. إذا تحرك الإخوان إلى موقف حقيقي أكثر اعتدالا، فإن هذا قد يفتح الطريق نحو إعادة إحياء المجتمع المدني والنقاش الاجتماعي المتصاعد حول قضية الإصلاح الديني.

يشير مقال نشرته دورية «ميدل إيست بريفينغ» الأسبوعية  إلى عمق الأزمة الداخلية داخل جماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط؛ إذ يرى أنه من المهم في هذه المرحلة استكشاف ما من شأنه أن تؤدي إليه هذه الأزمة، عبر طرح السؤال التالي: كيف يستثمر رأسمال الجماعة من الخبرة والتجربة السياسية، والذي يتناقص بسرعة كبيرة، بطريقة أكثر إيجابية، بدلًا من تبديده تمامًا؟ وبعبارة أخرى ما هو الخيار الذي ينبغي أن يتم اختياره بين الخيارين: استمرار الضغط على الجماعة، حتى تفنى أو توشك على الفناء أو محاولة مساعدتها في سعيها الحالي نحو إصلاح هويتها؟

ووفقًا للكاتبين، فإن هناك العديد من الأسباب التي تفسر أهمية هذا السؤال. واحد من هذه الأسباب هو أن تلك الهوية المعدلة التي تسعى إليها الجماعة، إلى جانب حركيتها وخبرتها الطويلة، هي أمور يمكن أن تساعد في توفير منصة معتدلة للشباب المسلم، شريطة أن تتحول القاعدة الأيديولوجية للتنظيم، بعد إصلاحها نحو نظرة أكثر اعتدالًا.

ينبع سبب آخر من كون عقود من الدكتاتورية المطلقة في الشرق الأوسط قد قضت على جميع أشكال الحياة في المجتمع المدني. إذا تحرك الإخوان إلى موقف حقيقي أكثر اعتدالًا، فإن هذا قد يفتح الطريق نحو إعادة إحياء المجتمع المدني والنقاش الاجتماعي المتصاعد حول قضية الإصلاح الديني.

ولكن كل هذه الأسباب تقوم على الفرضية القائلة بأن جماعة الإخوان المسلمين ستكون في الواقع قادرة، ومستعدة لإجراء مراجعات هامة على الأبعاد الأيديولوجية والدينية. في الماضي، وبخاصة خلال السبعينيات في مصر، أظهرت الجماعة ضعفًا في مواجهة موجة من التطرف، ودفعت تدريجيًا إلى موقع أكثر راديكالية، بدلًا من أن تقاوم بقوة صعود المد الجهادي.

يرى المقال أنه من الخطأ الكبير أن نفترض أن الجماعة سوف تتلاشى وتختفي تماما. بدليل تجربة «عبد الناصر » ووصول الجماعة إلى السلطة، بعد 50 عامًا، تجربة قمعية، رأى الكثيرون أنها تسببت في انهيارها. ويؤكد توفر الحالة الراهنة للجماعة فرصة لتشجيع الحوار داخلها، ونرى أن ذلك من شأنه أن يوفر أسسًا أيديولوجية سياسية متماسكة؛ من أجل موقف إيجابي معتدل ومستدام.

ويرى الكاتبان أن السماح للجماعة بالتكيف مع وضعها غير القانوني، من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها؛ بسبب عملية لا يمكن السيطرة عليها، وأن البديل هو تطبيق خطة لتشجيع الجماعة على إجراء مراجعات أيديولوجية وسياسية، ومراجعة نظرياته التنظيمية والتحرك نحو وضع حزب سياسي عادي، ولكن هذا يتطلب من وجهة نظر الكاتبين أن تعلن الجماعة احترامها لمفهوم الدولة القومية، والاستعداد لقبول مبادئ الفصل بين السلطات، وحرية الرأي والتعبير، وحقوق الأقليات في العيش على قدم المساواة في بلدانهم وإنهاء مبدأ «التمكين» .

الخلافات بين أفرع الجماعة

ويرى المقال أن جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة تتعرض لمتوالية من المواقف السيئة التي تعقد هذا الانتقال. في الأردن، شنت السلطات حملة على مكاتب الإخوان المسلمين، وهى خطوة يراها الكاتبان ذات طابع سياسي، رغم إصرار عمان على نفي ذلك.

ويؤكد المقال جماعة الإخوان المسلمين في الأردن قد ضعفت بشكل كبير منذ سقوط الرئيس السابق «محمد مرسي» في مصر. وقد ألقت هزيمة الجماعة الأم في القاهرة بتداعياتها على الأردن.

وينتقل المقال للحديث عن اليمن منوها إلى إدانة الشيخ «عبد المجيد الزنداني»، أحد أبرز رموز التجمع اليمني للإصلاح، فرع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، قادة الجماعة القابعين خلف القضبان في مصر. وكان السبب في إدانة «الزنداني»، هي الهجمات التي تشنها جماعة الإخوان المسلمين على المملكة العربية السعودية والملك «سلمان»، وفقًا للمقال.

ويرى المقال أن بيان «الزنداني» قد حمل توبيخًا مباشرًا لجماعة الإخوان المسلمين المصرية. وقال البيان «إننا ندين الموقف السلبي من بعض جماعات المعارضة المصرية، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، بشأن التقارب بين المملكة العربية السعودية ومصر».

قضية الجزر

ويرى المقال أن هجوم جماعة الإخوان على العلاقات بين الرياض والقاهرة يعزز من تحول الرياض تجاه السيسي. منوهًا إلى أن دعوة جماعة الإخوان المسلمين لاحتجاجات شعبية في شوارع مصر؛ لمنع ما وصفته بأنه تسليم الأراضي المصرية إلى السعوديين قد أثارت غضب الرياض.

ويرى الكاتبان أن موقف جماعة الإخوان المسلمين حول قضية الجزر، التي اعترفت مصر بالأحقية السعودية عليها، يعكس بشكل واضح الأزمة الحالية التي تحياها الجماعة. في حين أنه لا يمكن المخاطرة بالظهور بمظهر الصمت بين صفوف المصريين المحتجين على القرار، فإن الجماعة لا تعتقد في جوهر مبدأ «السيادة الوطنية» الذي يستند إليه المتظاهرون المصريون المعارضون لقرار «عبد الفتاح السيسي».

اختارت الجماعة القيام بمهاجمة القرار على وسائل الإعلام الاجتماعية. كانت الجماعة تخشى من أن اتخاذ قرار بعدم التظاهر سوف يثير غضبًا عميقا لدى قواعدها في مصر، في حين أن الحشد القوي للاحتجاجات العامة سوف يثير المزيد من غضب السعوديين.

ويشير المقال إلى أن الجماعة تعول كثيرًا على موقف المملكة العربية السعودية. حيث اعتبرت المملكة منذ الستينيات، العمق الاستراتيجي للجماعة منوهًا إلى أن التغيير في سياسة المملكة هو سبب إضافي يضاف إلى المزيج الذي يضع جماعة الإخوان المسلمين في واحد من أصعب مواقفها على مدار عقود.

مراجعات

ويشير الكاتبان إلى أن التسريبات التي خرجت من السجون تشير بالفعل إلى أن هناك بالفعل مناقشات واسعة النطاق بين الأعضاء المسجونين في جماعة الإخوان؛ لاستكشاف إمكانات إجراء مراجعات علنية، لأسس النظرية السياسية للجماعة. ويعدد المقال  3 مسارات لتسلكها الجماعة: أن تبقى كما هي تدافع عن أخطائها، أو تظهر قبولًا شكليًا للاعتراف بأخطائها، لكن مع الحفاظ على ذات المصادر المفاهيمية والقواعد الأيديولوجية. يتضمن الخيار الثاني التحول إلى منظمة دعوية تنشر تعاليم الإسلام مع التخلي عن ممارسة أي دور سياسي على الإطلاق. الخيار الثالث هو تحويل الجماعة إلى حزب سياسي مدني، وهو ما يتطلب إجراء مراجعة أيديولوجية عميقة جدًا لبعض أفكارها، وبخاصة أفكار «سيد قطب»، والتزامها تجاه مفهوم الخلافة، بحسب المقال.

ويرى المقال أن القضية المحورية في البنية المفاهيمية للجماعة هي قضية «الحاكمية» أو «الحكم بما أنزل الله» الذي يفترض أن تضفي الشرعية على سعيها للحكم مع إقصاء القوى السياسية الأخرى. ويرى أن الجماعة لا بد أن تجري تعديلات حول هذا المفاهيم نحو الأبجديات التقليدية للأحزاب السياسية على شاكلة الديمقراطية المسيحية، كما عبر بعض أعضاء الجماعة من قبل، وهو النموذج الذي يسمح لهم بالحفاظ على نظرتهم الدينية.

ويختتم المقال بالإشارة إلى أن مشكلة الجماعة في الحقيقة أعمق من أن يتم اختزالها في حفنة من الزعماء التقليديين ذوي الرؤية المحدودة، ولذلك فإنه من مصلحة جميع الأطراف تشجيع الجماعة نحو مراجعة جذرية أثناء بحثها الراهن عن أسباب سقوطها المأساوي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد