِ «مجاهدي الشعب» – عن أسلحتها، وبالرغم من إدراجها تحت صفة منظمة إرهابية عام 1977، إلا أنها خضعت للحماية الأمريكية آنذاك.

تركت القوات الأمريكية حماية الجماعة عام 2009 للحكومة العراقية، وقد سمحت السلطات العراقية – بقيادةٍ سياسيين متعاطفين مع إيران – للميليشيات المتحالفة مع إيران بمهاجمة الجماعة. بدأ الدبلوماسيون الأمريكيون والأمم المتحدة في البحث عن بلد أكثر أمانًا لإيواء الجماعة، وبعد الضغط المكثف الذي أجراه فريقٌ من المشرّعين من الحزبين، أزالت الحكومة الامريكية الجماعة من قائمة المنظمات الإرهابية عام 2012.

استقبلت ألبانيا «جماعة مجاهدي خلق» عام 2013، وأعربت الحكومة الألبانية عن أملها في كسب ود واشنطن عبر هذه الضيافة، وذلك على لسانِ وزير الخارجية الألباني ديتمير بوشاتي (وزير الخارجية لفترة ما بين 2013-2019). اشترت الجماعة عدة حقول في أحد الأودية على بعد 15 ميلًا إلى الغرب من العاصمة الألبانية تيرانا، وبنت معسكرًا هناك.

يقول كينجسلي أن القاعدة بدت فارغةً على نحوٍ غريب، وذلك عند زيارته لها. تدّعي الجماعة أنها تضم حوالي 2500 عضو، لكن المراسل لم يرَ خلال اليومين أكثر من 200 شخص. ويبدو أن الآخرين قد عُزلوا بعيدًا أو تركوا المجموعة من الأساس.

لعب الشطرنج داخل المعسكر. المصدر

يعيش العشرات من الأعضاء السابقين بصورةٍ مستقلة الآن في ألبانيا، وقد قابل المراسل 10 منهم؛ جميعهم صرّحوا بأنهم تعرضوا لغسيل دماغٍ أوصلهم إلى حياة العزوبية تلك. قال هؤلاء الشهود بأن العلاقات الرومانسية والأفكار الجنسية كانت محظورة داخل الجماعة، والتواصل مع العائلة مقيد للغاية، وحتى الصداقات كانت موضع تثبيط. تحدث الجميع أيضًا عن إجبارهم على المشاركة في طقوس النقد الذاتي، وفيها يعترف الأعضاء لقادتهم بأي أفكار جنسية تراودهم أو أي هواجس تعارض إخلاصهم للجماعة.

عبد الرحمن محمديان (60 سنة) من بين الأشخاص الذي تحدث إليهم المراسل، وقد انضم إلى المجموعة عام 1988 وتركها عام 2016، يقول محمديان: «رويدًا رويدًا تغدو محطمًا، تنسى نفسك وتتغير شخصيتك. تطيع القواعد فقط، لا تعود نفسك، فأنت مجرد آلة». أنكرت الجماعة بشدة هذه الاتهامات ووصفت العديد من منتقديها – بمن في ذلك السيد محمديان – على أنهم جواسيس إيرانيون.

«رويدًا رويدًا تغدو محطمًا، تنسى نفسك وتتغير شخصيتك. تطيع القواعد فقط، لا تعود نفسك، فأنت مجرد آلة»

يعود التقرير إلى تجربة دخول المعسكر، حيث أخذ القادة المراسل في جولةٍ استغرقت ثلاث ساعات ضمن متحفٍ متخصص بتاريخ «جماعة مجاهدي خلق». يقول المراسل إن المتحف لم يذكر أي شيء يخص صدام حسين أو مسألة العزوبية القسرية، ولكنه ركز على اضطهاد الجماعة بصورة رئيسة. حُولت بعض الغرف إلى نسخٍ تماثل غرف التعذيب لتبيّن كيفية استجواب وتعذيب السجّان الإيرانيين لأنصار الحركة خلال الثمانينات.

وجد المراسل في كل غرفةٍ أعضاء من الجماعة ماكثين في المكان بانتظارِه، ليتبين أنهم أشخاص ناجون من التعذيب وعلى استعدادٍ لتقديم شرحٍ شخصي لكل طريقة من طرق القمع المُستخدمة. ويذكر المراسل مثالًا رحيم موسوي – وهو أحد الناجين – وقد وقف بجانب تمثال عرضٍ ملطخ بالدماء ليشرح ببطء الأساليب المختلفة الأربعة التي استخدمها الجلادون الإيرانيون في ضربه، وبلغت العملية ذروتها بالجلدِ بسوطٍ معدني متعدد الأطراف.

أساليب الجماعة في الترويج

بدأت الجماعة مع الزمن في التحوّل إلى الإنترنت سعيًا وراء المزيد من النفوذ. وقد شاهد المراسل استديو للتسجيل يؤلف فيه موسيقيّان أغانٍ معادية للنظام وفيديوهات موسيقية مخصصة للنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية. لم تمرر الجماعة المراسل على أجنحة الحواسيب، والتي صوّرها المنشقون على أنها مزرعة متصيّدي إنترنت تحوي أعضاءً فتية يستخدمون حساباتٍ متعددة على «فيسبوك» و«تويتر» ليكتبوا رسائلًا ناقدة للحكومة الإيرانية، ويمجدوا قيادات «مجاهدي خلق»، ويروجوا للوبيات المساندة، وما إلى ذلك.

يذكر التقرير مثلًا الخطابات العامة التي ألقاها السيد جولياني والسيد بولتون في السنوات الأخيرة، تلقى الأعضاء أوامرًا بـ«اتخاذ سطرًا معينًا ونشره على تويتر 10 مرات من حساباتٍ مختلفة»، وذلك وفقًا لشهادة العضو السابق في الجماعة عبد الرحمن محمديان.

صحبت الجماعة المراسل بعدها إلى صالة ألعاب رياضية فارغة، ومن ثم إلى كافتيريا صغيرة. قارب الوقت منتصف الليل في تلك الأثناء، لكن مجموعة صغيرة من النساء كانت ما تزال بانتظاره وفقًا لما طُلِب منها. سخرت المجموعة من فكرة مزرعة المتصيدين (أجنحة الحواسيب)، وردًّا عن سؤالهنّ بشأن القيود المفروضة على حيواتهنّ الخاصة، ردّت المجموعة أن هذا الانضباط ضروري عندما تكون المجابهة ضد خصمٍ قاسي مثل حكومة إيران. وقالت شيفا زاهدي: «لا يمكنك التمتُّع بحياةٍ شخصية حينما تكافح من أجل قضية».

بعد مغادرة كينجسلي المعسكر، أوصلته الجماعة بثلاثة ضباط عسكريين أمريكيين سابقين ساعدوا في حراسة أحد معسكرات الجماعة بعد الغزو الأمريكي. تحدث كلّ واحدٍ منهم بحماسٍ عن حركة «مجاهدي خلق» قائلين: إن «أعضاءها تمتعوا بحرية المغادرة منذ أن بدأ الجيش الأمريكي بحماية مقراتهم عام 2003».

Embed from Getty Images

وقال الجنرال ديفيد فيليبس، الذي قاد رجال الشرطة العسكرية في حراسة المعسكر في عامي 2003 و2004: إن الضباط الأمريكيين تمتعوا بصلاحية الوصول إلى جميع مناطق القاعدة العراقية للجماعة، ولم يعثروا هناك على أيّ زنزانات أو مرافق تعذيب. وأضاف مؤكدًا: «أردت إيجاد أسلحة، أردت العثور على أشخاصٍ مقيّدين إلى الأسرّة. لكننا لم نجد شيئًا من ذلك». لكن السجلات والشهود الآخرين الذين التقاهم المراسل حكوا قصصًا بتفاصيل مختلفة وأكثر تعقيدًا.

تواصل كينجسلي مع النقيب ماثيو وودسايد – وهو جنديّ احتياطي سابق في البحرية، كان يشرف على السياسة الأمريكية في القاعدة العراقية بين عامي 2004 و2005 – ليس هذا النقيب من ضمن الأشخاص التي اقترحتهم جماعة المجاهدين. قال وودسايد: إن القوات الأمريكية في الواقع لم تحظ بإمكانية الوصول المنتظم إلى مباني المعسكر، ولا إلى أفراد الجماعة ممن قال أقاربهم إنهم محتجزون بالقوة لدى «حركة المجاهدين».

وقال النقيب وودسايد: إن قيادة حركة «مجاهدي خلق» تسمح للأعضاء بمقابلة المسؤولين الأمريكيين والأقارب بعد تأخيرٍ لعدة أيام عادةً، مضيفًا: «إنهم يكافحون من أجل كل واحدٍ منهم». أشار وودسايد أيضًا إلى أن هروب بعض الأعضاء، ولا سيما النساء، أصبح صعبًا للغاية لدرجة أن اثنين حاولا الهرب مختفين في شاحنة توصيل، ويعقّب بعدها: «أجد تلك المنظمة مثيرة للاشمئزاز للغاية، أنا مندهش لوجودهم في ألبانيا».

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
رغم أن خامنئي نجح في إخمادها.. 5 أشياء غيرتها احتجاجات إيران الأخيرة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد