ازدادت المخاطر التي تتهدَّد حياة الصحافيين في العام الماضي، وخاصةً في ظل تركيز وسائل الإعلام العالمية على مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. ووصلت هذه الظاهرة إلى غانا، بحسب تقرير موقع «ذا ديلي بيست» الأمريكي، حيث قُتِلَ الصحافي أحمد حسين سولي ديفلا الذي يبلغ من العمر 34 عامًا أثناء توجُّهه إلى منزله في ضاحية مدينة بالعاصمة أكرا يوم الأربعاء 16 يناير (كانون الثاني)، بعد أن أوقف رجلان دراجتهما النارية بجوار سيارته، وأطلقوا النار عليه من مسافةٍ قريبة، ليتلقى رصاصتين في الصدر ورصاصةٌ في الرقبة، ويلفظ أنفاسه الأخيرة على الفور.

وقال صامويل أدو، الذي يعيش على مسافةٍ قريبةٍ من موقع الحادث، لموقع «ذا ديلي بيست»: «سمعنا أصوات الطلقات النارية قرابة الساعة 11 من مساء يوم الأربعاء. وخرجت من منزلي بعد 15 دقيقة لأجد بعض الأشخاص مجتمعين حول مسرح الجريمة».

تاريخٌ من العمل في الخفاء

كان سولي يعمل صحافيًا استقصائيًا لسنواتٍ لصالح «تايجر آي برايفت إنفيستجيشنز»، وهي تعاونية صحافيين في غانا يُديرها أنس أريمياو أنس، مراسل التحقيقات الغاني البارز، وكشفت التعاونية عددًا من أكبر قضايا الفساد بين الساسة وكبار المسؤولين في حكومة البلاد، وفقًا لتقرير «ذا ديلي بيست».

روبرت فيسك: لماذا تهتم الأمم المتحدة بقضية خاشقجي وتتجاهل قتل صحافيي غزة؟

لكن وبحسب التقرير لم تقف تقارير عند حد غانا فقط، بل بلغت مكانًا آخر في أفريقيا أيضًا؛ إذ لعب الصحافي دورًا كبيرًا في مقطع فيديو استقصائي أظهر ساليسو يوسف، مُدرِّب المنتخب الوطني النيجيري لكرة القدم، وهو يتلقى الرشاوى. فضلًا عن تعاونه مع شبكة «بي بي سي» في عددٍ من التحقيقات، من بينها تحقيقٌ عن بيع الأعضاء البشرية لأداء طقوس السحر في مالاوي.

ولفترةٍ طويلة، لم يكن اسم سولي ووجهه معروفين للعامة، إذ كان يتخفى عند ظهوره. ولكن سياسيًا غانيًا حانقًا كشف هويته الحقيقية في أعقاب تصوير فيلم وثائقيٍ يكشف الفساد المزعوم داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في مايو (أيار) الماضي، وبدأ الصحافي في تلقي تهديداتٍ بالقتل بحسب الموقع الأمريكي.

وثائقي محفوف بالمخاطر

وأفاد «ذا ديلي بيست» أن وثائقي «تايجر آي برايفت إنفيستجيشنز»، الذي جعل سولي رجلًا معروفً، جاء بعنوان Number 12: When Greed and Corruption Become the Norm أي «الرقم 12: حين يتحول الجشع والفساد إلى قاعدةٍ سلوكية». وأظهر الوثائقي كويسي نيانتاكي، عضو اللجنة التنفيذية للفيفا ورئيس الاتحاد الغاني لكرة القدم، وهو يتقاضى رشوةً بقيمة 65 ألف دولارٍ أمريكيٍ من رجل أعمالٍ يسعى لرعاية دوري كرة القدم الغاني.

في أعقاب التقرير، أوقف فيفا نيانتاكي مدى الحياة وغرَّمه قرابة 500 ألف دولار، ليفقد بعدها منصبه رئيسًا للاتحاد الغاني ونائبًا لرئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) وعضوًا للجنة التنفيذية للفيفا، كما أورد تقرير الموقع.

وذكر التقرير أن الوثائقي لم يكشف فساد نيانتاكي فقط، بل أظهر أيضًا عددًا من حُكَّام المباريات وهم يتقاضون الرشاوى؛ ما دفع فيفا إلى إيقاف ثمانية حكامٍ مدى الحياة، في حين عُوقِبَ 53 آخرون بالإيقاف لمدة 10 سنوات. وأدَّت تلك المكاشفات أيضًا إلى تعليق الدوري الغاني الممتاز في يونيو (حزيران)، ولم يُستأنف حتى الآن بعد مرور قرابة سبعة أشهرٍ على تعليقه.

وقال أوكون نيا، مُحرِّر موقع «Busy Buddies» الذي يُغطِّي أخبار دوريات كرة القدم في غرب أفريقيا: «لن يتضرَّر من تعليق الدوري سوى المُستفيدين من فساده، وهم نفس الأشخاص الذين سيُحمِّلون حسين سولي وزملاءه المسؤولية. ويرغب الفاسدون في إسقاط أولئك الصحافيين، رغم أن الشعب الغاني يحتفي بهم».

كشف الهوية

وبحسب «ذا ديلي بيست» فقد كُشِفَت هوية سولي للمرة الأولى في 30 مايو (أيار) عام 2018 – بعد ثلاثة أسابيعٍ من عرض الوثائقي للمرة الأولى – حين عرض السياسي كينيدي أغيابونج، الذي تورَّط أيضًا في الوثائقي، صورًا للصحافي، وكشف الحي الذي يعيش فيه خلال مقابلةٍ مع قناة التلفزيون الوطني «نيت 2 تي في» التي يمتلكها. وقال أغيابونج، وهو يُشير إلى صورة المُراسل: «هذا الولد خطيرٌ للغاية، وهو يعيش هنا في حي مدينة. إكسروا أذنيه إذا التقيتم به في أي مكان». وتعهد بدفع الأموال لمؤيديه الذين سينتقمون من سولي.

أنس أريمياو أنس

وسرعان ما انتشرت هذه التعليقات في وسائل الإعلام في أعقاب مقتل حسين سولي، لكن السياسي رفض المزاعم بأنه المسؤول عن قتل الصحافي، وقال لمحطة الراديو المحلية «نيت إف إم»: «لم يُزعجني أبدًا. وعليهم أن يُحقِّقوا مع الأشخاص الذين أزعجهم، وليس أنا. لقد أزعج هو ومديره [أنس] الكثير من الأشخاص في هذه البلاد. وستُلاحقهم الشرور التي ارتكبوها»، وفقًا للموقع الأمريكي.

وخشي سولي أن تُكلَّفه أفعال أغيابونج حياته، قبل شهورٍ من مقتله بحسب الموقع، الذي أشار إلى حديث للصحافي، في سبتمبر (أيلول) الماضي، للجنة حماية الصحافيين عبر تطبيق «واتساب» أعرب خلاله عن قناعته بأن «مجرمين» بعينهم في غانا يسعون لإيذائه، وأن أولئك الأشخاص «مرتبطون بمراكز قوى يُمكنها فعل أي شيءٍ داخل غانا دون التعرض للمساءلة. ومنذ نشر صورتي وتحريض الجمهور ضدي.. حاول الكثيرون (مهاجمتي). وبالطُبع أُلمِح داخل بعض الأوساط إلى أن الرجل الذي نشر (صوري) قال إنه يفعل ما بوسعه لإنهاء حياتي».

وزعمت بعض التقارير في وسائل الإعلام المحلية أنَّ أغيابونج استدعته الشرطة في أعقاب جريمة القتل، ولكن أُفرِجَ عنه دون توجيه أي تهمة إليه بحسب «ذا ديلي بيست». لكن الساسة من أحزاب المعارضة سخروا من تلك التقارير، وقالوا في بيانٍ صدر يوم 21 يناير: إنه «حتى تاريخه، لم يُستدع أغيابونج من قِبَل الشرطة للتحقيق معه»، مطالبين بالقبض عليه ومحاكمته. وجاء في البيان الرسمي الذي أعدَّه أعضاء الأقلية في البرلمان: «يبدو أن السيد أغيابونج حرَّض على عدة جرائم تتراوح بين الاعتداء والإيذاء والإيذاء باستخدام أسلحةٍ هجوميةٍ والشروع في القتل والقتل بتحريض الجمهور. ويُعَدُّ التحريض على العنف جريمةً يُعاقب عليها قانوننا، حتى في حالة عدم استجابة أي فرد من الجمهور للدعوة عمليًا».

جريمةٌ دون عقاب

وحاول موقع «ذا ديلي بيست» التواصل مع أغيابونج – عضو الحزب الوطني الجديد الحاكم في غانا – بعد يومين من مقتل سولي، لكن شخصًا مُقرَّبًا من السياسي أخبر الموقع أنه «خارج البلاد».

169 عالميًا في حرية الصحافة.. أين تقع السعودية في أبرز المؤشرات العالمية 2018؟

وعَلِمَ الموقع سرًا من مصدر مُقرَّبٍ أن أغيابونج سافر خارج البلاد بعد يومٍ من قتل الصحافي على متن رحلة طيران الإمارات المُتجهة إلى دبي. وقال المصدر: «لا نعلم ما إذا كانت دبي هي وجهته الأخيرة، ولا نعلم أيضًا متى سيعود. فلننتظر لنرَ».

وفي النهاية، عاد أغيابونج إلى أكرا وحضر جلسة البرلمان يوم الأربعاء الماضي، إذ أحاله رئيس البرلمان آرون مايك أوكواي إلى لجنة الحصانة لتحديد مسؤوليته عن قتل الصحافي من عدمها، لكن حتى الآن لم يُحدد تاريخ اجتماع اللجنة لبحث المسألة، وفقًا للموقع.

وشيع جثمان سولي، وهو مسلم الديانة، ودُفِنَ يوم الجمعة 18 يناير – بعد يومين من مقتله – لكن موقع «ذا ديلي بيست» قال: إن «مقتله ما يزال يحظى باهتمامٍ شديدٍ بين مواطنيه».

ويرى الموقع الأمريكي أن الأحداث المتتالية التي أدَّت إلى مقتل سولي تعني أن الصحافي كان يخضع للرقابة المُشددة، لافتًا إلى أنه تلقَّى حين كان في منزل أحد أقاربه مكالمةً هاتفيةً من المنزل تطلب عودته لرعاية طفله المريض، ثم تعرَّض لكمينٍ من قتلته أثناء هروعه عائدًا إلى منزله.

ونادرًا ما يتعرَّض الصحافيون للهجوم في غانا التي تعد دولة مستقرة على غير المعتاد في منطقة غرب أفريقيا التي تعمها الاضطرابات بحسب الموقع. ولم تسجل لجنة حماية الصحافيين سوى حادثة قتل واحدة لصحافي منذ عام 1992. لكن العاملين في مجال الإعلام يخشون أن تتحول الهجمات على الصحافيين إلى قاعدة سلوكية في حال أفلت قتلة ديفيلا من العقاب.

وأورد «ذا ديلي بيست» في ختام تقريره تصريحات كريستيان أنوزي، مُحرِّر مجلة «إيفينتس دايري» التي غطت معظم الأحداث الكبرى في غانا على مدار العقد الماضي، الذي قال: «من المحتمل أن هاتفه كان مُراقبًا؛ إذ لا شك أن أحدًا كان يعلم بعودته إلى المنزل في ذلك الوقت. حذَّر ديفيلا كثيرًا من التهديدات على حياته قبل وقتٍ طويل، ولكن لم تتخذ إجراءات فعلية. وفي حال لم يحصل على العدالة، سيتشجع الآخرون المنزعجون من وسائل الإعلام على مهاجمة الصحافيين».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد