أحدث كتاب “أطر العقل: نظرية الذكاءات المتعددة” لعالم النفس الشهير هاورد جاردنر، الصادر في العام 1983، أي منذ 30 عامًا مضت، ثورة في علم النفس والتعليم، حيث جاء بنموذج جديد للذكاء الإنساني تخطى به النظرة التقليدية، المتمثلة في نوع واحد للذكاء يمكن قياسه باختبارات معيارية.

عرض جاردنر، في البداية، سبعة ذكاءات متداخلة، وهي: لغوية، منطقية- رياضية، وموسيقية، وجسدية- حركية، ومكانية، واجتماعية وفردية، وأضاف لاحقًا نوعًا ثامنًا، سماه الذكاء الطبيعي، وانتهى إلى الظن بوجود أنواع لم تكتشف بعد. وانتشرت النظرية بين العاملين في حقل التعليم قبل الجامعي في مختلف الدول، من الباحثين عن طرق للتعامل مع طلاب لم تنجح معهم الطرق التقليدية. غير أنه بمرور الوقت، أصبحت “نطرية الذكاءات المتعددة” نوعًا ما مرادفة لمفهوم “أساليب التعلم”. ويشرح لنا جاردنر الفرق بينهما.

يقوم جاردنر، الآن، بالتدريس بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة هارفارد. وقام بتأليف عدة كتب عن الذكاء والإبداع. ويشرح في كتابه الجديد “جيل التطبيق”، بالاشتراك مع كاتي دايفس، اختلاف حياة شباب اليوم عنها مطلع العصر الرقمي، ومن المنتظر أن تنشره مطبعة جامعة يال في 22 أكتوبر.

 

كتبه هاورد جاردنر

مر ثلاثون عامًا على اكتشافي لفكرة “الذكاءات المتعددة”. ولقد سرني الاهتمام الذي لاقته الفكرة، وطرق استخدامها في المدارس، والمتاحف، والشركات في العالم. بيد أن شيئًا واحدًا حيرني ولم أتوقع حدوثه، وهو ميل الكثير، ومن بينهم أشخاص أكن لهم كل احترام، إلى ربطي بأساليب التعلم أو إسقاط النظرية على أساليب التعلم. وقد حان الوقت لأشفي صدري وأبين الطريق.

أولًا، كلمة موجزة عن “نظرية الذكاءات المتعددة”. بنيت فكرة امتلاك كل فرد لعدد نسبي من القدرات العقلية المستقلة، على أساس البحث في مجالات مختلفة، من بينها تمثيل القدرات الإنسانية في العقل، وسميتها “ذكاءاتنا المتعددة”. والفكرة في حد ذاتها بسيطة جدًّا. حيث يعني الاعتقاد بذكاء واحد أننا جميعًا لدينا حاسوب واحد مركزي يؤدي كل الوظائف، ويحدد طريقة أدائنا في جميع مناحي الحياة. وعلى النقيض، فإن الاعتقاد في الذكاءات المتعددة يعني أن لدينا عددًا نسبيًّا من الحواسيب المستقلة: واحد لغوي، وآخر مكاني، وواحد موسيقي، وآخر اجتماعي، وهكذا. وأستطيع القول إن الإنسان لديه من 7 إلى 10 ذكاءات مختلفة.

ولقد انتشر مصطلح “أساليب التعلم” في الأوساط التعليمية، حتى قبل أن أكتب عن النظرية. والفكرة، كما هي واضحة للعيان، أن كل الأطفال (وبالتأكيد، نحن معهم) لديهم عقل وشخصية مميزة. وعليه، فمن المنطقي أن نعرف المتعلمين وأن نعلمهم ونربيهم بطرق مناسبة لهم، يفيدونا منها وتكون –فوق كل ذلك– فعالة.

وهناك مشكلتان: الأولى، أن فكرة “أساليب التعلم” في حد ذاتها ليست مترابطة. فمن يستخدم هذا المصطلح لا يحدد معايير الأسلوب، ولا من أين تأتي الأساليب، ولا كيفية إدراكها/ وتقييمها/ والاستفادة منها. فمثلًا، لو قلنا إن جوني يدعي أن لديه أسلوب تعلم “تلقائيًّا”. فهل يعني ذلك أنه “تلقائي” تجاه كل الأشياء. وكيف نعرف ذلك؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة لعملية التعلم، هل ينبغي علينا أن نعلّم “بالأسلوب التلقائي” أم أن نستبدله بالأسلوب “التأملي”؟ وما هو أسلوب التعلم “الذي يستخدم الجانب الأيمن”؟ وما هو الأسلوب البصري أو الحسي؟ حيث نجد نفس الأسئلة تطفو مرة أخرى.

المشكلة الثانية، عندما حاول الباحثون تعريف أساليب التعلم، والتدريس من خلالها، وفحص نتائجها؛ لم يجدوا دليلًا مقنعًا من خلال تحليل أساليب التعلم يعطينا نتائج فعالة أكثر من القول بأن “طريقة واحدة تناسب الجميع”. وبالطبع، ربما لم يكن كافيًا تحليل أسلوب التعلم. فحتى لو كان التحليل دقيقًا، فإن فشل متغير واحد لا يعني أن مفهوم أساليب التعلم خطأ تمامًا؛ فربما ثبتت فاعلية متغير آخر. فلا يعني غياب الدليل عدم وجود الظاهرة؛ الأمر الذي يحمل رسالة للباحثين في مجال التعليم مفادها: “ابحثوا عن طريق آخر”.

وإليكم حكمي الموضوعي عن أفضل الطرق لتحليل ذلك الجزء البنائي:

الذكاء: لدى الجميع ذكاءات متعددة. ولكننا نصف منطقة معينة ذات قوة واضحة لدى الشخص، بالذكاء، ونعتبرها قدرة حاسوبية مستقلة. فقدرتك على الفوز مرارًا في لعبة تتضمن تفكيرًا مكانيًّا يعني أن لديك ذكاءً مكانيًّا واضحًا. كما تعني قدرتك على تحدث لغة أجنبية بكفاءة، بعد شهور من “معايشة أهل اللغة”،أن لديك ذكاءً لغويًّا.

الأسلوب أو أسلوب التعلم:

الأسلوب هو تصور لطريقة تعامل الشخص مع نطاق من المواد. فلو لدى الشخص “أسلوب تأملي” فمن المفترض أن يكون قادرًا على تأمل نطاق كامل من المواد. ولا يمكننا اعتبار التأمل في الكتابة مؤشرًا حتميًّا لتأمل الفرد في تعامله مع الآخرين. أما إذا احتوت التأملية نظرة شاملة، فينبغي على المربين حمل هذا الأسلوب محمل الجد.

الحواس:

يصف الناس أحيانًا المتعلم بـ”البصري” أو “السمعي”. والمقصود تعلم البعض بعينيه، وتعلم آخرين بآذانهم. غير أن هذه الفكرة ينقصها الترابط. حيث تتكون المعلومات المكانية والقرائية عبر البصر، لكنهما تستخدمان من قدرات إدراكية مختلفة تمامًا. وبنفس الصورة، فإن الموسيقى والتحدث ينشطان السمع، ولكنهما أيضًا قدرات مختلفة تمامًا. وبإدراك هذه الحقيقة، لا يعني مفهوم الذكاءات وصول المعلومات اللغوية أو المكانية للعقل – عبر البصر، والسمع، واليدين، فلا يهم ذلك. وما يهم هو قدرة الحاسوب الذهني، أي الذكاء، على التعامل مع المعلومات الحسية التي تصل إليه.

وهذه الفروق هامة. ولا أهدف هنا لإعطاء درس في علم النفس أو الفسيولوجيا أو الفيزياء، ولكنني أود التأكيد على ألا نخدع أنفسنا، وأهم من ذلك، ألا نبخس أطفالنا حقهم. فإذا ما أراد البعض الحديث عن “الأسلوب التلقائي” أو “المتعلم البصري”، فلهم ذلك. بشرط إدراك فقر هذه المسميات على أحسن حال، ورداءة إعدادها على أسوأ حال.

وعلى النقيض، يوجد دليل قوي بأن البشر لديهم عدد من الذكاءات، وأن القوة (أو الضعف) في إحداها لا يعني قوة (أو ضعف) الباقي. فكلنا يظهر مناحي ذكائية مختلفة. وهناك طرق حسية مشتركة لتقييم ذكاءاتنا، ولو بدت مناسبة، فيمكننا خوض اختبار رسمي لمنظومتنا. ومن ثم، يمكننا تقرير الاستفادة المثلى من هذه المعلومات كمعلمين، وآباء، ومقيمين لذواتنا.

وكمربي، فإني أضع بين يدي المربين ثلاثة دروس أساسية:

  1. تفريد التدريس كلما أمكن. فبدلًا من “طريقة واحدة للجميع،” ينبغي أن تعرف عن كل طالب ما يمكن، وأن تعلِّم كل طالب بالطرق التي تناسبه وتنجح معه. وبالتأكيد، يدرك ذلك مع الفصول صغيرة العدد. غير أن “التطبيقات” تمكنا من تفريد التدريس للجميع.
  2. التدريس التعددي. قم بتدريس المواد الهامة بطرق متعددة، وليس طريق واحد (مثلًا، من خلال القصص، الأعمال الفنية، الرسومات البيانية، لعب الأدوار). حيث يمكنك الوصول إلى من يتعلمون بطرق مختلفة من الطلاب. وأيضًا، فإنك تنقل ما نعنيه بفهم شيء ما جيدًا، من خلال عرض المواد بطرق مختلفة. ومن المحتمل أن يكون فهمك ضعيفًا لو كنت تدرس بطريقة واحدة.
  3. دعك من المصطلح “أساليب”. فسيربك الآخرون ولن يفيدك أو يفيد طلابك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات