شركة ديزني العملاقة أمام معضلة تحقيق التوازن بين المبادئ من جهة وتحقيق الأرباح من عرض الأفلام في الصين، ثاني أكبر سوق للأفلام عالميًا، من جهة أخرى. 

نشرت شبكة بلومبرج الإخبارية تقريرًا أعدَّه الصحفيان كريستوفر بالميري ولوكاس شو تناولا فيه موجة الغضب التي أُثيرت ضد شركة والت ديزني العملاقة للرسوم المتحركة بسبب إنتاجها فيلم «مولان»، والذي أثْنَت في مقدمته على السلطات الصينية التي أتاحت لها فرصة التصوير في إقليم شينجاينج الذي تحتجز فيه الصين مليون شخص من الإيجور، فضلًا عن تأييد أحد نجوم الفيلم لسياسات الصين القمعية ضد هونج كونج.

يستهل الكاتبان تقريرهما بالقول إنه كان من المفترض أن يكون فيلمًا ضخمًا جديدًا تصل تكلفة إنتاجه إلى مليار دولار من إنتاج شركة والت ديزني للرسوم المتحركة – وهو أحد أفلام الحركة الحية التي تعيد الشركة إنتاجه منذ أن بدأت في إنتاجه في عام 1998- ويتميز فيلم «مولان» للرسوم المتحركة بأن كل طاقمه من النجوم الآسيويين والتصوير السينمائي المبهر ويحتوي على كثير من الفنون القتالية.

فنون

منذ 10 شهور
سندريلا مدمنة مخدرات! حين يعيد فنانون تخيل أميرات ديزني بروح العصر

نسخة مولان الجديدة

بيد أن النسخة الجديدة من فيلم «مولان» أثبتت، بدلًا من ذلك، أن الفيلم قد يُصبح قضية سياسية شائكة محفوفة بالمخاطر، عاكسًا توتر العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، كما أن الفيلم يسلط الضوء على الخيارات التي تواجهها الشركات عند العمل في بيئة مُسيَّسة إلى حد كبير، لكنها تجني من ورائها الأرباح، مثل الصين الحديثة.

ذكر التقرير أن النسخة الجديدة من الفيلم والذي تبلغ تكلفته 200 مليون دولار، وأصبح متوفرًا للشراء عبر الإنترنت في الولايات المتحدة وأوروبا الأسبوع الماضي ومن المقرر عرضه في الصين يوم الجمعة، شهدت سلسلة من العواصف والخلافات – وكل هذا يحدث بينما أطاح فيروس كورونا المستجد بأي فرصة سانحة للفيلم في تحقيق أي نجاح في دور العرض.

بدأت المقاطعة ضد الفيلم عبر الإنترنت –بحسب التقرير- في العام الماضي، عندما أيَّد أحد نجومه القمع الذي تمارسه السلطات الصينية ضد المتظاهرين المناهضين للصين في هونج كونج. لكن شركة ديزني تواجه الآن ضغوطًا شديدة بسبب تصويرها لبعض مشاهد الفيلم في جزء من أراضي الصين (إقليم شينجيانج)، الذي تحتجز فيه الحكومة الصينية قرابة مليون شخص من عرقية الإيجور في معسكرات تُطلق عليها «مراكز التعليم التطوعي»، وبعد انتهائها من التصوير وجهت الشركة الشكر في مقدمة الفيلم إلى المسؤولين في هذه المنطقة.

تعد شركة والت ديزني أحدث شركة أمريكية تتورط في جدل سياسي يتضمن الصين، إذ غرق الاتحاد الوطني الأمريكي لكرة السلة، في العام الماضي، في دوامة بعدما غرَّد مدير أحد الفرق على تويتر لدعم المتظاهرين في هونج كونج، وهذا ما قُوبل بحركة مضادة عنيفة من الصين وحظرت بث مباريات كرة السلة الأمريكية. كما أثار فيلم «فظيع/Abominable» من إنتاج شركة دريم ووركس أنيميشن DreamWorks Animation عاصفة غضب في آسيا بعدما عرض الفيلم خريطة تبرز مطالبات الصين البحرية المتنازع عليها مع جيرانها.

إدمان الأموال الصينية

في هذا الصدد، غرَّد السيناتور توم كوتون، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن الحزب الجمهوري في ولاية أركنساس، على تويتر يوم الثلاثاء منتقدًا شركة ديزني، قائلًا: «إن عملاق الترفيه أدْمَن النقود الصينية وعلى استعداد للقيام بأي شيء تقريبًا لإرضاء الحزب الشيوعي الحاكم في الصين». ولفت التقرير إلى أن شركة ديزني لديها عديد من المصالح المعرَّضة للخطر في الصين، إذ أنفقت الشركة 5.5 مليار دولار لتطوير منتجع شنغهاي ديزني لاند، إلى جانب توسيع منتزهها الأصغر في هونج كونج. أما سوق الأفلام هناك فيسير في المسار الصحيح كي يُصبح الأضخم في العالم. لكن مع تركيز كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي على التجارة الصينية والقضايا الثقافية في فترة التحضير للانتخابات الرئاسية الأمريكية، يمكن أن تجد الشركة نفسها في مرمى النيران السياسية مع مرور الوقت. يقول ستانلي روزين، أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الشؤون الصينية في جامعة كاليفورنيا الجنوبية: «لن أندهش إذا ما استُدْعيت الشركة وملَّاكها للمساءلة أمام الكونجرس».

آمالٌ عريضة

ورجح التقرير أن الأمور من المؤكد لم تكن على هذا المنوال مع بدء شركة ديزني تصوير الفيلم قبل أكثر من خمس سنوات. وسعت الشركة للتغلب على المخاوف الثقافية والاجتماعية المتعلقة بالفيلم السابق، والذي أدَّى فيه دوني أوزموند وهارفي فيرشتاين أدوارًا تمثيلية لشخصيات آسيوية. لكن ديزني لجأت، في الفيلم الجديد، لإسناد الأدوار إلى ممثلين صينيين أو أمريكيين ذوي أصول صينية، ومنهم الممثلة الصينية ليو يي فاي في دور البطلة التي ترتدي ملابس جندي لإنقاذ والدها، وقام الممثل الصيني جيت لي بدور الإمبراطور.

وأوضح جيسون ريد، منتج فيلم مولان، قائلًا: «إن شركة ديزني اختارت المخرجة النيوزيلندية نيكي كارو، لأن لديها باعًا طويلًا في الغوص في السمات الخاصة جدًا للمجتمعات وسرد قصتها». وأشار المنتج إلى الأفلام التي قدمتها المخرجة، مثل «شمال المدينة/North Country» والذي يتناول حياة عمال مناجم الحديد في ولاية مينيسوتا الأمريكية، وفيلم «ماكفارلاند، الولايات المتحدة الأمريكية»، الذي يتناول قصة صعود فريق رياضي لاتيني في ولاية كاليفورنيا.

وألمح التقرير إلى أن فيلم «مولان»، الذي يستند في قصته إلى أغنية شعبية صينية قديمة منذ قرون، يدمج بين العمارة الصينية التقليدية والأزياء والتمسك بالروحانيات. وأردف ريد قائلًا: «لقد أمضينا كثيرًا من الوقت مع العلماء والمستشارين والمبدعين المتنوعين نُصغي إليهم بعناية لمعرفة كيف ينظرون إلى العالم».

تصريحات مثيرة للجدل

واستطرد التقرير قائلًا: بعد ذلك، أعربت ليو، نجمة الفيلم، عن تأييدها للحكومة الصينية خلال احتجاجات هونج كونج المؤيدة للديمقراطية في العام الماضي، وبدأت حركة «قاطعوا مولان – #BoycottMulan» تنتشر لتصبح الترند الأكثر شعبية على تويتر.

وبعد عرض الفيلم يوم الجمعة الماضي، لاحظ آخرون أن مقدمة الفيلم تضمنت ثناءً على السلطات المحلية في إقليم شينجيانج للسماح للشركة بالتصوير هناك. وهي المنطقة التي تحتجز فيها الصين الأفراد المنتمين للأقلية المسلمة في الصين داخل معسكرات وهو جزء من حملة القمع التي شنتها السلطات عقب سلسلة من الهجمات التي نفَّذتها عرقية الإيجور على المدنيين الصينيين في عام 2013، ومنها هجوم بسيارة مشتعلة في قلب العاصمة بكين في ساحة تيانانمن.

وأضاف التقرير قائلًا: إن الرئيس الصيني شي جين بينغ تعهد، في عام 2014، باستخدام استراتيجية «الهجوم أولًا» في إقليم شينجيانج. وبعد ذلك أسس مسؤولو المنطقة دولة أمنية واسعة بالإضافة إلى معسكرات الاحتجاز الجماعي، والتي أشار خبراء من الأمم المتحدة في عام 2018 أنها قد تضم قرابة مليون شخص من الإيجور.

وتتزايد الانتقادات الدولية ضد هذه المعسكرات منذ عدة سنوات، إذ فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مسؤولي المنطقة وأدانت الحكومات الأوروبية ممارسة القمع ضد الإيجور. بينما حاولت الصين الدفاع عن نفسها وعن مسؤوليها بإطلاق وصف «التعليمية» على هذه المعسكرات، زاعمة أن عرقية الإيجور يحضرون إليها طوعًا، برغم أن زيارة هذه المعسكرات العام الماضي أظهرت أنها مجرد مساكن ذات قضبان حديدية على النوافذ والأبواب لا تُغلق سوى من الخارج. وفي هذا الصدد لم يرد ممثلو شركة ديزني على طلبات التعليق على الأمر- بحسب مُعدّي التقرير.

قوة التسويق

وأشار التقرير إلى أن التأثير المالي للخلاف حول فيلم «مولان» لم يتضح إلى الآن، فالفيلم شهد بالفعل صعودًا حادًا في الأرباح نظرًا لأن عديدًا من دور العرض أغلقت أبوابها بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد، لكن ديزني لجأت لاتخاذ خطوة غير معتادة بعرض الفيلم عبر الإنترنت مقابل 30 دولارًا على منصة «ديزني بلس» لخدمات بث المحتوى المرئي عبر الإنترنت.

كما أنفقت الشركة أيضًا عشرات الملايين من الدولارات على تسويق فيلم مولان، فضلًا عن ميزانية الإنتاج الخاصة بالفيلم. وبالنظر إلى تجارة دور العرض السينمائي في الوقت الحالي، كان من الصعب أن تستعيد الشركة هذا الأموال التي استثمرتها.

صحيحٌ أن شركة ديزني لم تُعلن عن أرقام عمليات شراء الفيلم عبر الإنترنت، لكن البيانات الواردة من جهات أخرى تشير إلى وجود قدر كبير من الاهتمام بالفيلم. أما عن أرقام شباك التذاكر في الصين، وهي ثاني أكبر سوق للأفلام في العالم حاليًا، فلن تكون متوفرة حتى نهاية الأسبوع. ويرى البعض، مثل روزين من جامعة كاليفورنيا الجنوبية، أن «الفيلم سيحقق نتائج جيدة هناك، وأن دور العرض السينمائية الصينية ستعود بقوة من الإغلاق الذي شهدته جراء جائحة كوفيد-19 منذ افتتاحها في يوليو (تمّوز)، وأن نجوم الفيلم يحظون بشعبية بين الصينيين».

مترجم: لماذا يضع فيلم «مولان» شركة ديزني في مأزق حرج؟

نشر الكراهية

وفي هذه الأثناء في الصين، وبينما ينتظر كثيرون بلهفة عرض فيلم مولان، تطرق بعض مستخدمي منصة «ويبو» الصينية، وهي أكبر منصة للتواصل الاجتماعي في البلاد، إلى الجدل في شينجيانج في منشوراتهم وأعربوا عن دعمهم للفيلم. إذ كتب أحدهم قائلًا: «إن القوى الغربية المعادية للصين، وقوى استقلال هونج كونج وتايوان وغيرها تنشر الكراهية ضد القوة الناعمة للصين باستخدام إقليم شينجيانج»، وأعرب آخر قائلًا: «جديًا أنا لا أفهم».

ونقل التقرير عن ريتش جلفوند، الرئيس التنفيذي لشركة إماكس، التي لها وجود واسع في الصين، أنه لا يتوقع رد فعل عنيف ضد الأفلام السينمائية الأمريكية هناك – حتى في خضم الحرب التجارية والقضايا الأخرى المثارة بين البلدين. إذ حقق فيلم الخيال العلمي المثير من إنتاج شركة وارنر براذرز «عقيدة أو Tenet» أرباحًا تُقدر بحوالي 30 مليون دولار في الصين في نهاية الأسبوع الماضي، وهذه أكبر قيمة يُحققها العرض الأول لفيلم من إخراج كريستوفر نولان في البلاد.

ونوه التقرير إلى أن أكبر مشاكل فيلم «مولان» قد يكون تلك المعضلات التي تعودت عليها الاستوديوهات: مثل القرصنة، على سبيل المثال، لأن الفيلم يُعرض بالفعل عبر الإنترنت. كما أن التقييمات النقدية للفيلم كانت أيضًا سيئة، إذ لم يتفق عليه أقل من 76٪ من النقاد وأبدى 54٪ من الجمهور فقط إعجابهم به بحسب موقع «روتن توميتوز» الأمريكي لتقييم الأفلام والمسلسلات.

واستشهد التقرير في الختام بما قاله مايكل بيري، أستاذ الثقافة الصينية في جامعة كاليفورنيا في مدينة لوس أنجلوس: «لكن المشاكل التي تواجه الشركات الأمريكية التي تمارس نشاطًا تجاريًّا في الصين لم توشك على الانتهاء. وجزء من هذه المشاكل يبدو وكأنه تراكم للمشاكل السياسية». وأضاف قائلًا: «إن شركات مثل ديزني تواجه اتخاذ قرارات صعبة حيال التوازن بين موقفها من المبادئ الأساسية مثل حقوق الإنسان وسعيها للوصول إلى الأسواق العالمية».

منوعات

منذ 3 شهور
6 نماذج توضح العنصرية التي أسستها السينما في هوليوود

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد