يفاجئ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، العالم، بقراراته الصادمة من حينٍ لآخر. وانتشرت تقارير في الأيام القليلة الماضية حول استعداد الإدارة الأمريكية لإدراج جماعة الإخوان المسلمين على قائمة التنظيمات الإرهابية. لكن صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية ترى أنَّ هذا القرار يُمثِّل انحيازًا من ترامب إلى الحُكَّام المُستبدِّين، مما سيُعكِّر صفو الشرق الأوسط ويُؤدِّي إلى تبعات سيئة على المدى البعيد.

مترجم: هل قد نشهد تحالفًا بين الشيعة والإخوان المسلمين ولماذا؟

مساعٍ قديمة تُكلِّلها جهودٌ جديدة

أوردت الصحيفة الأمريكية في تقريرها أنَّ ترامب بدأ يُفكِّر في اتِّخاذ خطوةٍ ربما تُشعِل فتيل عاصفة نارية في الشرق الأوسط، بعد أيام قليلة من تنصيبه رئيسًا في يناير (كانون الثاني) عام 2017: تصنيف جماعة الإخوان المسلمون باعتبارها تنظيمًا إرهابيًا، وهي الجماعة التي يمتدُّ نفوذها من المغرب غربًا وصولًا إلى ماليزيا شرقًا.

وأفاد التقرير أنَّ مايكل فلين، مستشار الأمن القومي الأمريكي المُتشدِّد آنذاك، بدأ دراسة ما إذا كان يجب على الولايات المتحدة فرض عقوباتٍ شاملة على ملايين الأشخاص في كافة أنحاء الشرق الأوسط. لكن فلين أُقيل من منصبه بعد بضعة أسابيع. وألغى الفكرة كل من جيم ماتيس، وزير الدفاع، وريكس تيليرسون، وزير الخارجية، وهربرت رايموند ماكماستر، الذي أصبح مستشارًا للأمن القومي في ما بعد.

وحذَّر مُحامو الحكومة من أنَّ جماعة الإخوان المسلمون لا تستوفي المعايير القانونية اللازمة لتصنيفها ضمن التنظيمات الإرهابية، بحسب التقرير. وارتأى الرجال الثلاثة أنَّ مواجهة الجماعة هي معركةٌ أكبر من اللازم، خاصةً وسط منطقةٍ مُضطربة تُواجه داخلها القوات الأمريكية المُتشدِّدين الإسلاميين بالفعل.

وذكر التقرير أنَّ الرجال الثلاثة تركوا مناصبهم الآن. وحين زار عبد الفتاح السيسي -الرئيس المصري القوي الذي يرى في الإخوان مصدرًا للمُعارضة السياسية- البيت الأبيض في التاسع من أبريل (نيسان) ليُجدِّد مُطالبته لترامب باستهداف خصومه؛ وجد أنَّه يطرق بابًا مفتوحًا في واشنطن.

وأعادت إدارة ترامب إحياء المُقترح الساعي لتوصيف الإخوان المسلمين تنظيمًا إرهابيًا، مما أثار جدلًا واسعًا بين ساسة الحكومة وخبرائها المهنيين.

تأييدٌ مصري سعودي إماراتي لـ«إرهابية» الإخوان المسلمين

سيُؤدِّي هذا القرار إلى فرض عقوبات اقتصادية وعقوبات سفر أمريكية واسعة النطاق على الشركات والأفراد المُتعاملين مع الحركة الإسلامية ذات العلاقات الفضفاضة، بحسب «واشنطن بوست»، التي تأسَّست في مصر وامتد نفوذها لتُصبح كيانًا سياسيًا شرعيًا ومُعترفًا به داخل الكثير من الحكومات ذات الأغلبية المُسلمة.

ووصفت الصحيفة الأمريكية القرار بأنَّه آخر قرارات السياسة الخارجية الكُبرى التي اتَّخذها الرئيس، مُتأثِّرًا بزعيمٍ استبدادي، دون التشاور مع مسؤولي الحكومة الأمريكية المُختصين.

وبحسب تقرير الصحيفة، فبالتزامن مع اجتماع ترامب مع الرئيس المصري، قال مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية إنَّ زعماء السعودية والإمارات شجَّعوا ترامب وجاريد كوشنر، صهره ومستشاره، على اتِّخاذ تلك الخطوة لأنَّهم يكرهون وجود الإخوان المسلمين بوصفهم فصيلًا سياسيًا مُعارضًا.

وتحدَّث ترامب هاتفيًا إلى محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، بحسب التقرير، في يوم اجتماعه بالسيسي في التاسع من أبريل كذلك. وتحدَّث ترامب أيضًا إلى محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات، قبل ثلاثة أيام. وتحدَّثوا مرةً أخرى في 18 من أبريل.

وأورد التقرير أنَّ البيت الأبيض أعلن أيضًا تغييرًا مُعاكسًا في السياسة الخارجية الأمريكية بعد سلسلةٍ من المحادثات، إذ أصدر ترامب بيان تأييد لخليفة حفتر، الزعيم الطموح في ليبيا، في معركته لإسقاط الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس يوم 19 من أبريل.

وترى «واشنطن بوست» أنَّ دُول مصر والسعودية والإمارات تدعم القائد حفتر لأنَّها تعتقد أنَّه سيُحقِّق الاستقرار في ليبيا، عن طريق منع الأحزاب السياسية الإسلامية من الوصول إلى السلطة. ولم تصل حملة مُناهضة الإخوان المُسلمين الجديدة إلى نتيجةٍ مضمونة في واشنطن حتى الآن.

تباين الآراء داخل الإدارة الأمريكية

أوردت «واشنطن بوست» أنَّ مسؤولين أمريكيين ودبلوماسيين أجانب حاليون وسابقون مُضطَّلعون على الأمر ناقشوا هذا المُقترح شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، وقال العديد منهم إنَّ المُقترح يُواجه عدة عقبات قانونية وسياسية ربما يستغرق حلُّها أسابيع طويلة.

وقال المسؤولون إنَّ مايك بومبيو، وزير الخارجية، وجون بولتون، مستشار الأمن القومي الحالي، وافقوا بالفعل على مُقترح تصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا قبل زيارة السيسي للبيت الأبيض.

وأفادت الصحيفة الأمريكية أنَّ فيكتوريا كوتس وهي مُساعدة الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، والمرأة التي يتزعَّم فريقها عمليةً مُشتركة بين الوكالات لدراسة التحوُّلات السياسية، تؤيد أيضًا هذا التصنيف.

وفيكتوريا في الأصل هي مُؤرخةٌ للفن الأوروبي، وعُيِّنت في البيت الأبيض بعد أن شغلت منصب مُستشارة السياسة الخارجية لتيد كروز، السيناتور الجمهوري من ولاية تكساس، الذي يمتلك آراء مُتشدِّدة بشأن قضايا الشرق الأوسط.

أزمة الخليج

ولم يتضَّح موقف باتريك شاناهان، القائم بأعمال وزير الدفاع، من الجماعة حتى الآن. إذ قال للمُراسلين يوم الجمعة إنَّه خطَّط لمناقشة المسألة مع بومبيو قبل الإفصاح عن رأيه، بحسب التقرير. لكن شاناهان قال إنَّ المخاوف بشأن القوات الأمريكية في الدول التي تحظى داخلها الجماعة باستحسان الرأي العام هي «نقاطٌ مُهمَّة».

إذ اعتمد البنتاجون على الشراكات مع قطر وتركيا اعتمادًا كبيرًا من أجل قتال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو من أجل الحصول على أولويات عسكرية في المنطقة، رغم أن حكوماتها هي من أكبر الداعمين للإخوان المسلمين في المنطقة.

وأوضحت الصحيفة أنَّ مسؤولي مُكافحة الإرهاب والاستخبارات والدفاع في الولايات المتحدة يُعارضون تصنيف الجماعة باعتبارها تنظيمًا إرهابيًا، إذ يخشون أن يُؤدِّي ذلك إلى استنزاف الموارد المُخصَّصة للتهديدات الإرهابية الواضحة، مثل تنظيمي داعش والقاعدة، وتعكير صفو العلاقات الأمريكية داخل الشرق الأوسط.

ويُؤمن مُحامو الإدارة أنَّ المحاكم الفيدرالية سترفض ذلك التصنيف، وأنَّ المعايير اللازمة لتصنيف المنظمة إرهابيةً لا تنطبق على جماعة الإخوان المسلمون، نظرًا لأنَّ أعضاءها يدعون إلى مجتمعٍ مُلتزمٍ بمعايير الشريعة الإسلامية ولا يُناصرون العُنف في العموم.

أبعاد القرار

تُعتبر جماعة الإخوان المسلمين وفروعها فصيلًا سياسيًا مُعترفًا به أو لها تمثيل داخل حكومات المغرب وموريتانيا وتونس والأردن والبحرين والكويت، إلى جانب تركيا وقطر، بحسب التقرير.

وقال أندرو ميلر، المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية والباحث الحالي في منظمة «مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط» بواشنطن، إن تصنيف الجماعة باعتبارها تنظيمًا إرهابيًا سيؤدي إلى الإضرار بالعلاقات الدبلوماسية والعسكرية مع تلك الدول و«تسييس عملية تصنيفٍ ستُقوِّض قوة التصنيفات الحقيقية بحقِّ الجماعات الإرهابية».

لكن وفقًا لصحيفة «واشنطن بوست» فقد نفذ بعض أعضاء وفروع الجماعة السابقين عدة هجمات، خاصةً حركة حماس، الجماعة الفلسطينية التي تمتلك هدفًا مُعلنًا هو تدمير إسرائيل. وقررت الولايات المتحدة تصنيف حركة حماس تنظيمًا إرهابيًا في عام 1997. واعتقد بعض مستشاري ترامب لسنوات أنَّ الجماعة تُمثِّل فصيلًا مُتطرِّفًا يتسلَّل سرًا إلى الولايات المتحدة من أجل الترويج للشريعة الإسلامية المُتشدِّدة. ويرى أولئك في التصنيف الإرهابي المُقترح فرصةً للتحرُّك المُناهض للحركة.

ودرست إدارة ترامب فكرة تصنيف الإخوان المسلمين والحرس الثوري الإيراني، فرع الجيش الإيراني، تنظيمًا إرهابيًا خلال أسابيعها الأولى في السلطة. لكن تلك المُقترحات فقدت زخمها، بحسب الصحيفة، إثر اعتراض مسؤولي الحكومة المُخضرمين، وفي أعقاب ردود الفعل الرافضة لقرار ترامب بحظر سفر مُواطني سبع دول ذات أغلبية مُسلمة إلى الولايات المتحدة، إلى جانب العديد من السياسات المُبكِّرة الصارخة.

وأورد التقرير أيضًا تصريحات مسؤول أمريكي سابق قال إنَّ وزارة الخارجية لم تعثر على أدلةٍ جديدة تزيد فُرص تصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا خلال العامين الماضيين، مضيفًا أنَّ الدبلوماسيين المُخضرمين ومسؤولي السياسة الخارجية القُدامى داخل وزارة الخارجية لا يُفضلَّون هذا التصنيف. ودرس مسؤولو إدارة أوباما أيضًا إمكانية تصنيف الإخوان المسلمين تنظيمًا إرهابيًا، لكنهم لم يجدوا أساسًا لذلك.

وتخضع قوائم التنظيمات الإرهابية لسلطة وزارة الخارجية الأمريكية، ويستطيع بومبيو قانونًيا التغاضي عن آراء مُحامي الحكومة وتوصيات الوكالات الأخرى. ورفضت وزارة الخارجية التعليق على الدراسة المُستمرة لمُقترح تصنيف الإخوان المُسلمين تنظيمًا إرهابيًا، بحسب الصحيفة الأمريكية. وضغط بومبيو فجأةً من أجل تمرير التصنيف الإرهابي وفرض العقوبات على الحرس الثوري الإيراني في الثامن من أبريل، أي قبل زيارة السيسي إلى البيت الأبيض بيومٍ واحد.

وقال مسؤولٌ بارز في إدارة ترامب إنَّ تصنيف الحرس الثوري عزَّز جهود البيت الأبيض لتصنيف الإخوان المسلمون تنظيمًا إرهابيًا. لكن المسؤول اعترف بأنَّ التحرُّك ضد الإخوان المسلمين يُمثِّل توسعًا في طريقة استخدام عملية التصنيف الإرهابي من قِبَل الإدارات الأمريكية المُتعاقبة، بحسب التقرير. ووصف المسؤول النقاش الداخلي الدائر بأنَّه «عمليةٌ مُنفِّرةٌ للغاية»، لكنه أكَّد أنَّ الأمر يأتي على رأس أولويات ترامب التي سيُحقِّقها بنهاية المطاف. ويدرس مسؤولو الإدارة أيضًا فكرة تمرير تصنيفٍ أضيق نطاقًا ليستوفي المعايير القانونية.

وتطرَّق التقرير إلى خيارٍ آخر هو فرض التصنيف الإرهابي على الفرع الرئيسي لجماعة الإخوان المسلمون في مصر، نظرًا لأنَّ هذا هو أكبر مصادر القلق بالنسبة للسيسي. لكن المسؤولين يرون أنَّ هذا الخيار أيضًا سيُمثِّل إشكاليةً كُبرى، نظرًا للانقسامات داخل الجماعة التي تزيد صعوبة تعريفها. ولا يُوجد دليلٌ على أنَّ الجماعة في مصر دعت أو أمرت بتنفيذ هجماتٍ على المصالح الأمريكية، بعكس داعش أو القاعدة.

ويستطيع ترامب أيضًا إصدار أمرٍ تنفيذي ضد الإخوان المسلمين باستخدام صلاحيات إعلان حالة الطوارئ الممنوحة للرئيس. ونفت الصحيفة أن يُؤدِّي هذا الأمر التنفيذي إلى إعلان جديد لحالة الطوارئ على غرار ما يُحاول ترامب فعله من أجل إنفاق أموال أكثر مما خصَّصه الكونجرس، لبناء الحواجز بطول الحدود مع المكسيك، لكنه سيرتبط بحالة الطوارئ الحالية المُتعلِّقة بالإرهاب. ويقول المسؤولون إنَّ هذه الطريقة ستُمكِّن الرئيس من إعلان الإخوان المُسلمين تنظيمًا إرهابيًا دون الرجوع إلى وزارة الخارجية.

وطالبت مجموعةٌ من الساسة الجمهوريين في واشنطن لسنوات أن تصنف حكومة الولايات المتحدة الإخوان تنظيمًا إرهابيًا أجنبيًا، بحسب التقرير. إذ ضغط كروز في عام 2017 لتمرير تشريعٍ يُلزِم وزارة الخارجية بدراسة ما إذا كان الحرس الثوري والإخوان المُسلمون يستحقان تصنيف المنظمات الإرهابية.

وانضم بومبيو أواخر عام 2015، حين كان عضوًا في الكونجرس من ولاية كانساس، إلى المُشرِّعين الجمهوريين في السعي لتمرير مشروعٍ يُدرِج الإخوان المُسلمين على قائمة الجماعات الإرهابية الأجنبية. وانتهز النقاد تلك الفرصة لاتِّهام بومبيو بتبنِّي آراء مُعادية للإسلام، لكنه أنكر الأمر بحسب التقرير.

وأوردت الصحيفة الأمريكية في ختام تقريرها تصريحات حسن إبيش، الزميل البارز في «معهد دول الخليج العربية في واشنطن»، الذي قال إنَّ بعض جماعات تنظيم الإخوان المُسلمين في الشرق الأوسط لم تَعُد مُتمسكةً بجذور الحركة العقائدية والعابرة للحدود.

وأضاف أنَّ تصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا «سيُؤدِّي إلى عقابهم بشكلٍ أو آخر» على الإصلاحات. واختتم حديثه قائلًا: «الأمر غريبٌ للغاية. وهذه الفكرة خاطئةٌ تاريخيًا. ويبدو أنَّ صاحبها لا يُدرك التغييرات الكبيرة التي حدثت».

كانت ذراعًا للسلطة دومًا.. تغييرات كبيرة تمر بها «جماعة الإخوان» في السودان الآن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد