نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي مقالًا ليوان كرانسويك، محاضر أول في العلاج الرياضي والتمارين الرياضية بجامعة ليدز بيكيت، تناول فيه الأسباب وراء معاناة عديد من الشباب من الاضطراب العقلي المعروف باضطراب تشوه البنية العضلية، وهو حالة صحة عقلية يقضي فيها الشخص كثيرًا من الوقت قَلِقًا بشأن عيوب مظهره الخارجي. ويمكن أن يُصاب الأشخاص بهذه الحالة في أي عمر، ولكنها أكثر شيوعًا بين المراهقين والشباب.

وفي مستهل مقاله، يقول الكاتب إن مخاوف صورة الجسد بين الرجال تنتشر على نحو متزايد ويمكن أن يكون لها تأثير خطير في صحتهم العقلية. وانطلاقًا من التقديرات التي تفيد بأن واحدًا من كل عشرة شبان يذهبون إلى النادي الرياضي في المملكة المتحدة، يمكن أن تؤدي هذه المخاوف المتعلقة بشكل الجسد إلى حالة صحية عقلية تُعرف باسم اضطراب تشوه البنية العضلية.

وعلى الرغم من أن الباحثين ما يزالون في بداية فهم تعقيدات هذه الحالة، فإنه من الواضح أن الشباب يتأثرون بها حاليًا بمعدل أكبر مقارنةً بغيرهم من المجتمع. ويُعتقد أن هناك عديدًا من الأسباب وراء ذلك، لكن الباحثين وجدوا أن ضغوط وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب تغير الأفكار بشأن الذكورة، قد تكون أسبابًا رئيسة.

صحة

منذ سنة واحدة
هل تشعر دائمًا بالإرهاق؟ تعرف إلى متلازمة التعب المزمن فقد تكون مصابًا بها

تشخيص المرض ما يزال صعبًا

ولفت الكاتب إلى أن هذه الحالة يُشار إليها أحيانًا باسم «بيجوريكسيا» أو «فقدان الشهية العكسي»، ويعتقد الأشخاص المصابون باضطراب تشوه البنية العضلية أن أجسامهم صغيرة جدًّا أو نحيفة، أو غير مفتولة العضلات بما يكفي، على الرغم من أن العكس قد يكون صحيحًا.

تؤدي هذه النظرة المشوَّهة إلى انشغال ذهن الشخص بأن جسمه سيصبح مفتول العضلات أو نحيفًا على نحو مفرط، مما يؤدي غالبًا إلى تطوير عادات خطيرة، مثل التمرين بحمل أوزان زائدة، واتباع نظام غذائي مشدَّد، واستخدام مواد مثل المنشطات البنائية (الستيرويد البنائي). ويمكن أن يؤدي أيضًا إلى القلق والاكتئاب، وقد يؤثر في الحياة اليومية.

واستدرك الكاتب قائلًا: لكن تشخيص اضطراب تشوه البنية العضلية في الوقت الحالي ما يزال صعبًا. وعلى الرغم من وجود عديد من الدراسات المَسْحِية الذاتية لمساعدة الأطباء في تشخيص المرضى، فإن هذه الدراسات تُقيِّم الأعراض ذات الصلة فقط (مثل الرغبة في زيادة نمو العضلات، أو مشكلات صورة الجسم) بدلًا من تقديم تشخيص قوي.

Embed from Getty Images

ويعتمد التشخيص أيضًا على استيفاء المرضى لمجموعة محددة من المعايير، مثل الانشغال بنحافة جسده وبناء عضلاته، والسعي الحثيث لزيادة وزنه، واتباع نظام غذائي. ولكن نظرًا إلى استخدام عديد من الطرق المختلفة لتشخيص اضطراب تشوه العضلات، فإن هذا يمكن أن يجعل فهم الحالة فهمًا مستفيضًا أمرًا صعبًا.

اضطراب تشوه البنية العضلية

ومع ذلك، يتفق معظم الخبراء بوجه عام، على أن الأشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب يميلون إلى الانخراط في استخدام الستيرويد، ويعانون من أعراض اضطرابات الأكل (مثل التمرينات القهرية وعادات الأكل)، وزيادة عدم الرضا عن الجسم، وعادةً ما يكون ذلك بسبب المظهر العام والوزن ونمو العضلات.

ويميل الأشخاص المصابون باضطراب تشوه البنية العضلية أيضًا إلى تدني تقدير الذات، وارتفاع مستويات القلق عند رؤية جسدهم، ومعدلات مرتفعة من الاكتئاب، والسلوكيات الوسواسية القهرية تجاه التمارين والنظام الغذائي. على سبيل المثال، قد يعطي الأشخاص الأولوية للتمارين الرياضية على العمل أو الأنشطة الاجتماعية، أو يأكلون بدقة كل ثلاث ساعات لضمان بناء العضلات. وإذا تعطلت هذه السلوكيات، فإن ذلك يسبب لهم القلق والاضطراب العاطفي.

وفي الغالب يؤثر اضطراب تشوه البنية العضلية في الرجال في منتصف العشرينيات وحتى منتصف الثلاثينيات، إلا أن متوسط ​​عمر ظهور الاضطراب 19 عامًا. وتشير الأبحاث إلى أنه الأكثر شيوعًا في مجتمعات رفع الأثقال وكمال الأجسام.

ومع ذلك، توضح الأبحاث أيضًا أن ما يقرب من 6% من الطلاب الأمريكيين يعانون من هذه الحالة. وتوصَّلت دراسة أخرى إلى أن 4.2% من النساء و12.7% من الرجال في الجيش الأمريكي يعانون من اضطراب تشوه البنية العضلية. ولذلك، في الوقت الذي يبدو فيه أن هذا الخلل يؤثر غالبًا في الشباب، هناك أبحاث محدودة حول مدى انتشاره في أوساط مجموعات أخرى من المجتمع.

الجسد «المثالي»

هناك أسباب عديدة تجعل الشخص يعاني من اضطراب تشوه البنية العضلية، وهي أسباب خاصة تختلف من شخص لآخر. ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن وسائل الإعلام (ووسائل التواصل الاجتماعي)، وكذلك الضغط من العائلة والأصدقاء، تُعد أسبابًا محتملة في حدوث ذلك. على سبيل المثال، أصبحت الصور النمطية الإعلامية المعروفة عن الرجال بمرور الوقت أنهم مفتولو العضلات. وعلى وجه التحديد، وعلى مدار عدة عقود، أصبح عارضو الأزياء الرجال في المجلات أكبر حجمًا وأكثر رشاقة على نحو ملحوظ. حتى الأشكال الذكورية البلاستيكية الصغيرة التي يستخدمها الأطفال في اللعب تغيرت بمرور الوقت، وأصبحت تُصمَّم على شكل ذكور مفتولي العضلات على نحو غير واقعي.

Embed from Getty Images
يرتبط اضطراب تشوه البنية العضلية بالاعتقاد بأن البنية العضلية للجسم هي الصورة المثالية له. ولذلك، قد يسبب التعرض لهذه الصور والنماذج في وسائل الإعلام القلق وتشوه صورة الجسد. وتُظهر الدراسات أيضًا أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مرتبط ارتباطًا مباشرًا بحُب الأولاد الصغار الشديد للبنية العضلية. ومشاهدة صور الأشخاص ذوي اللياقة البدينة على وسائل التواصل الاجتماعي، يشير أيضًا إلى تركيز هؤلاء الأولاد الصغار على أن يصبحوا مفتولي العضلات على نحو أكبر.

ووجهة النظر القائلة بأن «كونك مفتول العضلات أمرًا ذا قيمة» عادةً ما يقول بها الأصدقاء والعائلة، وقد يأتي الضغط من أجل أن تكون مفتول العضلات في شكل مقارنات أو تعليقات حول المظهر من أحبابك. وتُبين الأبحاث أن بعض الرجال يسعون حتى إلى اللياقة البدنية للتعامل مع التنمر والتسلط من أفراد الأسرة والشركاء الرومانسيين.

ويعتقد بعض الباحثين أيضًا أن ما يسمى بـ«الأزمة الذكورية» قد يساهم في زيادة حالات اضطراب تشوه البنية العضلية. وهذا يعكس الاعتقاد المتصور بأن هناك فرصًا أقل للرجال لإثبات رجولتهم من خلال العمل اليدوي والصناعي. وقد يُشْعِر هذا بعض الرجال بالتهديد والعجز.

ونتيجةً لذلك، تعلَّم الرجال استخدام اللياقة العضلية لإثبات رجولتهم عيانًا. وفي الثقافة الحديثة وعلى نحو متزايد، لا تمثل الرجولة ما تفعله، بل كيف تبدو. لذا، فإن القيمة التي وضعها المجتمع للرجل المفتول العضلات قد تفسر سبب شيوع اضطراب تشوه البنية العضلية لدى الرجال.

خيارات علاج اضطراب تشوه البنية العضلية

وأفاد الكاتب بأنه نظرًا إلى أنه من المحتمل أن يكون الإبلاغ عن حالات اضطراب تشوه البنية العضلية قليلًا، لا يمكننا أن نعرف بدقة مدى شيوعه. وبدلًا من ذلك، لا يمكننا التكهن إلا بناءً على الأدلة المحدودة المتوفرة لدينا. ويعود سبب عدم اليقين جزئيًّا إلى أدوات التشخيص غير المتسقة، وفكرة أنه من المحظور أن يهتم الرجال بالمظهر أو الإفصاح للآخرين عن مشاعرهم.

وسَعَت أبحاث قليلة إلى استكشاف خيارات لعلاج اضطراب تشوه البنية العضلية، لكن مراجعة أحد هذه الخيارات تشير إلى أن العلاج السلوكي المعرفي، وإعادة هيكلة الأفكار (تقنية تساعد الناس على فهم أفكارهم ومشاعرهم ومعتقداتهم وتحدِّيها)، والعلاج الأسري، يمكن أن يكون مفيدًا.

Embed from Getty Images

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: ونظرًا إلى صعوبة تغيير التجارب الداخلية، يعاني الأشخاص من هذه الحالة على المدى الطويل. ولكن بالنظر إلى أن الحالة تشبه اضطراب تشوه الجسم، الذي يتسبب في أن تستحوذ العيوب المتصورة في مظهرهم بوجه عام على تفكيرهم، فقد يكون لدى الباحثين بالفعل حلول واعدة محتملة للمساعدة في إدارة المشاعر والأعراض المرتبطة باضطراب تشوه البنية العضلية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد