في تقريرٍ نشرته مجلة «أيون» الأمريكية سلط المؤرخ سام هاسلبي الضوء على تاريخ وصول المسلمين إلى الأمريكتين، وحقيقة أنَّهم تواجدوا هناك منذ مئات السنين، ربما قبل البروتستانتية نفسها.

جاء ذلك في محاولة منه لتوفير إجابةٍ على أسئلة برزت منذ تنصيب الرئيس الأمريكي ترامب عام 2017، حين ثار نقاشٌ شديد الأهمية يتعلق بأسئلةٍ عن هوية المواطن الأمريكي، وما إن كان المسلمون يستحقون صك المواطنة الأمريكية أم مجرد «دخلاء».

تأثير مسلمي الأندلس

أشار هاسلبي إلى أنَّ الكلمات الأولى التي تبادلها الأوروبيون والأمريكيون، التي يعتقد أنَّها لا بد وأنَّها كانت أحادية الجانب ومثيرة للارتياب، كانت بلغة الإسلام المقدسة. إذ أبحر كريستوفر كولومبوس آملًا الوصول إلى آسيا، مستعينًا على الاتصال بأهلها في قصورها العظيمة بواحدةٍ من اللغات الرئيسة للتجارة في أوروبا وآسيا.

فحينما تحدث مترجم كولومبوس اليهودي الإسباني إلى سكان جزيرة هيسبانيولا (جمهورية الدومينيكان وهاييتي حاليًا) من شعب «التاينو»، كانت العربية هي اللغة التي تحدث بها. ولا يقتصر الأمر على اللغة فحسب، فالإسلام نفسه على الأرجح وصل إلى شواطئ أمريكا عام 1492، أي قبل أكثر من 20 سنة على تعليق «مارتن لوثر» رسالة احتجاجاته على باب كنيسة فيتنبرغ، مطلقًا عصر الإصلاح البروتستانتي.

وعقب غزو الموريسكيين (المسلمين الأفارقة والعرب) لمعظم أجزاء شبه الجزيرة الإيبيرية عام 711، أقاموا دعائم حضارة إسلامية دامت لفترة تربو على ثمانية قرون من الزمان. بيد أنَّه بحلول سنة 1491 تمكن ملوك إسبانيا فرديناند وإيزابيلا من استكمال حملات الاسترداد، وهزيمة المسلمين في آخر ممالكهم الإسبانية غرناطة. ومع نهاية القرن كانت محاكم التفتيش بعد 100 عام من تشكيلها قد أجبرت ما بين 300 إلى 800 ألف مسلم (وما لا يقل عن 70 ألف يهودي)، على التحوّل إلى المسيحية.

ورغم ذلك فقد درج الكاثوليك الإسبان على الارتياب في ممارسة الموريسكيين أو المتحولين لشعائر الإسلام (أو اليهودية) سرًا، فاستمرت محاكم التفتيش في مطاردتهم واضطهادهم. وعلى الأرجح أبحر بعضهم ملتحقًا بطاقم كولومبوس، حاملين الإسلام في قلوبهم وعقولهم.

Embed from Getty Images

لكن في تقدير المؤرخ، فإنَّ القرون الثمانية للحكم الإسلامي في إسبانيا خلَّفت إرثًا ثقافيًا عميق الأثر، إرثٌ أخذ في التجلي بطرقٍ واضحة وأحيانًا مدهشة في إبان الحملات الإسبانية على الأمريكتين. ومن الأمثلة التي ذكرها على ذلك أنَّ برنال دياز ديل كاستييو، مؤرخ حملة هرنان كورتيز على منطقة أمريكا الوسطى، حينما أراد التعبير عن إعجابه براقصات السكان الأصليين وأزيائهن، كتبَ: «وارتدين ملابس بالغة الحسن بمعاييرهن الخاصة، وبَدونَ فيها مثل النساء الموريسكيات».

واعتاد الإسبان أيضًا استعمال كلمة «mezquita»، التي تعني مسجد بالإسبانية، للإشارة إلى الأماكن الدينية للسكان الأصليين. فضلًا عما يذكره كورتيز من أنَّه رأى أكثر من 400 مسجد في أثناء ترحاله عبر «أناهواك» (تكساس والمكسيك اليوم).
ولهذا حسبما يرى هاسلبي فإنَّ الإسلام مثَّل نوعًا من المخطط الذهني المسبق بالنسبة للإسبان في العالم الجديد، وأصبحت بعض أفكاره نهجًا يتعاملون به مع العالم. فبينما واجهوا أناسًا وأشياءً جديدة عليهم، التفتوا إلى الإسلام لعلهم يفهمون من خلاله ما يروه وما يحدث حولهم.

ويشي بذلك استعمالهم اسم «كاليفورنيا»، وما قد ينطوي عليه أصله من جذور عربية. فالاسم الذي أطلقه الإسبان سنة 1535 على المنطقة الأمريكية مستمدٌ من رواية «مآثر إسبلانديان Deeds of Esplandian»، الصادرة عام 1510، وهي رواية فروسية رومانسية حظيت بشعبية كبيرة بين الغزاة، من بين ما ترويه قصة جزيرة «كاليفورنيا» الغنية التي يحكمها الأمازونيات السود وملكتهم «كالافيا». ومن الجدير بالنظر أنَّ «مآثر إسبلانديان» نُشرت في إشبيلية، التي ظلت لقرون جزءًا من الخلافة الأموية (لاحظ كلمات «خليفة»، و«كالافيا»، و«كاليفورنيا»).

وعلى امتداد سواحل نصف الكرة الغربي، كلما نزلوا بأراضٍ جديدة أو التقوا بأناسٍ جدد، قرأ عليهم الغزاة الإسبان «المطالب» أو «requerimient»، وهو بيانٌ قانوني منمّق كُتب في بنود. انطوى في جوهره على إعلانٍ بقيام تنظيمٍ جديد للمجتمع: يُعرض فيه على السكان الأصليين فرصة التحول إلى المسيحية والإذعان للحكم الإسباني، أو الإعراض وتحمل مسئولية التبعات من «الخسائر في الأرواح والممتلكات».

هذا الإعلام الرسمي والصريح بالنية في الغزو، مصحوبًا بمنح غير المؤمنين فرصة الاستسلام والالتحاق بالمؤمنين، هو أول شرط رسمي للجهاد في الإسلام. والأمر أنَّ الإسبان، تأثرًا بقرونٍ من الحروب مع المسلمين، تبنوا تلك الممارسة، وأضفوا عليها صبغةً مسيحية، وسمَّوها «المطالب»، وأخذوها معهم إلى أمريكا. وربما اعتقد مسيحيو شبه الجزيرة الإيبيرية في بطلان الإسلام، وربما رأوه دينًا شيطانيًا، غير أنَّهم أيضًا قد عرفوه جيدًا. وهم حتى ولو رأوه غريبًا، فلا شك أنَّها كانت غرابة شديدة الألفة بالنسبة لهم.

ويشير هاسلبي إلى أنَّه حسبما يعلم المؤرخون، فإنَّه بحلول سنة 1503 كان مسلمو غرب أفريقيا أنفسهم قد أتوا إلى العالم الجديد. ففي ذلك العام أرسل حاكم هيسبانيولا التابعة للتاج الملكي إلى إيزابيلا، يطلب منها التوقف عن استجلاب مزيدٍ من المستعبدين المسلمين. فقد كانوا كما كتب في رسالته «مصدرًا للهرج ودعاةَ عصيانٍ بين الهنود الأصليين» بإصرارهم على «الهروب من ملَّاكهم» مرارًا وتكرارًا.

وفي صباح يوم عيد الميلاد سنة 1522، اشتعلت أول ثورة للعبيد في العالم الجديد، حين ثار 20 من العبيد العاملين بمزارع السكر في هيسبانيولا، وأعلنوا التمرد، وأخذوا في ذبح الإسبان. الثائرون كانوا في معظمهم، كما يذكر الحاكم، من «الولوف»، إحدى شعوب منطقة سنغامبيا في غرب أفريقيا، التي اعتنق أهلها الإسلام منذ القرن الحادي عشر الميلادي.

وقد غلب على المسلمين في الأرجح – أكثر من غيرهم من الأفارقة المستعبدين – معرفةَ القراءة والكتابة، وهي ملكةٌ قلّما حبَّذ وجودها أصحاب المزارع. وعلى إثر تمرد عبيد هيسبانيولا سنة 1522، أصدرت إسبانيا في العقود الخمسة التالية خمسة مراسم تحظر استجلاب العبيد المسلمين.

وهكذا فإنَّ المسلمين وصلوا إلى أمريكا قبل أكثر من قرنٍ من تأسيس شركة فرجينيا لمستعمرة «جيمس تاون» سنة 1607. وعندما شرع البيوريتانيون في إقامة مستعمرة «خليج ماساتشوستس» عام 1630، كان قد مضى على وصول المسلمين إلى شواطئ أمريكا ما يزيد على 100 عام. مما يعني أنَّ المسلمين كانوا يعيشون في أمريكا، ليس قبل وصول البروتستانت إليها فحسب، بل قبل أن توجد البروتستانتية نفسها. بالإضافة إلى أنَّ الإسلام كان الديانة التوحيدية الثانية في الأمريكتين، بعد الكاثوليكية.

تاريخٌ انتقائي

لذلك فإنَّ سوء الفهم الشائع، حتى بين أوساط المتعلمين، بأنَّ الإسلام والمسلمين محض إضافاتٍ حديثة لأمريكا، يوضح في رأي المؤرخ أشياء مهمة عن الكيفية التي كُتب بها التاريخ الأمريكي. ويكشف على وجه الخصوص عن الكيفية التي قدَّم المؤرخون بها المسوِّغات، وأضفوا بها الاحتفاء والتقديس على سردية نشوء الدولة القومية الحديثة. فقد كانت إحدى طرق زيادة قيمة الولايات المتحدة الأمريكية هي التقليل من مدى الضخامة والافتقار إلى التجانس (والتأكيد على الكوزموبوليتانية والتنوع والعيش المشترك بين شعوبٍ مختلفة) في الأراضي الأمريكية، خلال الأعوام الثلاثمائة الأولى من مجيء الأوروبيين.

علاوةً على ذلك فقد هيمنت المؤسسات البيوريتانية على عملية كتابة التاريخ الأمريكي. وربما لم يعد الأمر الآن كما كان قبل 100 عام، حين اشتكى المؤرخ الأمريكي (الجنوبي) أولريك بونيل فيليبس من أنَّ ولاية بوسطن هي التي كتبت التاريخ الأمريكي، وأنَّ ما كتبته جاء متحيزًا إلى حدٍّ بعيد.

بيد أنَّه فيما يتعلق بتاريخ الدين في الولايات المتحدة، فإنَّ عواقب هيمنة المؤسسات البيوريتانية البارزة في بوسطن (جامعة هارفارد)، وفي نيو هافِن (جامعة ييل)، تبقى هائلةً في رأي هاسلبي. ولذلك فإنَّ هذا «التأثير البيوريتاني» في تصور وفهم الدين في العهود الأولى لأمريكا (وجذور نشأة الولايات المتحدة) يترك أثرًا بالغ التشويه: بحيث يبدو الأمر كما لو أنَّنا سلمنا تاريخ أوروبا السياسي في القرن العشرين إلى التروتسكيين.

ويشير هاسلبي في هذا الصدد إلى أنَّ هناك نظرتين للتاريخ. إحداهما هي النظر في التاريخ باستحضار عمق الخبرة الإنسانية واتساعها، فتنفذ إليه كما حدث بالفعل، ويقودك إلى تاريخ العالم كما هو، وتاريخ المكان والبشر كما هم. وتأتي على النقيض منها تلك النظرة إلى التاريخ بوصفه ماضيًا، يتكون من تلك القطع والأجزاء المتفرقات من التاريخ، التي ينتقيها المجتمع لكي يمنح نفسه المشروعية، ويقر بها أشكال حكمه، ومؤسساته، وقيمه المهيمنة.

لهذا كله، فإنَّ قضية نسيان مسلمي العهد الأول في أمريكا أكبر بكثير من مجرد شأنٍ نخبوي، وتبعاتها وثيقة الصلة بمسألة الانتماء السياسي اليوم. فتاريخ الأمم حسبما يراه هاسلبي ليس أضرحةً ولا صناديق رفاتٍ لحفظ الموتى أو تذكاراتهم، بل كائنٌ حي، حريٌ به كما تشكَّل أن يتجدد، وإلا ضمُر واندثر. واحتكار الإنجيليين البروتستانتيين الفعلي لتاريخ الدين في أمريكا أخفى حضور المسلمين الذي استمر لـ500 عام، وصعَّب رؤيةَ إجاباتٍ واضحةٍ لأسئلة مهمة حول من ينتمي إلى أمريكا، ومن هو الأمريكي، وحول معايير الانتماء، ومن يملك حق إقرارها.

ما الذي ينبغي إذًا أن تعنيه «أمريكا»، أو ما الذي ينبغي أن يعنيه كون المرء «أمريكيًا»؟ يشير هاسلبي في هذا الشأن إلى إجابةٍ محتملة يطرحها «معهد أموهندرو»، المؤسسة العلمية الرائدة في التاريخ الأمريكي المبكر، في برنامجه عن «أمريكا الشاسعة في عهودها الأولى».

فوفقًا للمعهد، مصطلحات مثل «أمريكا المبكرة» و«الأمريكي» هي بالفعل مصطلحات كبيرة وعامة، لكن ليست كبيرة بالقدر الذي يكاد يجعل منها مصطلحاتٍ لا معنى لها. وأفضل فهم لتلك المصطلحات، من الناحية التاريخية، هو بوصفها ذلك الغزو والصدام والامتزاج العظيم الذي بدأ سنة 1492، بين شعوب وحضارات (وحتى حيوانات وميكروبات) أوروبا وأفريقيا مع شعوب ومجتمعات النصف الغربي من الكرة الأرضية، من المنطقة التي تمتد من البحر الكاريبي العظيم إلى كندا.

ومن سنة 1492 إلى 1800 تقريبًا كانت أمريكا ببساطة هي «أمريكا الكبرى»، أو أمريكا الشاسعة في عهودها الأولى كما يسميها المعهد.

Embed from Getty Images

مصطفى الزموري.. مغربي في مجاهل أمريكا الأولى

يتتبع هاسلبي وصول المسلمين إلى أمريكا في عهودها الأولى، مشيرًا إلى أنَّهم كانوا جزءًا من أمريكا الكبرى منذ البداية، بما فيها تلك الأجزاء التي ستصبح فيما بعد الولايات المتحدة الأمريكية. ومن هؤلاء مصطفى الزموري، المسلم العربي ذو الأصول المغربية، الذي وصل إلى فلوريدا سنة 1527، عبدًا في حملة إسبانية مشؤومة، قادها بانفيلو دي نارفاييث.

ورغم كل الصعاب، نجا الزموري، وأقام حياةً لنفسه مرتحلًا من سواحل المكسيك عبر ما يُعرف الآن بالجنوب الغربي للولايات المتحدة، وعبر منطقة أمريكا الوسطى أيضًا. وكابد مشاق العبودية للسكان الأصليين، قبل أن يستقيم له أمره، ويصبح طبيبًا يُشار إليه بالبنان.

وفي سنة 1542، نشر كابيزا دي فاكا، أحد الناجين الأربعة من حملة نارفاييث، أول كتاب أوروبي يكرسه صاحبه للحديث عن أمريكا الشمالية. هذا الكتاب الذي عُرِف لاحقًا باسم «مغامرات في مجاهل أمريكا Adventures in the Unknown Interior of America»، يروي فيه دي فاكا أخبارَ الكوارث التي حلت بالغزاة، وسنوات الأسر الثمانية التي أمضاها الناجون في ترحالهم عبر مناطق شمال ووسط أمريكا.

ويذكر كيف غدا الزموري شخصًا لا يمكنهم الاستغناء عنه، «فقد كان العبد الزنجي هو من يتحدث إليهم طيلة الوقت»، و«هم» هنا عائدة على الأمريكيين الأصليين. وهكذا كانت براعة الزموري في اللغات المحلية هي ما أنقذ حياة الرجال، حتى أنَّها فتحت لهم أبواب نوعٍ من ازدهار العيشِ بعد فترة من ذلك.

ويشير هاسلبي إلى أنَّ الزموري ربما شاهد مما يمثل الولايات المتحدة الحالية وأراضيها وأهلها أكثر بكثير مما شهد أيٌ من «الآباء المؤسسين» لأمريكا، بل أكثر منهم مجتمعين. إذ تروي ليلى العلمي المزيد والمزيد من تفاصيل تلك الرحلة في روايتها المتميزة «ما رواه المغربي The Moor’s Account» الصادرة عام 2014، والتي تتعقب فيها الزموري من مرحلة الطفولة في المغرب، إلى استقراره في إسبانيا، حتى نهايته الغامضة في الجنوب الغربي الأمريكي.

وإذا كان ثمة شيء يمكن أن يوصف بأنَّه أفضل نسخة تجسّد روح الريادة الأمريكية أو تطلعها الذي لا يعرف حدودًا، وتعكس تجربةً ملهمةً في القدرة على التكيف والابتكار، تجربةٌ جديرة بأن توسم بها أمة، أو مجموعة من الناس، فإنَّه من الصعب في رأي هاسلبي أن تجد شخصيةً اجتمع لها وفيها كل ذلك أكثر من الزموري.

المراحل التاريخية للعبودية الأمريكية

يرصد هاسلبي بعد ذلك بداية مجتمعات المستعمرات القائمة على المزارع في تشيسابيك، بين عامي 1675 و1700؛ مما استدعى الأسياد المحليين لجلب أكثر من 6 آلاف أفريقي إلى مستعمرات فرجينيا وماريلاند. وبحسب تقريره نجم عن هذه الطفرة التجارية تغييرٌ بالغ الأثر في الحياة الأمريكية.

فقد كان عدد الخدم البيض في تشيسابيك سنة 1668 يفوق عدد العبيد السود بمقدار خمسة إلى واحد. غير أنَّه بحلول سنة 1700، كانت تلك النسبة قد انقلبت. بالإضافة إلى أنَّ العقود الأربعة الأولى من القرن الثامن عشر شهدت وصول المزيد من الأفارقة إلى منطقة تشيسابيك، وأدّى التنامي في ثروات المزارعين بين عامي 1700 و1710 إلى استجلاب 8 آلاف عبدٍ أفريقي آخر. وببلوغ ثلاثينات ذلك القرن، كان العدد يتزايد بمعدل ألفي مستجلَب جديد إلى تشيسابيك كل عام.

وعلى إثر ذلك كانت تشيسابيك الأمريكية آخذة في التحول من مجتمع به عبيد (وقد شهدت معظم المجتمعات البشرية تاريخيًا وجود عبيد بحسب هاسلبي) إلى ما يُعرف بـ«مجتمع عبيد»، وهو ما لم يكن أمرًا عاديًا على الإطلاق. فمجتمع العبيد تكون العبودية فيه المؤسسة التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية، وتشغل فيه العلاقة بين السيد والعبد موقع العلاقةَ الاجتماعية النموذجية، التي تعد نموذجًا لبقية العلاقات.

ويشير المؤرخ إلى أنَّ الأجيال الأولى من الأفارقة المُستجلبين إلى أمريكا الشمالية كانوا عادةً ما يعملون في الحقول إلى جانب أسيادهم، ويشاركونهم النوم تحت سقفٍ واحد. بالإضافة إلى أنَّهم حسبما ذكر المؤرخ الأمريكي أيرا برلين في كتابه «رحل آلافٌ عديدون Many Thousands Gone» الصادر عام 1998، أبدوا نزوعًا كبيرًا إلى اعتناق المسيحية، آملين أن يساعدهم التحول على تأمين مكانةٍ اجتماعية لهم.

فقد كانت تلك الأجيال التي وصلت مبكرًا من عبيد «التعاقد» كما أسماهم برلين مختلفةً عن هؤلاء الذين استُجلبوا بعد ذلك في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر للعمل كعبيدٍ في فرجينيا وماريلاند وكارولينا الشمالية والجنوبية، وجاءوا من أجزاءً مختلفة من غرب أفريقيا، أو جزر الهند الغربية. فقد كانوا في معظمهم من المسلمين، وكان اختلاط العرق فيهم أقل من الأجيال الأولى بكثير.

وأبدت أجيال «عبودية المزارع» اهتمامًا ضئيلًا بدعوات التحول إلى المسيحية؛ مما دفع المبشِّرين وأصحاب المزارع للشكوى منهم، وانتقاد ما اعتبروه ممارسةً لـ«طقوسٍ وثنية». وهو ما يؤكد أنَّ الإسلام تمكن من شق طريقه والبقاء حيًا إلى حدٍ ما في مزارع مجتمعات العبيد الأمريكية.

ويروي هاسلبي أنَّه على نحوٍ مماثل استغل الفرنسيون بين عامي 1719 و1731 الحرب الأهلية في غرب أفريقيا لاستعباد الآلاف، واستجلاب ما يربو على 6 آلاف أفريقي مباشرةً إلى لويزيانا. جاء معظمهم من منطقة فوتا تورو، التي تقع على نهر السنغال، وتمتد اليوم على مساحاتٍ متداخلة من موريتانيا والسنغال.

وكان الإسلام قد وصل إلى فوتا تورو في القرن الحادي عشر الميلادي، ومنذ ذلك الحين عُرفت فوتا تورو بعلمائها وجيوشها المجاهدة ونظم حكمها الدينية، ومنها دولة «إمامة فوتا تورو» الدينية، التي استمرت من 1776 إلى 1861.

وتأثرت حركة استجلاب العبيد إلى الأمريكتين أيضًا بتبعات الصراعات الأفريقية التي اشتعلت أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، في منطقة الساحل الذهبي (غانا حاليًا)، وممالك الهوسا (معظم نيجيريا الحالية)؛ فقد شهدت الأولى هزيمة تحالف الأفارقة المسلمين على يد الأشانتي. أما ممالك الهوسا، فرغم انتصار المجاهدين، خسرت أثناء حروبها الكثير من أبنائها لتجارة الرقيق والغرب.

ثم ينتقل هاسلبي إلى قصة مسلمٍ آخر، وهو «أيوب سليمان ديالو»، الذي يقول إنَّه كان أكثر مسلمي أمريكا الشمالية شهرةً في القرن الثامن عشر. انحدر ديالو من أصلٍ فولاني، والفولانيون أحد الشعوب الإسلامية التي قطنت غرب أفريقيا. وكان التجار الأوروبيون في فترةٍ مبكرة من القرن السادس عشر قد اتخذوا عددًا كبيرًا من العبيد من بين الفولانيين، وأرسلوهم ليُباعوا في أمريكا.

وُلد ديالو في منطقة بُندو، التي تحيط بها أنهار السنغال وغامبيا، في ظل نظام حكمٍ ديني إسلامي. وأسرَه تاجر عبيدٍ بريطاني سنة 1731، وتقلبت به الأحوال حتى بيعَ في نهاية الأمر إلى مالك عبيدٍ من ماريلاند. ثم أدرك مبشر أنجليكاني معرفة ديالو بالكتابة بالعربية، وعرض عليه شرب الخمر اختبارًا لدينه.

وشرع كاتبٌ بريطاني في وقت لاحق في كتابة قصة استعباد ديالو ونقله إلى ماريلاند، فحوَّل اسمه الأول «أيوب» إلى الاسم الأنجليكاني «جوب» ، ولقبه «ابن سليمان» إلى «بن سولومون». ليصبح «أيوب بن سليمان» بهذه الطريقة هو «جوب بن سولومون».

Embed from Getty Images

كيف غدت أسماء المسلمين العربية أسماء أنجليكانية؟

يقول هاسلبي: إنَّ تجربة الاستعباد والتهجير إلى أمريكا قد شهدت على مثل هذا النمط، فالعديد والعديد من الأسماء العربية غدت أسماء أنجليكانية؛ وأُحيلت الأسماء القرآنية إلى ما يشبه ألفاظًا مستمدة من نسخة «الملك جيمس» من الكتاب المقدس. فقد أصبح موسى «موسيز»، وإبراهيم «أبراهام»، وتحوَّل أيوب إلى «جاكوب» أو «جوب»، وسليمان إلى «سولومون» … وهلم جرًّا.

واعتمدت الروائية الأمريكية «توني موريسون» في روايتها «نشيد سولومون Song of Solomon» الصادرة عام 1977 على تاريخٍ أمريكي طويل من تلك الممارسات المرتبطة بالأسماء الإسلامية، بدءًا من عنوان الرواية نفسه المشتق من أنشودة شعبية احتفظت كلماتها بأجزاء من تاريخِ بطلها «ميلكمان ديد» وعائلته. إذ يتهزّج أيضًا مقطعها الرابع بأسماء الأبناء: «سولومون، وريْنا، وبلالي، وشالوت/ياروبا، ومدينة، ومحمد أيضًا».

وكل تلك الأسماء، أسماء لمسلمين جيء بهم من أفريقيا، واستُعبدوا في فرجينيا وماريلاند وكنتاكي وكارولينا الشمالية والجنوبية، وأنحاء مختلفة من أمريكا. بعبارةٍ أخرى: لم يكن «نشيد سولومون» سوى «نشيد سليمان»، وربما كان كذلك في نسخته الأولى حسبما يظن هاسلبي.

وفي تقدير المؤرخ، كانت إعادة تسمية العبيد – بأسماء هدفها أحيانًا الازدراء والسخرية – أداةً مهمة لترسيخ سلطة أسياد المزارع، وبالتالي، كان من النادر التخلي عنها. ومع ذلك ظلت الأسماء العربية، في كافة أنحاء أمريكا الشمالية، جزءًا من السجلات التاريخية. إذ تحفظ سجلات محاكم لويزيانا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر محاضر وإجراءاتٍ تخص أفرادًا يحملون ألقابًا عربية، مثل المنصور، وثومان، وعماديت، وفاطمة، وياسين، وموسى، وبَكاري، ومَعمَري، وغيرها.

وتتناول سجلات محاكم فرجينيا في القرن التاسع عشر تفاصيل محاضر قانونية تتضمن أسماء سليم، وبلالي، وفاتيما، وإسماعيل، وأليك، وموسى، وآخرين. وقد قضى عالم الاجتماع نيوبل بوكيت الذي عاش في القرن العشرين شطرًا طويلًا من حياته يجمع موادًا إثنوغرافية عن الحياة الثقافية للأمريكيين الأفارقة.

وفي كتابه «أسماء السود في أمريكا: الجذور والاستعمال Black Names in America: Origins and Usage»، يوثِّق بوكيت أكثر من 150 اسمًا عربيًا شائع الاستخدام بين ذوي الأصول الأفريقية في الجنوب الأمريكي. ويذكر أنَّه في بعض الأحيان، كان الفرد يُطلق عليه اسمان، واحد إنجليزي أو «اسمه كعبد» للأغراض الرسمية، بينما يشيع أكثر استخدام اسمه الآخر «العربي».

يتابع هاسلبي قائلًا: إنَّه «من العسير أن نعرف مدى ارتباط بقاء تلك الأسماء العربية بتمسك أصحابها بالهوية أو ممارسة الدين، بيد أنَّه من المستبعد ألا تكون هناك علاقة بينهما على الإطلاق». فعلى سبيل المثال، تطالعنا صحيفة كانت تصدر في جورجيا سنة 1791 ببلاغٍ عن عبدٍ هارب أوصافه: «ذكر زنجي يُدعى جيفراي… أو إبراهيم».

ولمَّا كانت عملية التسمية تخضع لمراقبة دقيقة من طرف ملّاك العبيد، فمن المحقق في رأي المؤرخ أنَّ كثيرًا من الرجال الذين دُعُوا بـ«جيفراي»، كانت أسماؤهم في الأصل «إبراهيم»، وأنَّ كثيرًا من النساء اللواتي حملن اسم «مايسي» كن يُدعين في الأصل «معصومة»، وهكذا.

وأشار إلى عمل الباحث لورينزو داو تيرنر في منتصف القرن العشرين خلال دراسته للغة الجولا (إحدى اللغات الكريولية التي كان يتحدثها بعض سكان جزر البحر المطلَّة على الساحل الجنوبي الغربي للولايات المتحدة)، والذي وثَّق «نحو 150 اسمًا من أصول عربية» يشيع استخدامها نسبيًا في جزر البحر وحدها، ومنها أكبر، وعلي، وأمينة، وحامت، وغيرها الكثير. بالإضافة إلى أَّن «مصطفى» كان اسمًا مألوفًا في المستعمرات بكارولينا الشمالية والجنوبية أوائل القرن التاسع عشر.

ويوضح هاسلبي إلى أنَّ الأسماء العربية لا تعنى بالضرورة كون المرء مسلمًا، على الأقل ليس في المغرب العربي أو المشرق بشكل عام، حيثُ العرب منهم مسيحيون ويهود أيضًا. بيد أنَّ انتشار الإسلام هو ما جلب الأسماء العربية إلى الغرب الأفريقي. ومن ثمَّ فإنَّ هؤلاء الأفارقة والأمريكيين – الأفارقة الذين حملوا اسم أمينة وأكبر، أو على الأقل آباءهم أو أجدادهم، كانوا حسبما يعتقد من المسلمين.

Embed from Getty Images

اختلاف المسلمين عن غيرهم من المُستجلبين في العهود الأولى

يوضح هاسلبي أنَّ السلطات الإسبانية كانت قد حاولت بدافع الخوف حظر استجلاب المسلمين إلى مستعمراتها الأمريكية الأولى. غير أنَّه بحلول القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حينما غدت مجتمعات العبيد في أمريكا البريطانية أكثر استقرارًا وأمانًا، كان بعض أصحاب المزارع يؤثرون العبيد المسلمين على غيرهم. بيد أنَّه في الحالتين كان المنطق الدافع للسادة واحدًا: المسلمون أكثر تميزًا، ويكتسبون سلطةً بين العبيد، وقدرةً على التأثير فيهم.

ويتجلَّى هذا بحسب المؤرخ في ما كان نصح به دليلٌ نُشر عام 1803 تحت عنوان «قواعد عامة لإدارة العبيد الزنوج في مستعمرات السكر وعلاجهم Practical Rules for the Management and Medical Treatment of Negro Slaves in the Sugar Colonies. 1803». كان الدليل يُركِّز على مستعمرات الهند الغربية، وتضمَّن نصائحَ لأصحاب المزارع بأنَّ المسلمين «متميزون في رعاية الماشية والخيول، أو الخدمة المنزلية»، لكنَّهم «غير مؤهلين على الإطلاق لأعمال الحقل الخشنة، ولا ينبغي استعمالهم فيها أبدًا». ويشير مؤلف الكتاب إلى أنَّ كثيرًا من المسلمين في المستعمرات «يحافظون على تبادل الحديث في ما بينهم باللغة بالعربية».

وفي فترةٍ مبكرة من القرن التاسع عشر، دافع أحد ملَّاك العبيد، زاعمًا تقديم مقاربةٍ مستنيرة للعبودية، عن ترقية «معلّمي الديانة المحمدية» إلى «قادةٍ لقطعان الماشية، أو زنوجٍ لهم دور أكبر» في المستعمرات، فإنَّ ذلك أحرى بجعلهم أكثر «إخلاصًا لأسيادهم». واستدعى تأييدًا لفكرته هو وآخرون ذكريات اصطفاف العبيد المسلمين مع الأمريكيين في حرب عام 1812 ضد البريطانيين.

ويعود هاسلبي إلى أصول بعض المسلمين الأمريكيين فيقول: «إنَّ بعضًا ممن كانوا عبيدًا مسلمين بأمريكا في القرن التاسع عشر كانوا هم أنفسهم ملَّاكًا للعبيد أو معلمين أو قادة عسكريين في أفريقيا». ومن أبرز هؤلاء: عبد الرحمن بن إبراهيم، الذي كان قائدًا في جيش والده إبراهيم سوري، أمير أو حاكم منطقة فوتا جالون، التي هي غينيا في الوقت الحالي. وأُسرَ في الحرب سنة 1788، وهو في السادسة والعشرين من عمره، ليشتريه بعض التجار البريطانيين، ويُؤخذ إلى أمريكا.

وقضى عبد الرحمن – أو «برينس»، التي تعني بالإنجليزية «أمير» كما كان يدعوه سيده توماس فوستر- قرابة 40 سنة من عمره  يجني القطن في مزارع ناتشيز بمنطقة المسيسيبي.

وفي عام 1826، من خلال سلسلةٍ من الأحداث المستبعد وقوعها، أثار عبد الرحمن انتباه «جمعية المستعمرات الأمريكية (ACS)، التي كانت قد أُقيمت بهدف المساعدة في ترحيل الأشخاص ذوي الأصول الإفريقية في الولايات المتحدة إلى أفريقيا مرةً أخرى.

تضمنت هيئتها العديد من أثرياء البلاد المحسنين، ومن بعض أكثر السياسيين نفوذًا، وجمعت كلًا من دعاة القومية القائمة على العرق الأبيض، والمؤمنين بالعالمية المسيحية. وقد أخذت الجمعية لمدة تزيد على العامين تضغط على فوستر، الذي وافق في النهاية على تحرير عبد الرحمن، لكنَّه رفض إطلاق سراح عائلته.

ليشرع عبد الرحمن بعدها في جمع التبرعات من أجل شراء حرية أسرته، لاجئًا إلى المدن المحرَّرة من العبودية في شمال الولايات المتحدة، حيث شارك في مسيرات وتجمعات لجمع التبرعات، مرتديًا زيه «الموريسكي»، وكان يكتب الفاتحة على قطعٍ من الورق ويهديها إلى المتبرعين، دافعًا إياهم للاعتقاد بأنَّها الصلاة الربانية المسيحية.

وبهذا يشير هاسلبي إلى أنَّ عبد الرحمن كان مسلمًا، وكان يصلي صلاة المسلمين. وعندما التقى بقادة جمعية المستعمرات الأمريكية، أخبرهم بأنَّه مسلم. ومع ذلك فإنَّ توماس جالوديت، الذي كان إنجيليًا بارزًا تخرج في جامعة ييل ونشط في مجال التعليم، أصرَّ على إعطائه نسخةً عربية من الإنجيل، ودعاه لمشاركته الصلاة.

وراح الخيِّر الأمريكي البارز آرثر تابان يبذل الوعود لعبد الرحمن بالعودة المرتقبة إلى وطنه أفريقيا وبالوظيفة ذات الربح الوفير حتى يتحول إلى مبشرٍ مسيحي، يساهم في توسيع حدود إمبراطورية «الإخوة تابان» التجارية في أفريقيا.

وبعدها وصفت مجلة «الأرشيف الأفريقي والاستعماري» التي تصدرها الجمعية كيف أصبح عبد الرحمن «مشعلَ الحضارة في ظلمات إفريقيا»؛ فقد رأوه يغرس «صليب المخلِّص على أعلى قمم جبال كونغ البعيدة!» وليس ثمة تلخيص لكيفية عمل «التأثير البيوريتاني» أبلغ من هذه القصة وتفاصيلها.

فهم منذ البداية أنكروا على عبد الرحمن دينه، ورفضوا تعريفه لذاته. ثم عملت مؤسساتهم القوية المتخصصة في الكتابة والتوثيق والنشر والتعليم – وهي بحسب هاسلبي المهارات الفنية الأساسية لصياغة نسخةٍ معينة من التاريخ على أنَّها الماضي الحقيقي – على إعادة تقديمه في صورةٍ مزيفة.

ويشير هاسلبي إلى أنَّه بينما قد تبدو تفاصيل قصة عبد الرحمن استثنائية، فإنَّ تجربته كمسلم أمريكي يواجه احتكارًا بروتستانتيًا-إنجيليًا يصر على صناعة بلدٍ «مسيحي»، ليست كذلك. إذ جاء الإسلام جزئيًا ليتسامى فوق الاختلافات اللغوية والثقافية الكبيرة في آسيا وأفريقيا، وكان عبد الرحمن على سبيل المثال يتحدث ست لغات.

وعلى النقيض من ذلك، فإنَّ الإنجيلية البروتستانتية الأنجلو – أمريكية أقل عمرًا وأضيق استيعابًا، تبلورت في منطقة شمال الأطلسي المحدودة ثقافيًا، وارتبطت بعلاقة ديناميكية مع كلًا من الرأسمالية والقومية. وفي رأي هاسلبي، لعل هذا ما يجعلها تفتقر إلى القدرة على التسامي على اختلافات مجتمعها، ويجعلها تميل بدلًا عن ذلك إلى فرض التجانس، كما فعل جالوديت وتابان مع عبد الرحمن.

«وزن الكتب ذهبًا».. كيف لعبت المسلمون دورًا في الحفاظ على التراث العلمي القديم؟

أعداد المسلمين في عهود أمريكا الأولى

أمَّا عن أعداد المسلمين في أمريكا بين عامي 1500 و1900، وأعدادهم في أمريكا الشمالية، ومن ربما يكونوا قد شاركوا تجربة عبد الرحمن، فيشير هاسلبي في ذلك الشأن إلى أنَّ «سيلفيان ضيوف» تُعَد هي المؤرخة الأبرز في هذا الموضوع.

إذ ذكرت في ما قد يُعد تعدادًا متحفظًا في كتابها «خُدّام الله Servants of Allah» الصادر عام 1998: «أمريكا كان بها مئات الآلاف من المسلمين» و«قد يكون هذا كل ما يمكننا قوله عن الأعداد والتقديرات». ووفقًا لضيوف، فإنَّ من بين 10 ملايين أو أكثر من الأفارقة المستعبدين الذين أُرسلوا إلى العالم الجديد، ذهب أكثر من 80% منهم إلى منطقة الكاريبي أو البرازيل. ومع ذلك فإنَّ عدد المسلمين الذين وصلوا إلى أمريكا في العهود الأولى أكثر بكثير من عدد البريطانيين الذين وصلوا إليها خلال ذروة إقامة المستعمرات البيوريتانية.

ففي ذروة فترات الاستيطان البريطاني، إبان «الهجرات الأوروبية الكبرى» إلى أمريكا، بين عامي 1620 و1640، لم يزد عدد البريطانيين الذين وصلوا إلى أمريكا الشمالية على 21 ألف بريطاني. وربما يكون ربع هذا العدد قد جاءوا إلى أمريكا خدمًا، لكن لا يمكن افتراض وجود ميولٍ بيوريتانية لديهم. وحتى بحلول عام 1760، كانت نيو إنجلاند موطنًا لنحو 70 ألف على الأكثر من أتباع الكنيسة الأبرشانية، كنيسة البيوريتانيين الذين استعمروا نيو إنجلاند.

وعلى الرغم من قلة أعدادهم نسبيًا، فقد نجحوا في أن يصبحوا أساتذة الأمة بأسرها. ومع ذلك فإنَّ نيو إنجلاند كانت هي الخاسرة أيضًا من بعض النواحي في أثناء صعود الولايات المتحدة. فقد كان نفوذها الاقتصادي والسياسي في القرن الثامن عشر هو أقصى نفوذها. وعلى دورها البارز في الاستقلال الأمريكي، فإنَّها لم تكن يومًا مركز القوة الاقتصادية أو السياسية، لا في المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية، ولا في أمريكا الكبرى، ولا حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب تقرير المؤرخ.

ما يشغل نيو إنجلاند ليس الرب.. إنَّما التجارة!

يشير هاسلبي إلى أنَّ كون نيو إنجلاند ببساطة واحدةً من بين العديد من المستعمرات في العالم الجديد جعلها من عدة نواجٍ مهمة تبدو نشازًا عن مثيلاتها. فقد كانت متفردةً، من الناحية الديموغرافية؛ لأنَّ معظم سكانها كانوا من العائلات، وكانت طائفيةً دينيًّا، وشاذةً سياسيًّا، علاوةً على أنَّها كانت من منظور أوروبا منطقةً ثانوية في ما يتعلق بالاقتصاد. بل إنَّ عبارة «نيو إنجلاند البيوريتانية»، كانت مضلِلةً.

لم يكن الدين هو عماد الحياة التي قامت في نيو إنجلاند في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بل كانت الأسماك والأخشاب والتجارة البحرية هي محور تلك الحياة وما شكَّل ملامحها، خاصة تجارتها مع مستعمرات جزر الهند الغربية.

كما لم يكن البيوريتانيون محبوبين، ولا بالضرورة ممثلين لسكان نيو إنجلاند. حتى أنَّه، مما يتوارد ذكره أنَّ أحد المستمعين بمستعمرة خليج ماساتشوستس في بدايات القرن السابع عشر قاطع عظة قسيس بيوريتاني قائلًا: «إنَّ ما يشغل نيو إنجلاند ليس الرب، وإنَّما سمك القد».

وفي رأي المؤرخ، فإنَّ بعض السمات التي أضفت على البيوريتانيين تلك الغرابة الشديدة هي ما ساعدهم على التفوق في ميدان كتابة التاريخ. فقد أبدوا براعةً استثنائية في كل ما يخص القراءة والكتابة، والتعليم، وتفسير النصوص، وإقامة المؤسسات. ومكنتهم تلك المهارات، خاصةً بين الأمريكيين، من مواجهة التحدي المتمثل في ما يُطلق عليه عالم الاجتماع روجر فريدلاند «إشكالية تمثيل الجماعة» في العالم الحديث.

يرى فريدلاند أنَّ تاريخ الأمم قبل العالم الحديث كان عبارة عن أنساب. فالأمة كانت تلك التي تنحدر من جدٍ واحد: إبراهيم مثلًا، أو إينياس، ثم تصبح أمةً بمحض علاقة الانتماء إلى نفس النسب. بيد أنَّ نموذج الأمة الحديثة طرح أمامنا إشكاليةً جديدة من نوعها: كيف يُفترض بمجموعة من الناس أن يكونوا أمةً واحدة تتشارك في سمات جوهرية، بل وفطرية، رغم أنَّ أصولهم لا تعود لسلف أو ملك أو ملكة مشترك؟

وبحسب تقريره، في نهاية القرن الثامن عشر، لم يكن أحد يعرف كيف يمثل شعبًا ما. بيد أنَّ البيوريتانيين في أمريكا الشمالية كانوا أقرب ما يكون لتحقيق ذلك. فقد كانوا يتصورون أنفسهم ويكتبون تاريخهم ليس بوصفهم شعبًا مشتركًا، وإنَّما شعبًا مختارًا، شعبٌ لا ينحدر من نسل إله ما، لكنَّه شعب أتباع الرب. وإذا كان الهدف كتابة تاريخٍ يجمع هذه الأشتات غير المتجانسة من سكان أمريكا في أمة متحدة، فقد كان التصور البيوريتاني أبعد ما يكون عن ذلك، غير أنَّ البيوريتانيين رأوا أن تصورهم يجب أن يصبح التاريخ السائد.

Embed from Getty Images

تقاليد الإقصاء المتوارثة في التأريخ البيوريتاني

وهكذا، وفقًا لهاسلبي، أقصى التأثير البيوريتاني الكثير من الأشياء، بما في ذلك الحضور الطويل والراسخ للمسلمين في أمريكا، بالإضافة إلى بعض التجارب البيوريتانية المريرة والمفعمة بالنزاهة، وفق معاييرها الخاصة، التي كانت غير متعلقة بإسهاماتهم في التاريخ الوطني الأمريكي. وعملت المؤسسات البيوريتانية بهيمنتها على منح مستعمرة نيو إنجلاند وتاريخها دورًا يفوق حجمها بكثير.

وعلى مدار قرنين من الزمان، تغيرت الأعراف والتقاليد تغيرًا كبيرًا، بيد أنَّ مؤرخي القرن التاسع عشر العظام، مثل فرانسيس باركمان وهنري آدمز، شاركوا خلفاءهم بيري ميلر وبرنارد بايلن وجيل ليبور من مؤرخي القرنين العشرين والحادي والعشرين نفس الالتزام بالبحث عن تاريخ أمريكا، وجذور الولايات المتحدة الأمريكية، في نيو إنجلاند القرن الثامن عشر.

ويرى هاسلبي أنَّ الادِّعاء بأنَّ البيوريتانيين هم حملة لواء الدفاع عن الحرية الدينية، بوصفها التزامًا بروتستاتنتيًا إنجيليًا، كان أحد أبرز الضلالات التي عملت على إشاعتها الكتابات البيوريتانية للتاريخ. والحقيقة أنَّ البيوريتانيين والبروتستانت الإنجيليين دائمًا ما طردوا واضطهدوا أعداءهم الدينيين، من الأمريكيين الأصليين، والكاثوليك، واليهود، والشيوعيين، والمثليين، والمسلمين، وفي فتراتٍ معينة غيرهم من الفرق البروتستانتية المخالفة لهم.

بالإضافة إلى أنَّه لا جون وينثروب ولا كوتن ميدز، ولا أي جزء من طبقة ملاك الأراضي البيوريتانية، عانى اضطهادًا دينيًا حقيقيًا. وامتلاك السلطة الأنجلو بروتستانت في أمريكا، لا يتسق أبدًا مع بعض الادعاءات التي يسوقونها لحيازة السلطة الأخلاقية في المسيحية. ولا هو يتوافق بأي شكلٍ مع الفكرة التي تُشاع عن أمريكا بوصفها أرض الحريات الدينية، وملاذ المضطهدين، كما وصفها توم باين سنة 1776.

نسخة أخرى من التاريخ الأمريكي

يختتم هاسلبي مقاله مشيرًا إلى أَّنه إذا كانت هناك مجموعة دينية تمثل النسخة الأفضل من احترام الحرية الدينية في أمريكا، فهي المسلمون مثل الزموري وعبد الرحمن بن سوري. إذ جيء بهم إلى أمريكا في ظل ظروفٍ من الاضطهاد الصريح، ولاقوا الأمرّين حتى نالوا الاعتراف بدينهم وبحرية ممارسته. بالإضافة إلى أنَّهم على النقيض من البروتستانت الإنجيليين، قاوموا النزعة إلى قهر الأمريكيين الأصليين.

والأثر الأساسي للتأثير البيوريتاني كان الإصرار المستمر على إنتاج ماضٍ يدور حول الأفعال الشجاعة القائمة على المبادئ التي قام بها البروتستانت الإنجيليون (غالبًا في نيو إنجلاند وتشيسابيك، وقادت إلى تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، ونظام حكمها، ومؤسساتها). والحقيقة بحسب هاسلبي أنَّ تاريخ أمريكا ليس في المقام الأول قصةً أنجلو بروتستانتية، شأنه في ذلك شأن الغرب بوجهٍ أعم.

وما يشكل «الغرب» على وجه التحديد قد لا يكون واضحًا أو بديهيًا. بيد أنَّ العصر الأكثر عالمية في التاريخ، والذي كان مطلعه الاستعمار الأوروبي لنصف الكرة الأرضية الغربي، ينبغي أن يكون جزءًا مهمًا منه.

وبهذا فإذا كان الغرب يعني جزئيًا نصف الكرة الغربي أو أمريكا الشمالية، فإنَّ المسلمين كانوا جزءًا من مجتمعاته منذ البدايات الأولى. والنزاعات حول ماهية الأمة الأمريكية، ومن الذي ينتمي إليها، ستظل تتكرر إلى الأبد. وستبقى الإجابات مفتوحةً على طائفة واسعة من الاحتمالات، وستبقى حيويةً في أهميتها. لكن من الناحية التاريخية، فإنَّ المسلمين أمريكيون، لا تقل أصولهم انتماءً إلى أمريكا عن البروتستانت الإنجيليين.

ومسلمو أمريكا في عهودها الأولى يمثلون في رأي هاسلبي نماذجَ تعكس أفضل ممارسات وقيم الدين الأمريكي. وأي بيان أو تلميح يناقض ذلك، بصرف النظر عن حسن نيته، ينبع من شوفينية مقصودة أو موروثة.

«فورين بوليسي»: ماذا تعرف عن اضطهاد بوتين لـ«التتار المسلمين» في القرم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد