أن تكون شابًا مسلمًا في الولايات المتحدة الأمريكية، يعني بالضرورة أن تتنقل بين هويات متعددة وتُضطر للتعامل معها. ويتجلى ذلك تحديدًا عند الوقوع في الحب والزواج.

لا يمكن بحال من الأحوال تغافل التغيرات التي حدثت على المجتمع المسلم الأمريكي على مر الأجيال، ولا سيما بالمقارنة بجيل الألفية. فما أسباب هذا التغير؟ وإلى أي مدى قد تغير الثقافة الأمريكية الهوية المسلمة لمسلمي أمريكا، خاصة مع وجود الهويات المركبة؟ وهل تعد تخوفات الأئمة والأهل في محلها، أم أنها تخوفات مبالغ فيها؟ تتناول «إيما جرين» في تقريرها المنشور على موقع «ذي أتلانتيك» قضية الهويات المتعددة أو المتغيرة في بعض السياقات لمسلمي أمريكا، وباعتبار علاقات الحب والزواج علاقات معقدة تمس صميم الهوية، اتخذت الكاتبة من الحب والزواج مدخلًا لفهم ما تمر به الهوية المسلمة الامريكية.

تصف «تاز أحمد» – مسلمة عزباء، تبلغ من العمر 38 عامًا من بنغلاديش – نفسها بأنها شخص روحي، ولكنها ليست بالضرورة متدينة. أثناء تنشئتها كان يأمل والداها المهاجران أن تتزوج من شخص يعمل موظفًا في تكنولوجيا المعلومات تعرفا عليه في أوكلاهوما؛ فكان رد فعلها أن اندهشت؛ إذ إنها لا تعرف عنه أي شيء، وتساءلت حول درجة معرفة أهلها به، لكن كان لسان حال والديها: «أسئلتك كثيرة جدًا، وأنت لست بحاجة لكل تلك المعلومات».

تقول الكاتبة: إن «تاز» مثل غيرها من المسلمين الأمريكيين من جيلها، لم تتوقف عن التعامل مع الأوجه المتعددة لهويتها طوال حياتها، على سبيل المثال ذهبت لحفل نهاية الدراسة، بعد أن تعهدت لأمها أنها ستذهب بصحبة «فتى مثلي»، وبدلت فكرة زواجها في العشرينات مقابل اجتهادها للحصول على درجة الماجستير، وتبعت فرقة موسيقية في جولتها حول الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن الفرقة كانت فرقة مسلمة تدعى كوميناس.

لكن بالطبع هناك لحظات حاسمة وكبيرة في الحياة تدفع المرء للمساومة مع الهويات الثقافية، وليس هناك ما يستدعي التساؤلات حول الهوية والقيم أكثر من محاولة فهم من ينبغي أن تواعد أو تتزوج.

صورة «مباشرة تازامال» أحد الذين أجرت الكاتبة معهم حوارًا حول الهوية

اتجاهان متناقضان تجاه المسلمين

تعتقد الكاتبة أن أمريكا عادة ما تقدم للشباب المسلم مسارين متنافرين، فمن ناحية هناك أمثال الرئيس دونالد ترامب ينشرون تغريدات بها مقاطع فيديو غير موثقة؛ بهدف تأكيد مزاعم وافتراءات عنف المسلمين، ويتفوهون غير عابئين بعبارات، مثل «أعتقد أن الإسلام يكرهنا»، ويزعمون أنه «لا يوجد اندماج حقيقي» بين الجيل الثاني والثالث من المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما على الجانب الآخر هناك أناس آخرون تأتي تصرفاتهم على غرار شخصيات فيلم «ذا بيج سيك»، فيلم السيرة الذاتية الذي يصور قصة حب «كوميل نانجياني»، الفنان الكوميدي المسلم الذي يرفض الدين، ويقع في غرام امرأة بيضاء؛ ما دمر عائلته المهاجرة.

بينما في الواقع، يقع أغلب المسلمين في منطقة وسطية بين الطريقين، يمر المسلمون في أمريكا، وتحديدًا نسبة 60%، وهم الأقل من أربعين سنة، بعملية أمريكية جوهرية، تتمثل في اختبارهم هويات جديدة متنوعة، ومنشأة ذاتيًا في إيمانهم، بدءًا من العلمانية التامة إلى التدين الشديد، وعلى الرغم من أن تلك الملامح ربما تكون خاصة ومحدِدة للمجتمع المسلم في أمريكا، لكنها أيضًا مشتركة مع الشباب من الديانات الأخرى، كالكاثوليك واليهود، وحتى البيوريتانيين، بيد أن المسلمين يخلقون أنماطًا أمريكية مميزة من خلال دينهم.

Embed from Getty Images

المسلمون كمجموعة، متنوعون فيما بينهم أيما تنوع، وتعكس خبراتهم ذلك التنوع الشديد، فبعض المسلمين الصغار سنًا يهتمون بدينهم وثقافتهم وهويتهم على نحو عميق للغاية، لكنهم في نفس الوقت يختارون منح نواح أخرى من حياتهم الأولوية على الدين، بينما يحدد أناس آخرون طرقًا جديدة غير تقليدية؛ ليبقوا على صلة بإيمانهم، يفهم المهاجرون أمريكا بطريقة مختلفة إلى حد ما عن غيرهم ممن عاشوا في أمريكا منذ أمد بعيد، فالمسلمون السود واجهوا نوعًا مميزًا من التفرقة العنصرية، وكانت لهم احتياجات مجتمعية طائفية خاصة.

أما على المستوى الفردي، يواجه المسلمون الذين ولدوا في عائلات غير مسلمة، واعتنقوا الإسلام، تساؤلات من أفراد عائلاتهم، الذين من جانبهم يستعصي عليهم فهم هذه الديانة الجديدة، فضلًا عن كونهم مجبولين على التعرف على الثقافات غير المألوفة لأصدقائهم الجدد وشركائهم. بالإضافة إلى أن بعض المسلمين لا يشعرون أنهم مقبولون في مجتمعاتهم لأسباب متعددة، كالعرق أو الجنس أو الميول الجنسية.

الدخول في الإسلام والتطرف

كما هو الحال في المجموعات الدينية الأمريكية الأخرى، هناك أقلية صغيرة للغاية من المسلمين من صغار السن يتجهون للتطرف في دينهم، بما في ذلك التطرف في سياق الحب، مثل قصة حب «جيلين يونغ» و«محمد دخال الله»، وهي قصة طالبين من كلية «مسيسبي» أُدينا عام 2016 بتهمة التآمر للانضمام لتنظيم «الدولة الإسلامية». ووفقًا لمركز الأمن الوطني في كلية الحقوق بجامعة فوردهام، صار من الشائع بين الشباب الذين تحولوا للإسلام أن يتورطوا في قضايا متعلقة بداعش في الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن بالنسبة للأغلبية العظمى من الآباء المسلمين والمعلمين والأئمة، فإن ما يؤرقهم هو العكس: إن الشباب قد ينجرفون بعيدًا عن إيمانهم ودينهم. تقول «زارينا جريوال» – الأستاذ المساعد في جامعة ييل – إن «الناس الذين يساورها القلق بشأن الاندماج، هم الذين يتشبثون شديدًا بتقاليدهم، ويخشون فقدانها». وأضافت أن الأئمة لن يتوقفوا عن المقارنة بين الشباب المسلم واليهود، والتساؤل حول ما إذا ستصاب المؤسسات الدينية بالضرر، لاسيما بعد انتشار هذا التفسخ على نطاق واسع، فقد صار لسان حال الأئمة المسلمين: «الحاخامات يصيبهم الهلع، لذا يجب علينا أن نصاب بالهلع نحن أيضًا».

الهوية والزواج من مسلم أو مسلمة

الإسلام جزءًا مني، لكنه ليس الجزء الأساسي.

تربى كل من «سنا خان» البالغة من العمر 27، و«يوسف صديق» البالغ 29 سنة، في أسر يصفونها بـ«الصارمة»، تقول «خان»: «منزل حيث يجب أن تكون مسلمًا، ولا مجال لطرح التساؤلات حول الإسلام». لم تلتحق «خان» بمدرسة إسلامية أو مسجد للعبادة، لكن لطالما كان الإسلام جزءًا من البيئة العامة في حيِّها في كوينز المتسم بالتنوع. أما بالنسبة لـ«صديق»، الشاب الذي يعيش في الغرب الأوسط، يقول إن والديه لطالما أكدا على كونه مسلمًا، وبالتالي فهو «مختلف»، يقول: «إن كان بوسعي تغيير الماضي، على الأرجح كنت سأقلل من التركيز على ذلك».

Embed from Getty Images

تعرفا ببعضهما من خلال أصدقاء مشتركين، كانت «خان» تعمل في الصحة العامة في فيللي، بينما كان يعمل «صديق» في منظمة غير ربحية بنيويورك، تقول «خان» إنها تهتم ببعض تقاليد المسلمين، مثل الصيام في شهر رمضان، لكنها ليست حريصة على متابعة أوقات الصيام طوال العام، وتضيف أنها كانت تأمل – في نهاية المطاف – أن تتزوج شخصًا مسلمًا.

وتوضح أن الأمر بالنسبة لها كان تفكيرًا مسبقًا في كيفية إدماج زوجها المستقبلي في العائلة، وتستكمل قائلة: «التخطيط للمستقبل، بما في ذلك نوع الأسرة التي أريدها، وما العطلات التي أريد الاحتفال بها مستقبلًا. وكان شعور صديق مماثلًا، حتى على الرغم من أنه لم يعد يمارس الشعائر الإسلامية»، أما «صديق» فيوضح قائلًا: «كي يتمكن شخص ما من فهمي حقيقة، سيحتاج أن يكن لديه مستوى معين من المعرفة، والأريحية فيما يتعلق بالقضايا الدينية».

في الفترة التي سبقت حفل زفافهما، في خريف 2017، مرت «خان» و«صديق» ببعض الخلافات البسيطة للغاية مع العائلة بسبب الدين، واجتاز الزوجان ذلك، على الرغم من أن أهل كل منهما كانوا يراقبونهما أكثر من المعتاد. وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات حول ما خططه الزوجين لعقد النكاح – أو ما يعرف بعقد القران – عند المسلمين، حاولا أقصى جهدهم لتجنب الخلافات من خلال تجنب التحدث عن الإسلام من الأساس.

يقول صديق: «من الصعب على والدي التعامل مباشرة مع قلة التدين»، بيد أنه يؤكد على أن والديه ليس لديهما أية أفكار مضللة بأنه يذهب بانتظام لصلاة الجمعة، أو بأنه يذهب للمسجد ويصلي، بل يكاد يكون واثقًا من أنهم على يقين بأن هناك تدهور مطرد فيما يتعلق بممارسته العبادات منذ وقت طويل.

تقول الكاتبة إنهما يأملان أن يجدوا في نهاية المطاف مجتمعًا دينيًا يلائمهم، مجتمعًا «تقدميًا» وأكثر «مرونة» من المجتمع الذي نشأوا فيه، وتختم خان حديثها عن قصتها وزوجها قائلة: «إن الإسلام جزء مني، لكنه ليس الجزء الأساسي».

الهوية وتدين جيل الألفية

الهوية الأمريكية والهوية المسلمة لا تستبعد إحداهما الأخرى.

تقول الكاتبة: إن قصة «خان» و«صديق» تشبه نمط قصص جيل الألفية؛ فمثل كثير من الشباب في جيلهم، انسحبوا من المؤسسات الدينية وممارسة الشعائر المنتظمة. يقول «عبدالله العنتبلي»، إمام يدرس في مدرسة ديوك ديفانتي، إنه عادة ما يرى أنماطًا مشابهة في أوساط الطلاب الذين يدرسهم أو يعمل معهم، يقول «هناك فرق مذهل بين جيل الطلاب وجيل الآباء من حيث طريقة تفكيرهم في هوية المسلمين الأمريكيين.

يريد الآباء الاستثمار في الجانب المسلم من تلك الهوية المركبة؛ إذ يساورهم القلق الشديد بشأن بعض جوانب تلك الهوية، ويعتقدون أنها «يجب أن تصان». أما من ناحية الطلاب، فإن أغلبهم «يتعامل مع الجانب الأمريكي من تلك الهوية ويشحذه». ولعل ما أورده مركز «بيو» للأبحاث يقدم بعض البراهين التي تفسر القلق الذي ينتاب الآباء؛ إذ يكشف أن أقل من نصف المسلمين في أمريكا تحت سن الأربعين يذهبون للمسجد أسبوعيًا للصلاة، فضلًا عن أن ثلث المسلمين فقط تحت عمر الثلاثين يواظبون على الصلوات الخمس اليومية.

Embed from Getty Images

تقول « جريوال» – إحدى المشاركات مؤخرًا في دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث حول ديموغرافية المسلمين الأمريكيين – «لكن بالمقارنة مع شباب جيل الألفية من الديانات الأخرى، فإن المسلمين متدينون إلى حد كبير». حسب ما جاء في أبحاث مركز بيو، فإن حوالي ثلثي المسلمين تحت عمر الأربعين يقولون إن الدين مهم جدًا في حياتهم، مقارنة بنسبة أربعة من كل عشرة أمريكيين من جيل الألفية يعتقدون ذلك.

تقول الكاتبة إن تلك الأرقام تؤكد على نقطة أن «الهوية الأمريكية والهوية المسلمة لا تستبعد إحداهما الأخرى»، بل حقيقة، يبدو العديد من الشباب المسلم الذين تحدثت الكاتبة معهم يستكشفون دينهم «بطرق أمريكية مميزة». تقول «مباشرة تازامال»، البالغة من العمر 28 عامًا، وتعيش في نورث فيرجينيا، إنها تفكر في «الإسلام يوميًا»، وتقيم الصلاة يوميًا، لكن ليس بالضرورة في المسجد أو في جماعة، وحسب قولها، فإن والديها «لا يفهمان نمط العبادة الذي تتبعه تحديدًا»، وتوضح موقفهم قائلة: إنهما ليسا خائفين أو قلقين أو أي شيء من هذا القبيل، بل «هم فقط مرتبكون ومشوشون بطريقة محايدة».

تقول «تازامال» إنها في سنين تنشئتها، كان والداها «متدينين للغاية»، وإلى حد كبير محافظين، إذ كانوا يصلون الصلوات الخمس يوميًا، وكانت والدتها تتلو القرآن كل صباح، وعلى الرغم من أنه لم يكن هناك مساحة للتساؤل حول الإسلام في بيتها، كانت «تازامال» دائمًا الطفلة التي لا تكل من طرح الكثير من الأسئلة حول كل شيء، واستمر ذلك حتى مراحل نضجها. تشير «تازامال» إلى أنها لا تحبذ مصطلح «متدين»، فالصورة الذي التصقت بتلك الكلمة توحي بأن الشخص المتدين هو شخص صارم، وينصب جل تركيزه على الأفعال والممارسات، لذا تصف نفسها بأنها «روحانية»، وإيمانها قوي.

أما عن زوجها «فهد»، فتقول «تازمال»: إن علاقته بالإسلام عميقة، ويحلم الزوجان بأن يؤسسا منزلهما وأسرتهما مرتكزة على الإيمان، فتقول على سبيل المثال: «نريد أن نحتفل بالعيد، وهو أكبر العطلات في الإسلام، وأحيانًا يقام احتفال كبير فيه»، وتؤكد «تازمال» أن الأهم من ذلك، إذا راود أطفالهما تساؤلات حول أمور متعلقة بالدين، فلن يكون جوابهم مماثلًا لما كان يقوله آباؤهم: «لا تسأل؛ من الخطأ أن تسأل».

الزواج المدبر وعلاقته بالهوية؟

«المسلمون يشكلون مجتمعات، حيث الزواج فيها ليس أمرًا فرديًا بالكامل، وليس رحلة مستقلة تخوضها بصحبة شريك حياتك وحدكما، بل تنطلق في تلك الرحلة بصحبة عائلتك».

تقول الكاتبة: إنه «حتى الشباب المسلم الذين يحيون حياة متدينة تقليدية، يضطرون إلى التعامل مع الهويات المختلفة». على سبيل المثال: أجرت الكاتبة حوارا مع «توبا شاه»، فتاة مسلمة تبلغ من العمر 21 عامًا، وتنتمي إلى مجتمع الأحمدية، وهي طائفة إسلامية تأسست في القرن التاسع عشر، يعتقد أتباعها أن المسيح الدجال الذي تنبأ به الرسول محمد قد عاد بالفعل، تقول «توبا» إن أحد أساتذتها صدم لدى معرفته أنها تعرفت على خطيبها من خلال عائلتها، وأن جدها وجدته شقيقين، لاسيما وأنها ولدت وترعرعت في كاليفورنيا، أخبرها أنه «ليس من الشائع رؤية أطفال مثلك، ولدوا وتربوا في الغرب، لكنهم يتمسكون بالممارسات والعادات الشرقية».

بيد أن تجربتها تعد أمرًا شائعًا إلى حد ما، تقول «أمال كيلاوي» – طالبة دكتوراة في جامعة روتجرز، تدرس الصحة والعلاقات بين المسلمين، إن الدين يلعب دورًا كبيرًا في الحياة الزوجية للكثير من المسلمين، لذا ربما حان الوقت للتفكير في ما هو مهم، «هويتك، وما نوع المنزل والأسرة التي تود بناءها».

تقول «كيلاوي» إنه على الرغم من أن بعض الأمريكيين يفزعون لدى سماعهم مصطلح «الزواج المدبر» الذي يستدعي للأذهان الصور النمطية عن زواج الاطفال والزواج بالإكراه، إلا أن النسخة الأمريكية من الصورة النمطية عن «الزواج المدبر» هي نسخة مبسطة للغاية. حيث يمسك الزوجين المحتملين بزمام الأمر، لكن بعكس بقيت الأسر الأمريكية، ربما يتدخل الوالدان في اختيار الزوج أو الزوجه، وتضيف أن المسلمين الأمريكيين عادة ما يشكلون مجتمعات «أشبه بالمجتمع الجمعي، حيث الزواج فيه ليس أمرًا فرديًا بالكامل، وليس رحلة مستقلة تخوضها بصحبة شريك حياتك وحدكما، بل تنطلق في تلك الرحلة بصحبة عائلتك».

الهوية المسلمة واللون (المسلمون السود)

الاندماج والتماثل مع النموذج الأبيض أمر غاية في الصعوبة.

تركز المناقشات التي تدور حول الاندماج بالأساس على المهاجرين، لكنها تغفل تجارب المسلمين الذين استقروا في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أمد بعيد، وحسب ما أورده مركز بيو للأبحاث فإن حوالي 58% من البالغين المسلمين ولدوا خارج الولايات المتحدة الامريكية؛ ما يعني أن هناك 42% من البالغين المسلمين ولدوا في الولايات المتحدة الأمريكية.

تقول «إخلاص كاليم»، 28 عامًا، امراة مسلمة نشأت في ولاية أتلانتا: إن «أكثر من نصف من كانوا هنا طوال ثلاثة أجيال أو يزيد، من السود»، وتضيف «ولكونهم بداية من السود، ثم من السود المسلمين، لا أعتقد أن هناك مجالًا للتماثل مع الهويات الأخرى». وتصف الوضع بأن «الاندماج والتماثل مع النموذج الأبيض أمر غاية في الصعوبة».

تعرفت «كاليم» على زوجها «جوشوا»، من خلال ما أطلقت عليه «الزواج المدبر الحديث» إذ لم يأت الوالدان بزوج لها، ولكن كان بداية التعارف عن طريق الأصدقاء، وتواصل جوشوا مع والدتها بعد أن أخذ رقم هاتفها من أحد أصدقاء «كاليم». وتسرد «كاليم» محاولاتها قبل التعرف على جوشوا، فتقول «جربت مقابلة كل أنواع الناس بما في ذلك غير المسلمين»، إذ لم تعتقد أن الأمر على قدر كبير من الأهمية، لكن تضيف: «بينما تقدم بي العمر، تغيرت أولوياتي، وكنت أتصور حياتي وأسرتي على نحو مختلف. أريد أن تحتفل عائلتي بشهر رمضان معًا، وأريد أن أذهب للمسجد للصلاة بصحبتهم، فالقيام بتلك الأمور يصبح أصعب، إذا كان الزوج غير مسلم».

Embed from Getty Images

وتستطرد قائلة إنه على الجانب الآخر، شكل الزواج من «مسلم أسود» تحديات مختلفة. وفقًا لمركز بيو للأبحاث، فإن حوالي خُمس المسلمين الأمريكيين سود، وثُلثهم تقريبًا أسيويون أو من دول جنوب أسيا، وحوالي 41% إما من البيض، أو عرب. جربت «كاليم» أحد التطبيقات الخاصة بمواعدة المسلمين، لكن وجدته يعج برجال من جنوب آسيا، وهم بطبيعتهم لا يميلون للنساء السود، وبالتالي كان البحث في هذا التطبيق شاقًا.

لم تكن «كاليم» متحمسة للزواج من شخص أسود، على الرغم من أن العديد من أزواج صديقاتها من السود. وتقول: «ليس من الطبيعي أو المعتاد في حياتي اليومية أن أصادف رجالًا سود مسلمين، فأنا لا أرى أي رجال سود مسلمين، حيث أعمل، ولا أراهم عندما أسافر أو أتنقل للعمل، حتى إنني لم أرهم في صلاة الجمعة عندما أذهب للصلاة بالمسجد».

لكنها في النهاية تزوجت من «جوشوا» مسلم أمريكي أسود، وبينما كانا على طريق التعارف، خاضا خلال قائمة من الأسئلة حول مستقبل أسرتهما، على سبيل المثال: كيف يرغبان في ممارسة الشعائر الإسلامية في بيتهم، هل يرغبان في إلحاق أبنائهم المستقبليين بمدارس دينية، وما مدى تركيزهم على تحفيظ أبنائهم القرآن، وتقول إن اهتمامهم بتلك الأمور لا يعني أنهم ليس لديهم تساؤلات حول الدين والثقافة والهوية، لكن السؤال حول كيف «سيكونون أمريكيين» ليس بالأمر الحيوي الذي ينشغلون به.

تؤكد «كاليم» على اعتقادها بأن الأجيال الشابة من المسلمين يرفضون فكرة التماهي، «فهو ليس أمرًا يهم جيل الألفية، نحن متميزون ونفتخر بهويتنا»، جدير بالذكر أن «إخلاص كاليم» تستضيف برنامجًا إذاعيًا بالتعاون مع زميلة مسلمة تدعى «مكة علي»، وعادة ما يناقشان في برنامجهما التحديات الخاصة التي يواجهها الزواج والعلاقات.

الهوية والمعتنقون الجدد للإسلام

أما بالنسبة للذين تحولوا للإسلام، فيعد السؤال حول التماهي والاندماج غير ذي صلة. وفق ما كشفه مركز بيو للأبحاث، فإن نسبة من غيروا ديانتهم، فاعتنقوا الإسلام، تقدر بحوالي 21% من إجمالي عدد المسلمين في أمريكا، ويشكلون نسبة 44% من إجمالي المسلمين الذين ولدوا في الولايات المتحدة الأمريكية. أجرت الكاتبة حوارًا مع «تشارلز تيرنر» – الابن الأبيض لعائلة كاثوليكية – والذي ترعرع في مدينة صغيرة بولاية فيرجينيا، وعندما التحق بجامعة كومنولث فيرجينيا، بدأ يصاحب مجموعة من أعضاء منظمة الطلاب المسلمين، وهناك قابل «طيبة سيد».

وبينما توطدت علاقتهما بسبب الجوانب المشتركة، كالدين والعمل والمدرسة، تقول طيبة إنهما لم يشاركا خبر تعارفهما مع كثير من الناس؛ إذ هناك احتمال أن يحملوا الأمر أكثر مما يحتمل؛ باعتباره أمرًا محرمًا، وليس مجرد علاقة عمل بين النساء والرجال.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن «تيرنر» اعتنق الإسلام في التاسعة عشر من عمره، استغرق والدا طيبة وقتًا طويلًا كي يتقبلا علاقتها به، إذ كان رد فعلهما في البداية أنها مازلت «مراهقة»، وأنها تتخذ قرارات «ساذجة». تقول طيبة: إن أهم تساؤلات الأهل كانت تدور حول قدرتهما على التعامل مع خلفيات عائلتيهما؛ إذ لا ينحدران من نفس الخلفية الثقافية، «فكيف ستنجح علاقتهما في المستقبل»، ولعل أبرز الأسئلة التي شغلت والدي «سيد» كان: كيف سيتصرفان في حياتهما الأسرية؟

أما من ناحية عائلة «تيرنر»، كانت لديهم العديد من التساؤلات حول العالم الغريب الذي اختاره ابنهم لنفسه، يقول «تيرنر»: إن بعض أفراد أسرته أبدوا بعض التخوفات والتساؤلات، حتى وإن لم يصارحوه مباشرة بذلك. ويصف تصرفهم ذلك بأنه ليس من قبيل «العدائية، بل فضول وقلق، وقليل من التخوف».

وبعد أن أنهت طيبة دراستها في كلية طب الأسنان، رق قلب والديها وسمحا لهما بالزواج العام الماضي. أقاما حفل زفاف مميزًا من حيث ما تغاضوا عنه، وما أدمجوه من حبكات صغيرة؛ ليقربا بين عالمي أسرتيهما المختلفين، على سبيل المثال: تغاضى الزوجان عن حفل الزفاف الكبير على الطريقة الباكستانية، واكتفوا بحفل بسيط، إضافة إلى أنهم أدمجوا فكرة وصيفات العروس ورفقاء العريس الغريبة على الثقافة الباكستانية، فضلًا عن أنه تم استقبال العروس على أنغام موسيقى رقص أيرلندية.

انتقل الزوجان مؤخرًا إلى ولاية يوتاه، حيث أعداد المورمونيون الغفيرة، ويبدو أنها تناسبهم تمامًا. يقول تيرنر: «لا أظن أن هناك مكانًا صديقًا للأسرة أكثر من مدينة سولت ليك»، رحبت «كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة (LDS)» بهما أيما ترحيب؛ إذ تدعم الكنيسة مجتمع المسلمين هناك. ويتطلع الزوجان إلى تعليم أبنائهم في المستقبل الكثير حول دينهم.

الهوية المسلمة والمثلية الجنسية

لا يمكن أن يعيش المرء بكلتا الهويتين: المسلمة والمثلية الجنسية.

تقول الكاتبة: إن من خلال ما ذكره الأزواج السابقون، يبدو أن تجربة التعامل مع الهوية المسلمة كانت غاية في السهولة، إذا ما كانوا مغايري الميول الجنسية، أي يميلون للجنس الآخر، أو ما يطلق عليهم «مستقيمو الميول الجنسية». كشفت دراسة حديثة، لمركز بيو للأبحاث، أن المسلمين الأمريكيين صاروا أكثر انفتاحًا بقدر كبير تجاه المثلية الجنسية في السنوات الأخيرة، يرى حوالي النصف من المسلمين الأمريكيين أن المجتمع يجب أن يتقبل المثلية الجنسية، وذلك مقارنة بنسبتهم قبل عقد من الزمان؛ إذ بلغت الربع.

وعلى الرغم من هذا الانفتاح الكبير تجاه تقبل المثليين، فلم تزل تلك النسبة أقل بكثير من نسبة الأمريكيين عامة؛ إذ يؤيد 63% من الأمريكيين تقبل المثلية الجنسية. تقول الكاتبة: إن المسلمين المثليين والمتحولين جنسيًا ربما يقعون تحت «ضغط مزدوج» من أجل الاندماج مع التيار العام للثقافة الأمريكية، وفي نفس الوقت مواجهة المعايير الثابته التقليدية «للمسلم الصالح»، حيث الميول الجنسية المغايرة.

تقول «سابا تاج»، شابة مسلمة غير متدينة، تبلغ من العمر 31 عامًا، تعيش في مدينة دورهام بنورث كارولينا، إنها باعتبارها فنانة مسلمة، شعرت دائمًا بالعزلة، ففي حين سعى جميع أصدقاؤها تجاه تخصصات الطب، كانت الوحيدة التي اتجهت نحو الفنون. تعتقد أنها خذلت عائلتها؛ إذ كانت هناك اختلافات كبيرة بين ما أرادوه لها، وبين ما كانت تفعله وتريده.

تقول «سابا» إنها عندما تعرفت بـ«ليلى نور»، الموسيقية التي تبلغ من العمر 30 عامًا، والتي كانت تقطن بالقرب من جرينسبورو حينها – أصابتها الدهشة، وكان لسان حالها: «في أي عرف يمكن أن تقطن موسيقية فنانة مسلمة على مقربة ساعة واحدة مني؟» تواصلت الفنانتان وتشاركتا الموضوعات الفنية، كانت «سابا» ترسم عادة النساء ترتدين الحجاب، وتتناول فكرة الإسلاموفوبيا في فنها، بينما كانت أغاني «نور» مميزة بعناوينها العربية.

Embed from Getty Images

أما «نور» فقد ترعرعت وسط عائلتها من المسلمين السود في مدينة نيويورك. ولد أبواها في أسرة مسيحية، واعتنقا الإسلام، بينما كانوا في المدرسة الثانوية، تذكر «نور» أن فكرة «المثلية» لم تلق أي قبول في منزل عائلتها، وبسبب ميولها المثلية، كان هناك نفور واشمئزاز منها، حتى من عائلتها التي ترعرعت في كنفها، لدرجة أن عائلتها لم تعد تعتبرها «مسلمة» بسبب أنها «سحاقية». بسبب تلك التجربة الطويلة التي خاضتها «نور» ضعفت صلتها بالدين؛ فتقول «عندما غادرت بيتي في عمر الثامنة عشر، أنكرت الإسلام». وتوضح بعض التشوش الذي أصابها حينها؛ فهي كانت مسلمة سابقًا، وتربت على الإسلام، ولم تزل تمارس بعض الشعائر، لكنها في النهاية ليست مسلمة بسبب ميولها الجنسية المثلية.

تعتقد نور أن الأمور بدأت تتغير بعد أن التقت بـ«سابا»؛ فتقول «على الرغم من علمي بوجود مسلمين شواذ، كان الأمر بالنسبة لي أشبه بفكرة وجود أحادي القرن (الحيوان الخرافي): مستحيل». لم تشعر أن إسلامها إسلام حقيقي، كانت مقتنعة أنه «لا يمكن أن يعيش المرء بكلتا الهويتين». بيد أنها على مدار العام الماضي، بدأت في إعادة تقييم إيمانها، وحسب قولها، بدأ اجتماعها بـ«سابا» يثير الكثير من صراعاتي مع الهوية، من حيث كوني مثلية من ناحية، ومسلمة من ناحية أخرى، تقول إن اجتماعها بها أشعل داخلها «أشياء كنت قد كبتها داخلي عمدًا، وتركتها راكدة في سكون لفترة طويلة جدًا».

قررت «تاج» و«نور» أن تتزوجا في يناير (كانون الثاني)، أي قبل فوز ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية. وعلى الرغم من قرار المحكمة العليا في عام 2015 في أوبرجيفيل بالسماح للزواج من نفس الجنس، إلا أنهما كانتا قلقتين بشأن فقدان حقوقهما في ظل إدارة ترامب. وبما أن المناخ السياسي أصبح معاديًا علانية للمسلمين، فقد شعرتا بأنه من المهم الإفصاح عن هوياتهما، «كلها بلا استثناء». تقول نور: إن ذلك أشعرها «بالقوة»، وكان شعورًا «جميلًا»؛ إذ كانت تدافع عن كونها «في الحقيقة مثلية ومسلمة أيضًا».

تقول «تاج» إن والدتها، وعلى الرغم من صراعاتهم العائلية الطويلة «كانت رحيمة جدًا لدرجة لم أتخيلها أبدًا». وبدأت «نور» مؤخرًا تتواصل مع أختها الصغيرة بعد سنوات طويلة من القطيعة، وتأمل أن تقيم هي و«تاج» يومًا ما حفل زفاف يحضره عائلتاهما. تؤكد الكاتبة أنه بعد صراعات وقطيعة طويلة مع العائلة، وصراعات داخلية تتعلق بالهوية، كانت «تاج» و«نور» حريصتين على ألا تروى قصتهما بشيء من التبسيط والاختصار.

تقول الكاتبة: إنه على الرغم من صعوبة أن تفصح كل منهما عن هويتها المسلمة المثلية، فقد دافعتا دفاعًا شديدًا عن عائلتيهما المسلمة الأمريكية، كمجتمع مسلم، ألا يقعوا فريسة للقوالب النمطية التي ترسم الإسلام والمسلمين بنفس الطريقة الجامدة الأحادية، والتي صاغتها «نور» في عبارة «كل المسلمين هوموفوبيك (يعانون رهاب المثلية الجنسية)». وكما هو الحال مع الأزواج المسلمين الآخرين الذين قابلتهم الكاتبة، تؤكد أن قصصهم ليست مجرد حكايات بسيطة للاندماج في الثقافة الأمريكية أو رفضها، فالصفات التي استخدموها بشكل جماعي لوصف أنفسهم شملت «الفنان» و«الأسود» و«المثلي» و«الجنوبي» و«الموسيقي» و«غير المتوافقين جنسانيًا» و«الإنسان»، وبطبيعة الحال «مسلم».

الهوية والأرضية المشتركة

تقول الكاتبة: «إن ما تناوله التقرير يعرض الخيط الرئيس الذي يسري في علاقات المسلمين العاطفية وحياتهم في أمريكا، فهي دومًا تجربة تنطوي على التعددية وخلط الهويات والتعامل مع توقعات مختلفة ورغبات متباينة، بدءًا من أفراد العائلة وصولًا إلى الثقافة بشكل عام، فذلك تحديدًا لب التجربة الأمريكية».

تقول «كيلاوي» إنها تجربة اندماج في بلد أسسته هويات مختلطة متباينة وغامضة، وتضيف أن «هذا النوع من المحاولات لإيجاد أرضية مشتركة عماده موافقة القيم الثقافية والتقليدية والدينية على حد سواء مع القيم الأمريكية». ومن الطبيعي أن يصبح ذلك نفسه جزءًا من عملية الزواج، ومن الطبيعي أيضًا أن يصبح الاندماج طبيعة ثانية للعديد من المسلمين الذين نشأوا في أمريكا، فبمورو الوقت يحتم عليك أن تنخرط في عملية الاندماج لتنجو.

وتختتم الكاتبة تقريرها مؤكدة على أن الهوية الأمريكية ليست نموذجًا معياريًا لتقييم المسلمين أو غيرهم من المجموعات الدينية الأخرى وفقًا له، أمريكا بلد معقد للغاية، والمسلمون أيضًا متباينون فيما بينهم للغاية، على حد وصف «جريوال» فإن محاولة الجمع بين عائلتين لتربطهما علاقة زواج ونسب، أعقد بكثير من أن تطالب كبار السن الذين أتوا من بلد آخر، ومن عالم آخر أن ينصاعوا للبرنامج المتبع في أمريكا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد